منتدى العمق

التنمية الترابية المندمجة: طموح الرؤية وتحدي التنزيل العادل

لا شك أن إطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة يمثل مقاربة جديدة في إشراك المواطنات والمواطنين في بلورة وتتبع وتقييم السياسات العمومية الترابية وتمرينا ديموقراطيا في مسلسل التشاور العمومي ، كما أنه دينامية محمودة في مقاربة الشأن العام للانتقال من منطق التدبير القطاعي المجزأ إلى منطق الشمول والتقائية الجهود لتجاوز اختلالات الماضي، إن فكرة التنمية التي تتأسس على الخصوصيات المجالية وتضع التراب في مركز الاهتمام هي فكرة متقدمة نظريا ومستجيبة للتحديات المتمثلة في الحد من التفاوتات المجالية الصارخة.

في مرحلة المشاورات وجب أن نتحلى بـنظرة نقدية بناءة كي لا تظل هذه الدينامية المجتمعية مجرد تغيير في العناوين والأشكال دون المساس بجوهر الإشكاليات، فالتحدي الأكبر الذي يواجه التنمية الترابية المندمجة ليس وضع الخطط، بل قدرة الهياكل الإدارية والترابية على استيعاب هذا الفكر الشمولي الممتزج بالطموح المجتمعي والوعي الجمعي الذي قد يطرح سؤالا عريضا حول قدرة تحقيق الاندماج الحقيقي للسياسات العمومية على المستوى الترابي، أم أن السقوط في فخ الإجرائية ستكون النتيجة النهائية وبمعنى آخر فالسؤال هنا هو هل ستتحول هذه البرامج إلى مجرد تجميع وثائق لـمشاريع دون أن يكون هناك تفكيك حقيقي للعقلية القطاعية التي ظلت مهيمنة لسنوات طويلة في أفق تذويب الاختصاصات من أجل أهداف تنموية ترابية مستجيبة لحاجيات المواطنات والمواطنين.

إن هدف تلبية احتياجات المواطنين في مختلف المجالات، وعلى رأسها الحق في الصحة، والتعليم، والسكن، والشغل والتي تعد الأركان الأربعة للكرامة الاجتماعية ستبقى رهينة بتبني آليات تنزيل فعالة موجهة نحو الأثر الاجتماعي بشكل مباشر مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة الانتباه إلى العقلية التي عادة ما توجه الخطط التنموية إلى التركيز على البنية التحتية (الطرق، المنشآت) لسهولة قياسها وتسويقها على حساب جودة الخدمات الاجتماعية والموارد البشرية المؤهلة ، حيث أنه لا قيمة لأي منشأة في غياب موارد بشرية قادرة على استدامة هذا المرفق الذي من شأنه ـتضييق الفجوة في ولوج المواطن البسيط للخدمات الأساسية.

مربط الفرس أو بيت القصيد في هذا التمرين التنموي / الديموقراطي يبقى هو الحكامة الترابية حيث يستوجب البحث عن الآليات الممكنة لنقل الصلاحيات إلى المستوى الترابي (الجهات والجماعات) مع تعزيز حقيقي لقدرات هذه الهيئات في التخطيط، التدبير، الشفافية، والمساءلة، واستكمالا للمشهد ككل لا بد من ضمان مشاركة فعلية للمجتمع المدني والفاعلين المحليين في صياغة هذه البرامج، التي تأسس ربما لعقد مجتمعي وتشكل مرآة حقيقية لتطلعات المواطنين مع اعتماد آليات فعالة لـقياس الأثر الاجتماعي بشكل مستمر.

التنمية الترابية المندمجة رؤية طموحة ونجاحها رهين بالتحلي بجرأة التنزيل التي تضع الأثر الاجتماعي أولوية الأولويات، وتتجاوز رتابة الإجراءات التقنية نحو فعل تنموي ذي روح مواطنة.