إثر خطاب العرش الأخير، حيث وجه جلالة الملك الحكومةَ لاعتماد جيل جديد من برامج التنمية الترابية، يرتكز على تثمين الخصوصيات المحلية، وتكريس الجهوية المتقدمة، ومبدأ التكامل والتضامن بين المجالات الترابية، مشترطا أن تقوم هذه البرامج، على توحيد جهود مختلف الفاعلين، حول أولويات واضحة، ومشاريع ذات تأثير ملموس… تم إطلاق مشاورات برامج التنمية الترابية في مختلف الجهات والأقاليم والعمالات، وبالموازاة تتداول مصادر إعلامية أن تقريرا للمديرية العامة للجماعات الترابية، كشف عن متابعة أزيد من 300 منتخب جماعي أمام القضاء، إثر ثبوت مخالفات جسيمة، سواء على المستوى القانوني أو التدبيري.
وقد سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن سجل في تقريره السنوي برسم سنتي 2023 و 2024، بأن الجماعات تمثل 93% من الأجهزة موضوع القضايا الرائجة لدى المجالس الجهوية للحسابات البالغ عددها 110 جهازا؛ يهم (103 جماعات)، تليها الأقاليم بنسبة 3% (ثلاثة أقاليم) ثم جهتان بنسبة 2% ومجموعتا جماعات بنسبة 2%.
وأضاف بأنه توبع في إطار هذه القضايا 253 شخصا موزعين ما بين 122 رئيس مجلس جماعة ترابية أو مؤسسةعمومية محلية أي ما يمثل 48 % من مجموع الأشخاص المتابعين، ( 115 رئيس مجلس جماعي و 3 رؤساء مجالس إقليمية، و 4 رؤساء مجالس مؤسسات تعاون أو مجموعات جماعات) و 62 موظفا وتقنيا (24%). وتوزعت المتابعات المتبقية، أي 28 %، ما بين 19 شسيع مداخيل و 17 رئيس مصلحة و 12 نائب رئيس مجلس محلي و 8 رؤساء أقسام و 8 مدراء (مدراء مصالح وموارد بشرية ووكالة جهوية لتنفيذ المشاريع) ، و5 أعضاء مجالس جماعية.
هذه المتابعات ترسخ التمثل السلبي الشائع حول مدبر الشأن العام المنتخَب، سواء على الصعيد الوطني أو المحلي الذي أصبح محط شُبهة دائمة. لا نعمم، وإن كانت الغالبية العظمى منهم “متورطة” بشكل أو بآخر في سوء التدبير، وعندما نقول المنتخب نتوجه طولا نحو السياسيين، ومنهم نحو الأحزاب السياسية حاضنة هذه الفئة من المدبرين.
وقد أثار انتباهي هذه الأيام تقاطر المقالات والأخبار بهذا الخصوص حول ما يجري في مجال تدبير الشأن العام على الصعيد المحلي. عشرات الأخبار حول واقع تدبير المنتخبين لهذا الشأن على صعيد الجماعات الترابية، في المدن الكبرى كما في المدن الصغرى.
ولعل هذا الواقع غير المقبول لتدبير الشأن المحلي، يدفع لطرح السؤال حول الجدوى من الانتخابات والأحزاب السياسية وتكليفها بمهام تدبير شؤون المواطنات والمواطنين. ومن تم حول فعالية ونجاعة القوانين المؤطرة للمهام والاختصاصات الموكولة لهم بهذه الصفة.
وتفاعلا مع الموضوع، نود أن نسلط الضوء على جانب من تدبير الشأن المحلي يهم تركيبة المجالس الجماعية والاختصاصات الموكولة لها، حيث نرى أن هذين العاملين لهما دور في سوء التسيير. دون الخوض في الأهلية والكفاءة والنزاهة وحس المسؤولية… وباقي الجوانب من تدبير الشأن المحلي. وسنعتمد الرباط نموذجا للقياس بالنسبة لنظام التدبير الجماعي للمدن الكبرى والتي تعتمد نظام المقاطعات ووحدة المدينة.
يتكون المجلس الجماعي لمدينة الرباط من 81 مستشارا طبقا للمرسوم المحدد لعدد الأعضاء الواجب انتخابهم في مجلس كل جماعة (مرسوم رقم 402. 15. 2 بتاريخ يونيو 2015)، (مجلس جماعة سلا 81 مستشارا)، (مجلس جماعة طنجة 81 مستشار)، (مجلس جماعة فاس 91 مستشارا)، (مجلس جماعة الدار البيضاء 131 مستشارا)، (مجلس جماعة مراكش 81 مستشارا)، وتبعا لذلك يكون للرئيس وجوبا 10 نواب طبقا للقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات. (رئيس مجلس النواب لديه 8 نواب فقط).
وبالنسبة لجماعة الرباط (516 ألف نسمة من السكان الحضريين على مساحة 118 كلم²/ إحصاء 2024) فإن تدبير الشأن الجماعي بواسطة مجلس يتكون من 81 مستشارا لابد وأن يخلق الكثير من المتاعب والبلوكاج … والاختلالات والتبديد والتبذير… مجرد ضبط 81 شخص داخل قاعة الاجتماعات سيتطلب ساعات من الفوضى، ناهيك عن منح دقيقة لكل عضو لمناقشة نقطة واحدة في جدول الأعمال.. تدبير أشغال اجتماعات المجلس وحده سيكلف الكثير من الجهد والمال ويفوت الكثير من التركيز والفعالية والنجاعة وسرعة اتخاذ القرار وتنفيذه. وإذا علمنا أن تركيبة هذا المجلس تضم 8 فرق سياسية، 5 لجان دائمة، و5 مقاطعات، وما يعني ذلك من مصالح حزبية وذاتية وانتخابية وارضاءات للحفاظ على الأغلبية ووو … فإن الوضع يزداد تعقيدا. ولعل تجربة الرؤساء السابقين للمجلس تؤكد ما ننبه إليه، (تجارب: فتح الله ولعلو،محمد صديقي، مرورا بأسماء أغلالو ووصولا إلى فتيحة المودني حاليا). الأمر نفسه ينطبق على مجالس المدن الأخرى ( الدار البيضاء/ فاس/ سلا/مراكش/ مكناس/ طنجة… ) خلال ولايات مختلفة.
ومن حيث الاختصاصات، فقد أصبحت المجالس الجماعية غير ذات اختصاصات واضحة عمليا من تلك التي حددتها المادة 77 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، والذي أناط بها مهام تقديم خدمات القرب للمواطنات والمواطنين.. وذلك بتنظيمها وتنسيقها وتتبعها. والتي تم تفصيلها في المادة 83 من القانون نفسه: “تقوم الجماعة بإحداث وتدبير المرافق والتجهيزات العمومية اللازمة لتقديم خدمات القرب في الميادين التالية: توزيع الماء الصالح للشرب والكهرباء؛ النقل العمومي الحضري؛ الإنارة العمومية؛ التطهير السائل والصلب ومحطات معالجة المياه العادمة؛ تنظيف الطرقات والساحات العمومية وجمع النفايات المنزلية والمشابهة لها ونقلها إلى المطارح ومعالجتها وتثمينها؛ السير والجولان وتشوير الطرق العمومية ووقوف العربات؛ حفظ الصحة؛ نقل الأموات والدفن؛ إحداث وصيانة المقابر؛ معارض الصناعة التقليدية وتثمين المنتوج المحلي؛ أماكن بيع الحبوب؛ المحطات الطرقية لنقل المسافرين؛ محطات الاستراحة؛ إحداث وصيانة المنتزهات الطبيعية داخل النفوذ الترابي للجماعة؛ مراكز التخييم والاصطياف.
كما تقوم الجماعة بموازاة مع فاعلين آخرين من القطاع العام أو الخاص بإحداث وتدبير مرافق أسواق البيع بالجملة؛ المجازر والذبح ونقل اللحوم؛ أسواق بيع السمك.
يتعين على الجماعة أن تعتمد عند إحداث أو تدبير المرافق، المشار إليها في الفقرة الثانية أعلاه، سبل التحديث في التدبير المتاحة لها، ولاسيما عن طريق التدبير المفوض أو إحداث شركات التنمية المحلية أو التعاقد مع القطاع الخاص…”.
غير أن تدبير هذه الخدمات يخرج من دائرة السلطة التنفيذية الفعلية للمجلس بمجرد توقيع عقود التدبير المفوض. (تجربة المجلس الجماعي لطنجة مع أمانديس/ وتجربة مجلس البيضاء مع ليديك، مثال على ذلك)، فضلا عن تدخل فاعلين وهيئات تنظيمية أخرى في تدبير عدد من هذه الخدمات، تدبير أسواق الجملة مثال على ذلك، (انظر رأي مجلس المنافسة رقم: ر/ 2/ 24).
وعلى إثر خلق شركات التنمية المحلية متعددة الخدمات وتزايد وتيرة رقمنة العديد من الخدمات الإدارية (الحصول والتصديق على الوثائق الرسمية، والتسجيل في الخدمات العامة، وإجراءات التراخيص) وكذا رقمنة الكثير من الخدمات المالية والاجتماعية، وتزايد انتشار واستعمال البوابات الإلكترونية وتطبيقات الهاتف المحمول، لم يعد هناك مبرر لاغراق هذه المجالس بأكبر عدد من الأعضاء، يهدرون زمن التنمية في التراشق اللفظي وتبادل الاتهامات، والصراع من أجل تقوية النفوذ والتمثيلية بالصفة في المجالس الإدارية لمؤسسات وإدارات عمومية أخرى، وهدر مزيد من الجهد والمال والوقت لدى هذه المؤسسات بسبب الشكايات والمتابعات القضائية.
كما يجب إعادة النظر في مهام واختصاصات المجالس الجماعية، قد تقتصر على التخطيط الاستراتيجي (ماذا نريد؟) والمراقبة والتتبع (كيف نريد؟) والسهر على تنفيذ الملزَمين لبنود عقود التدبير المفوض وصفقات القطاع الخاص وشركات التنمية المحلية متعددة الخدمات، ومدى التزام هؤلاء بدفاتر التحملات، وتقديم خدمات القرب للمواطنات والمواطنين بجودة عالية وفي الزمان والمكان المناسبين.
وقبل كل هذا وحتى لا يصبح المنتخبون عبئا على الدولة والمجتمع، على الأحزاب السياسية باعتبارها حاضنة هذا المنتخب أن تراجع مرجعياتها وتوجهاتها ومعايير تزكياتها وأساليب اشتغالها..
وكل انتخابات وأملنا في إصدار تشريعات تفرز نخبة من المدبرين النزهاء الأكفاء..
تعليقات الزوار
مقال أكثر من رائع لاسيما في ظل هذا التطور الذي تشهده البلاد. تحياتي للاستاذ مصطفى السباعي أعانك الله في تنوير الرأي العام.