مجتمع

موسم “المعروف” يجمع أبناء الصحراء في قلب الرباط ويخلد التراث الحساني (فيديو)

في جو مشبع بنفحات الذكر والمديح الحساني، تجمعت قبائل آيتوسى المنحدرة من الأقاليم الصحراوية، والمستقرة اليوم بجهة الرباط‑سلا‑القنيطرة، نهاية الأسبوع المنصرم لتحيي نسخة جديدة من موسمها العريق المعروف بـ “المعروف”.

فـ”المعروف” ليس مجرد لقاء عابر، بل عودة رمزية إلى مدينة آسا، إلى الزاوية الأم، إلى الجذور الأولى حيث بدأ كل شيء.

منذ الساعات الأولى، بدا المكان وكأنه قطعة من الصحراء انتزعت من عمق الجنوب ووضعت في قلب العاصمة الرباط. اللباس الصحراوي، “الملحفة”و”الدراعية”، رنين اللهجة الحسانية، أصوات “يا رسول الله” تتعالى في حلقات الذكر، ورائحة الشاي الصحراوي المنعنع تنتشر حول المكان، لتصنع عالما صغيرا موازيا، لا شيء فيه غريب سوى أن الرمال غابت وحلت محلها أرصفة الرباط.

عودة رمزية إلى الجذور

لحسن مازين أحد أفراد القبيلة يقف عند أطراف الساحة، يتأمل المشهد بعين يختلط فيها الحنين بالفخر، يحكي لجريدة “العمق” قائلا : ” ما نراه اليوم ليس مجرد احتفال، بل هو امتداد لموسم كان أجدادنا يقيمونه منذ ما قبل الاستقلال في آسا”.

يشرح في الآن ذاته “أن “المعروف” كان يعرف أيضاً بـ”المولود”، وأن القوافل كانت تشد الرحال من نواحي آسا، ومن تندوف والأقاليم المجاورة، نحو الزاوية المركزية. هناك، كانوا يتزودون، يتبادلون التجارة، ويحتفلون بذكرى المولد النبوي في موسم تتداخل فيه البركة بالتبادل التجاري، والعبادة بالعلاقات الاجتماعية”.

يحاول البكري خالد، وهو أحد أبناء أيتوسى (يحاول) إعادة تركيب تلك الصورة القديمة قدر المستطاع، يقول في تصريح لجريدة “العمق” إن الهدف هو “أن نأتي بما يجري في آسا خلال المولد النبوي، ونضعه هنا أمام أبنائنا، حتى لا ينقطع الحبل بينهم وبين أرضهم وأجدادهم”.

الهوية الوطنية

يضيف رئيس جمعية أيتوسى للاشعاع والتواصل بجهة الرباط أن هذه الدورة تتزامن مع “التصويت على القرار الأممي 2797 الذي يعد اعترافا نهائيا وطيا لهذا الملف عبر مقترح الحكم الذاتي”، معتبراً أن “الحكم الذاتي هو الحل الوحيد والواقعي الذي يبرهن على مصداقية الدولة المغربية ويؤكد الهوية الصحراوية”.

تبدو تفاصيل الموسم الممتد على يومين محسوبة بعناية، حلقات الذكر والمديح،رقصات “الكدرة”التي تثير حماس الحاضرين بإيقاعها الدائري المميز، فقرات الطرب الحساني التي تعيد إلى الأذهان ليالي الصحراء الطويلة.

في قلب هذا الملتقى تبرز “شعيرة النحيرة”، لحظة يتوقف عندها الجميع بخشوع خاص. تذبح الناقة، كما كان الأجداد يفعلون، وتتحول الأضحية إلى ولائم مفتوحة لكل من حضر.

الوعي الثقافي والسياسي

بعيدا عن الأكل والرقص، هناك ركن هادئ خصص للأطفال. ورشات صغيرة تعلّمهم بعضا من حسانيتهم الأولى، كلمات من اللهجة الصحراوية، أهازيج قصيرة، قصص عن مدينة آسا والزاوية والقبيلة. في عيون هؤلاء الصغار مزيج من فضول واكتشاف، فهم وُلدوا في الرباط وسلا والقنيطرة، لكنهم يُعرفون اليوم بأنفسهم كأبناء الصحراء أيضا. هنا تحديدا يتجلى المعنى العميق لـ”المعروف”: ليس فقط ما يُقدّم على موائد الطعام، بل ما يُقدَّم من ذاكرة وهوية ومعنى.

في الجانب الاخر، تتقاطع أحاديث الرجال بمواضيع السياسة والوطن. أحد المتحدثين يربط ما يجري في هذا اليوم بما حدث على المستوى الدولي، فيذكر تزامن الموسم مع التصويت على القرار الأممي 2797 حول الصحراء، ومع تخليد الذكرى الخمسينية للمسيرة الخضراء، والذكرى السبعينية لعيد الاستقلال. يصف الحكم الذاتي بأنه “الحل الواقعي والوحيد” ويعتبر إحياء “العروف” نفسه نوعا من تجديد البيعة الرمزية للوطن، وترسيخا لشعار “الصحراء في مغربها والمغرب في صحرائه”.

الذكر والحسانية

على منصة صغيرة ينادى على أسماء بعض الآباء والأعيان الصحراويين لتكريمهم. التصفيقات تتعالى، والدعاء يُرفع لأولئك الذين رحلوا وتركوا خلفهم هذه السلسلة غير المنقطعة من العادات. يُذكر الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن الأقاليم الجنوبية، وخاصة من قبائل الوحدات التي ظلت مرابطة في تخوم الصحراء.

في كل زاوية من زوايا الملتقى، يتكرر اسم الملك محمد السادس في الدعاء. دعاء بالصحة وطول العمر والتوفيق في قيادة البلاد. بالنسبة لهؤلاء، لا ينفصل الاحتفال بالموروث الحساني عن الانخراط في المشروع الوطني الأكبر،
فالعلم يرفرف في كل زاوية من مكان الاحتفال، والحديث عن الصحراء لا يأتي إلا مقروناً بكلمة “مغربها”.