الحماية الاجتماعية في ضوء المقاربة القائمة على الحقوق
منتدى العمق

الحماية الاجتماعية في ضوء المقاربة القائمة على الحقوق

تعد الحماية الاجتماعية إحدى الآليات الأساسية التي تعتمدها الدول لدعم الفئات الهشة، وتُفعل في لحظات الأزمات لضمان حد أدنى من الأمن المعيشي. غير أن تطور الفكر السياسي والحقوقي خلال العقود الأخيرة نقل هذا المفهوم من مجرد أداة ظرفية إلى مرتبة الحق الإنساني الأصيل، الذي تُبنى عليه اختيارات الدولة وتُقاس به مشروعية تدخلاتها. لقد أعادت المقاربة القائمة على الحقوق صياغة معنى الحماية الاجتماعية من جذوره، فحولتها من خدمة تمنح بقدر الإمكان إلى التزام ثابت يقوم على الكرامة والمساواة والإنصاف.

شهد مفهوم الحماية الاجتماعية مسارًا تاريخيا معقدا ومتدرجا؛ فقد انطلقت أولى ملامحه في أوروبا خلال القرن التاسع عشر مع بدايات تدخل الدولة الحديثة، كما تجسد في التجربة البسماركية بألمانيا التي ربطت الحماية بالعمل والإنتاج الصناعي، وأقامت أنظمة للتأمين ضد المرض والحوادث والشيخوخة. غير أن هذه التصورات كانت محكومة بمنطق الفئات المهنية والامتيازات القطاعية، أكثر مما كانت مؤسسة على مبدأ المساواة في الحقوق.

أما التحول الجوهري فجاء عقب الحرب العالمية الثانية، حين تحول الإنسان إلى مركز فلسفة الدولة الحديثة، فانبثقت في أوروبا الغربية نماذج دولة الرفاه التي وضعت الحماية الاجتماعية على أسس جديدة قوامها الكرامة الإنسانية، والمساواة في الولوج إلى الخدمات الأساسية، والعدالة في توزيع الثروة. وهكذا انتقلت الحماية من مقاربة تقنية مرتبطة بالشغل إلى رؤية أشمل تستبطن فكرة المواطنة الاجتماعية وتعتبر الأمن الاجتماعي حقا من حقوق الإنسان.

غير أن المقاربة القائمة على الحقوق لم تتبلور بصورتها الحالية إلا في العقود الأخيرة، تحت تأثير تحولات فلسفية وفكرية مهمة. فقد أعطى الاقتصادي والفيلسوف الهندي “أمارتيا سن” بُعدا جديدا للحماية الاجتماعية عبر مقاربة “القدرات”، معتبرا أن الحق لا يكتمل بمنح الموارد فقط، بل بتمكين الأفراد من تحويل تلك الموارد إلى إمكانات حياتية فعلية. ومن جانبها، قدمت الفيلسوفة الأمريكية “مارثا نوسباوم” تصورا موسعا للعدالة الاجتماعية يربط الحماية بالعيش الكريم لا بمجرد الحد الأدنى من الدخل أو الخدمات. كما أسهمت تقارير الأمم المتحدة، خصوصا منذ إعلان الحق في التنمية (1986) وتوصيات اليونيسيف ومكتب العمل الدولي، في ترسيخ مفهوم “الحماية الاجتماعية الشاملة” القائمة على الحقوق، التي تشمل الأمن الصحي، والدخل الأساسي، والحماية من الصدمات، والوصول المنصف إلى التعليم والعمل اللائق.

تتجلى أهمية المقاربة الحقوقية في أنها تُحرر الحماية الاجتماعية من منطق الإحسان أو التدبير التقني، وتضعها ضمن إطار دستوري وقانوني يجعل الوفاء بها واجبا لا خيارا. فهي لا تنظر إلى المواطن باعتباره مستفيدا سلبيا، بل صاحب حق له القدرة على مساءلة الدولة إذا قصرت. وتضمن هذه المقاربة مبدأ عدم التمييز، واستدامة التمويل، والشفافية في إدارة الأنظمة، مع ربط الحماية بالكرامة لا بالاحتياج فقط. كما أنها تقوّي الثقة بين المجتمع والدولة لأنها تجعل السياسات الاجتماعية أكثر عدلا ووضوحا وقابلية للتوقع.

ولأن العالم يعيش اليوم تحت وطأة أزمات متشابكة—من التغير المناخي إلى التحولات الاقتصادية إلى هشاشة أسواق العمل—فإن الحماية الاجتماعية القائمة على الحقوق أصبحت مسألة مهمة في صمود الدول والمجتمعات. فهي تُعيد تعريف وظيفة الدولة، وتربط التنمية بالإنصاف، وتمنح الأفراد شبكة أمان تحميهم من الفقر والمرض والبطالة وتغيرات الحياة القسرية.

إن الحماية الاجتماعية في ضوء المقاربة القائمة على الحقوق تُقدم باعتبارها رؤية إنسانية تُعيد الاعتبار للكرامة البشرية، وتضعها في صلب السياسات العمومية. تقوم هذه الرؤية على اعتبار الإنسان أساس التنمية وغايته، وعلى أن حقوقه الاجتماعية جزء من البناء المؤسساتي الذي تُقاس به جدية الدولة والتزاماتها تجاه مواطنيها. وفي عالم تتزايد فيه الهشاشة وتتعقد فيه المخاطر، يبرز هذا التحول كإحدى أهم مكاسب الفكر الحقوقي المعاصر، لأنه يؤكد أن الحماية الاجتماعية حق ثابت يلازم الإنسان في مختلف مراحل حياته، ويُشكل عنصرا جوهريا في تحقيق العدالة والاستقرار