في كل دولة، تُبنى العلاقة بين المواطن والسلطة على ميزان دقيق من الحقوق والواجبات، يقوم على التقدير المتبادل والثقة المتبادلة. وحين تختل هذه العلاقة، وتختفي الثقة من أحد الطرفين، تبرز إلى السطح أسئلة جوهرية: من يملك الهيبة؟ ومن يجب أن يحظى بها أولاً؟ المواطن أم السلطة؟
الجواب ليس بسيطًا كما يبدو. فـ”الهيبة” ليست مجرد سلطة مطلقة أو قدرة على الردع، بل هي مفهوم أخلاقي وسياسي معًا. والفرق شاسع بين أن تُحترم الدولة لأن مؤسساتها عادلة، وبين أن تُخشى لأنها متسلطة. الدول تُهاب حين تكون عادلة، لا حين تكون قاسية.
الهيبة لا تُصنع بالهراوة
في مشاهد متكررة، حين يعبّر مواطنون عن رفضهم لقرار، أو يطالبون بحق من حقوقهم، لا يُقابَلون بالحوار، بل بالقمع أو التجاهل. وكأن هيبة الدولة تقاس بمدى إسكات الأصوات لا الاستماع إليها. وهذا انحراف خطير في فهم معنى الدولة وقيم المواطنة. فالردع ليس دليل قوة، بل قد يكون أحيانًا غطاءً لضعف بنيوي في إدارة الاختلاف والتعدد.
هيبة المواطن لا تقل شأنًا عن هيبة الدولة، بل يمكن القول إنها أصلها ومصدرها. فالدولة تُبنى لأجل المواطن، لا العكس. والدولة التي تحترم مواطنيها وتقدّر حقهم في التعبير والتنظيم والمشاركة، هي دولة تُحترم فعلًا، ولا تحتاج إلى فرض هيبتها بالقوة.
الاحترام لا يُنتزع بالترهيب
السلطة التي تحرص على إصلاح التعليم، وتضمن تكافؤ الفرص، وتحمي المال العام، وتمنح القضاء استقلاليته، وتُشرك المواطن في القرار، لا تحتاج إلى تبرير وجودها بقوة التدخلات العنيفة. بل يكفيها أن ترى أبناءها، ومواطنيها، وهم يدافعون عنها لأنهم رأوا العدالة والكرامة على أرض الواقع، لا في الشعارات فقط.
في المقابل، حين يشعر المواطن أن صوته لا قيمة له، وأن مؤسسات الدولة لا تعبأ بآلامه، يفقد الثقة. وحينها، حتى أبسط مظاهر الاحتجاج قد تتحول إلى صراع نفسي مع الدولة، لا تعبيرًا حضاريًا في إطارها.
من الهيبة إلى الشراكة
ليس المطلوب إذن أن تتنازل الدولة عن حضورها، بل أن تُعيد تعريفه. الهيبة الحقيقية تُبنى عبر المؤسسات القوية، والعدالة الشاملة، والإعلام الحر، والتعليم المستنير، والقضاء النزيه. وكلما شعر المواطن أنه شريك في وطنه، لا مجرد رقم في الإحصاءات، ازدادت قوة الدولة.
لا معنى لهيبة تأتي من الأعلى فقط. فالهيبة التي لا تتغذى من قِيم الاحترام، والإنصات، والعدل، هي مجرد قشرة سرعان ما تتصدع مع أول أزمة. أما الهيبة التي تُبنى من القاعدة، من قلوب الناس وعقولهم، فهي التي تصمد وتزدهر.
خاتمة
إن هيبة الدولة ليست عدوة لكرامة المواطن، بل قرينتها. والسلطة التي تفهم هذا المبدأ، وتترجمه إلى قرارات وقوانين وممارسات، هي التي تُكتب لها الاستمرارية. لأن من يزرع الخوف لن يحصد إلا الصمت المؤقت، أما من يزرع العدالة، فسيحصد الولاء الحقيقي.
وحين نصل إلى لحظة يشعر فيها المواطن أن صوته مسموع، وكرامته مصانة، وحقوقه مضمونة، فحينها فقط يمكن أن نقول إننا نعيش في دولة مهابة. دولة تبني سلطتها من احترام مواطنيها، لا من إخضاعهم.