منتدى العمق

فلسطينيات ثلاث: غزة، الضفة، والمقاومة… أين التماسك؟

ربما يجدر بنا أن نبدأ من سؤال يفتح الباب على اتساعه: لماذا أصبحت القضية الفلسطينية الواحدة تدار من خلال ثلاثة مشاريع سياسية متناقضة؟ هذا السؤال هو المفتاح لفهم الأزمة البنيوية التي تعيشها الحركة الوطنية الفلسطينية اليوم.

ما نشهده الآن ليس مجرد انقسام جغرافي بين غزة والضفة بل هو انقسام في الرؤية الاستراتيجية للمشروع الفلسطيني نفسه. هناك ثلاث فلسطينات تتحرك بمنطق مختلف، بأدوات مختلفة، وبأهداف قد تبدو متناقضة. والسؤال الجوهري: كيف وصلنا إلى هنا؟

لنشرع أولا في تفكيك الواقع القائم في غزة. منذ 2007، تحولت غزة من مجرد جزء من الجغرافيا الفلسطينية إلى كيان سياسي مستقل بحكم الأمر الواقع. هذا التحول لم يكن خيارا طوعيا، هو نتيجة حتمية لمعادلة معقدة، حماس التي رفضت الانصياع لشروط أوسلو والسلطة الفلسطينية التي رفضت القبول بنتائج الانتخابات والاحتلال الإسرائيلي الذي وجد في هذا الانقسام فرصة ذهبية. ما يميز غزة اليوم هو اعتمادها على منطق المقاومة المسلحة كأداة سياسية واقتصادية وحتى اجتماعية. الصواريخ التي تطلق من غزة ليست فقط سلاحا عسكريا، هي رسالة سياسية مباشرة لكل من الاحتلال والسلطة في الضفة. هذا المنطق يفسر لماذا حماس، رغم الحصار والدمار المتكرر، لا تزال تحظى بدعم شعبي كبير. لكن لنتحر الدقة في هذا التحليل. غزة ليست دولة مقاومة بالمعنى الكلاسيكي، بل هي كانتون محاصر يمارس المقاومة كآلية للبقاء.  الحصار الإسرائيلي المصري حول غزة إلى أكبر سجن مفتوح في العالم، وهذا الواقع أنتج معادلة بسيطة، إما المقاومة أو الموت البطيء. لذا، فإن خيار حماس للمقاومة المسلحة ليس خيارا أيديولوجيا فقط بل يعتبر ضرورة وجودية.

أما في الضفة الغربية، فالمعادلة مختلفة تماما، لدينا سلطة فلسطينية نشأت من اتفاق أوسلو عام 1993، وكان من المفترض أن تكون مرحلة انتقالية نحو الدولة.  لكن ما حدث على مدى ثلاثة عقود هو تحول هذه السلطة من أداة للتحرير إلى جهاز إداري يخدم الاحتلال أكثر مما يخدم الشعب. لنحاول مقاربة هذا التحول بقدر عال من الموضوعية. السلطة الفلسطينية اليوم ليست كيانا ذا سيادة، هي وسيط بين الاحتلال والشعب الفلسطيني. التنسيق الأمني، الذي يبرر باعتباره حماية للشعب، تحول في الممارسة إلى أداة لقمع المقاومة وحماية الاحتلال من انتفاضة شعبية، ما أقدمه هنا ليس تحيزا، بل قراءة لما يحدث فعليا على الأرض.

والسؤال المركزي: لماذا قبلت النخبة الحاكمة في السلطة بهذا الدور؟ قد تتعدد طبقات الجواب، غير أن معناه الأساسي واضح تماما، مصالح بقاء النخبة تتناقض مع مصالح التحرر الوطني.  السلطة اليوم تعتمد على التمويل الخارجي وعلى التنسيق مع إسرائيل وعلى الحفاظ على الاستقرار ولو على حساب المقاومة. ما أقوله ليس انتقاصا من فتح كحركة تحرر تاريخية، بل نقد للنخبة التي احتكرت السلطة وتعاملت معها كملكية شخصية. ما يحدث في الضفة اليوم هو أن الشارع الفلسطيني يتحرك بمنطق مختلف عن النخبة الحاكمة، الشباب الذين يقاومون في جنين ونابلس لا يهتفون للسلطة، بل يهتفون لفلسطين. هذا يعني أن هناك فجوة بنيوية بين القيادة والقاعدة، وهذه الفجوة تتسع يوما بعد يوم.

أما المقاومة، فهي الفلسطين الثالثة. ليست المقاومة كيانا واحدا، هي شبكة من الفصائل والأفراد والمجموعات التي ترفض الخضوع للاحتلال وترفض القبول بشروط أوسلو. المقاومة موجودة في غزة بقيادة حماس والجهاد الإسلامي، وموجودة في الضفة من خلال خلايا مسلحة، وموجودة في المخيمات والقدس. لكن علينا أن نخضع واقع المقاومة لقراءة صريحة بلا مجاملة، المقاومة اليوم تواجه تحديا وجوديا: كيف يمكنها الاستمرار في ظل حصار شامل؟ إسرائيل نجحت في عزل غزة عن الضفة والسلطة الفلسطينية تقمع أي نشاط مقاوم في الضفة والأنظمة العربية تصنف المقاومة كإرهاب. في هذا الإطار، تبرز المقاومة بوضعية من العزلة على المستويات الجغرافية والسياسية والإعلامية. لكن رغم هذا العزل، تبقى المقاومة هي الرمز الوحيد للرفض الفلسطيني، وهنا، وجب علينا أن نرفع الستار عن الحقيقة بوضوح تام، أن المقاومة ليست معصومة من النقد. حماس لها أخطاء، والجهاد الإسلامي له أخطاء، وكل الفصائل عليها ملاحظات. لكن السؤال الاستراتيجي، يكمن في غياب مشروع وطني موحد، من يحمل راية المقاومة؟ الجواب واقعي، المقاومة اليوم هي الحل الوحيد لمن رفض الاستسلام.

أين التماسك؟

يجب جمع المؤشرات وربطها لاستنتاج الرؤية الشاملة، لدينا ثلاث فلسطينات: غزة التي تعتمد على المقاومة المسلحة، والضفة التي تدار بمنطق التنسيق الأمني، والمقاومة التي تبحث عن مساحة للفعل.  المشكلة الحقيقية ليست في وجود هذه الفلسطينات الثلاث، بل في غياب الرابط الجامع بينها. ما يحتاجه الوقت الراهن ليس اتفاق فصائل أو مصالحة شكلية، بل إعادة بناء المشروع الوطني على أساس جديد. هذا الأساس يجب أن يكون، هوية فلسطينية جامعة تتجاوز الفصائل، واستراتيجية تحررية واضحة تجمع بين المقاومة والعمل السياسي، وقيادة جديدة تمثل الشعب حقا وليس مصالح نخبة.

فلسطين اليوم مقسمة بين ثلاثة مشاريع متناقضة، والرابح الوحيد من هذا التقسيم هو الاحتلال الإسرائيلي. لن يكون هناك تماسك حقيقي إلا عندما نعيد بناء الوعي الجمعي الفلسطيني الذي يضع التحرير كأولوية، والوحدة الوطنية كضرورة، والمقاومة كخيار استراتيجي لا يتعارض مع العمل السياسي.