لم يكن ذاك الطفل الذي يركض خلف كرة مهترئة يتخيّل أنه سيقف يوماً بين كبار القارة، لكن الإصرار الذي حمله منذ بداياته الأولى كان يمهد الطريق لظهور أحد أبرز الأظهرة في العالم. وبين المسافة التي تفصل بين أول حصة تدريبية في حي متواضع، وهذه اللحظة المضيئة على مسرح الكرة الإفريقية، تختبئ قصة لاعب صنع نفسه خطوة بخطوة، وظل يحمل المغرب في قلبه وملامحه أينما ذهب.
في ليلة صنع فيها التاريخ، اعتلى أشرف حكيمي منصة التتويج ليرفع الكرة الذهبية الإفريقية، كأنما يسترجع في تلك اللحظة تفاصيل رحلة بدأت في الأزقة الضيقة لمدينة خيتافي بمدريد.
ازدياد في مدريد ونشأة في خيتافي
وُلد الدولي المغربي أشرف حكيمي يوم 4 نونبر 1998 بمنطقة خيتافي في العاصمة الإسبانية مدريد، وسط أسرة مغربية مهاجرة، حيث تنحدر الأم من قصر الكبير والأب من منطقة أولاد زم. إذ نشأ في محيط متواضع؛ فوالده كان يعمل بائعاً متجولاً، بينما كانت والدته منظّفة تكافح لتأمين الاحتياجات البسيطة للأسرة.
تؤكد أغلب التصريحات المنتشرة رغبة حكيمي في الحفاظ على علاقته القوية بجذوره من خلال التكلم بالدارجة المغربية رفقة أسرته، بينما يعيش خارج المنزل كطفل إسباني الهوى واللغة. هذا الانتماء المزدوج شكّل شخصيته لاحقاً، ورسّخ ارتباطه بالمغرب رغم ولادته ونشأته في أوروبا.
البدايات الكروية.. من “كولونيا أوفيخيبي” إلى أعين الكشافين
بدأ حكيمي لعب الكرة في الشوارع والساحات مع أطفال الحي، قبل أن يلتحق في سن الثامنة بنادي Colonia Ofigevi المحلي، حيث ظهرت أولى ملامح موهبته كلاعب سريع ومندفع نحو المرمى بعشق كبير للمساهمات التهديفية التي أبدع فيها.
وفي عام 2006، التقط كشافو ريال مدريد موهبته لينتقل إلى أكاديمية “لا فابريكا”، إحدى أفضل مدارس التكوين في العالم. علماً أنه في بداياته لعب كمهاجم وجناح، قبل أن يقرر مدربوه تحويله تدريجياً إلى مركز الظهير الأيمن بسبب سرعته وقدرته على الانطلاق من الخلف وتشكيل الخطورة.
هذا التحول كان نقطة مفصلية في مسيرته، إذ وجد حكيمي في هذا المركز المساحة المثالية لإبراز إمكانياته البدنية والتقنية، لتستمر الحكاية في الأكاديمية.
أعين مدريد تنجح في بناء بطل عالمي
تدرّج حكيمي في جميع فئات ريال مدريد، وشارك في بطولات كبرى للفئات السنية مثل دوري أبطال أوروبا للشباب، حيث اكتسب خبرة المواجهات القوية واحتكّ بلاعبين من أعلى مستوى.
خلال موسم 2016–2017 شهد انتقاله إلى ريال مدريد كاستيا (الفريق الرديف)، حيث لعب في الدرجة الثالثة الإسبانية، وأظهر تطوراً لافتاً في اللعب الدفاعي والهجومي على حد سواء، حيث اكتشف مدربوه فيه لاعباً ذا “هوية هجومية” في مركز ظاهره دفاعي، وهو ما سيصبح لاحقاً علامته المميزة في كل محطة من مسيرته.
الظهور الأول وتقديم أوراق الاعتماد
خلال شهر غشت 2017، تم تصعيد حكيمي رسمياً إلى الفريق الأول لريال مدريد تحت قيادة المدرب زين الدين زيدان، حيث خاض أول مباراة له في الليغا يوم 1 أكتوبر 2017 أمام إسبانيول، وظهر بجرأة لافتة رغم عمره الصغير.
رغبة وإمكانيات حكيمي مكنته من هز الشباك بعد أسابيع فقط من ظهوره الأول، حينما ساهم في فوز ريال مدريد على إشبيلية 5-0، ليصبح أول لاعب عربي يسجّل للفريق في الدوري الإسباني.
إمكانيات حكيمي ومساهماته لم تنفعه في الاستمرار بنادي العاصمة الإسبانية، ليغادر بعد ذلك صوب ألمانيا في رحلة كان من المقرر أن تكون على سبيل الإعارة فقط.
الانطلاقة الدولية.. حكيمي يلبي نداء القلب
دولياً، اختار حكيمي تمثيل المغرب منذ بدايته، رغم إمكانية اللعب لإسبانيا. تألق في كل البطولات القارية والعالمية، وكان أحد أبرز قادة الجيل الذهبي الذي صنع إنجازات تاريخية، ومن بينها الانطلاقة القوية بمونديال روسيا، والإنجاز التاريخي بالوصول إلى نصف نهائي كأس العالم 2022، حتى أضحى يُنظر إليه كأحد أفضل الأظهرة في العالم، ورمز لنموذج لاعب بدأ من الصفر ووصل إلى القمة بإصرار وعمل متواصل.
في تصريحات صحفية سابقة، أكد حكيمي اجتيازه لاختبارات مع منتخب إسبانيا رفقة المدرب لويس دي لافوينتي، حيث لعب لبعض الوقت في لاس روزاس قبل أن يدرك أنه ليس في مكانه المناسب، مفضلاً تمثيل المغرب والعيش بثقافة عربية أساسها قيم المواطنة.
محطة دورتموند وإنتر.. ولادة ظهير هجومي مرعب
انتقل حكيمي إلى بوروسيا دورتموند على سبيل الإعارة بين 2018 و2020، وهناك تفجرت قدراته بالكامل. بات أحد أسرع اللاعبين في أوروبا، وفرض نفسه كظهير هجومي متكامل، قادر على صناعة الفارق بالانطلاقات الطويلة والاختراق من العمق والأطراف.
في صيف 2020، انتقل إلى إنتر ميلان، وكان عنصراً أساسياً في تشكيلة أنطونيو كونتي التي فازت بلقب الدوري الإيطالي. أثبت أنه ليس مجرد لاعب سريع فقط، بل قطعة تكتيكية معقدة قادرة على صناعة الأهداف وإنهاء الهجمات.
القمة مع باريس سان جيرمان والمنتخب المغربي.. نضج أسطورة مغربية جديدة
خلال صيف عام 2021 وقع حكيمي لباريس سان جيرمان، ليصبح واحداً من أغلى المدافعين في التاريخ. مع النادي الباريسي، واصل التطور، مستفيداً من اللعب إلى جانب نجوم عالميين، حيث برزت مرونته التكتيكية وقدرته على اللعب بين الدفاع والهجوم بكفاءة عالية.
منذ أول ظهور له بقميص المنتخب المغربي، شكّل أشرف حكيمي أحد أبرز أعمدة “أسود الأطلس”، بفضل سرعته الهائلة وحضوره القوي على الجهة اليمنى. اختار حمل ألوان بلده الأصلي رغم ولادته في إسبانيا، ليصبح بسرعة لاعباً أساسياً في كل الاستحقاقات القارية والعالمية.
ابن مدريد قدّم مستويات مميزة في كأس إفريقيا، وتألق بشكل لافت في كأس العالم 2022، حيث كان من قادة إنجاز الوصول إلى نصف النهائي لأول مرة في تاريخ العرب وإفريقيا. بفضل شخصيته الهادئة وروحه القتالية، أصبح حكيمي نموذجاً للالتزام والولاء، وأحد أكثر اللاعبين تأثيراً في الجيل الذهبي للمنتخب المغربي.
عام 2025.. سطع في سماء القارة العجوز وخطف ذهب القارة السمراء
خلال موسم 2024/25، نجح الدولي المغربي في تقديم موسم عنوانه الاستثناء، موسم تصدَّر من خلاله عناوين الصحف الدولية قبل الوطنية، موسم بصم من خلاله على تقديم أرقام مهاجمين لا يعرفون أين يقع مركز الدفاع ولا يجيدون إمكانات العودة للخلف، ليتمكن من الظفر بجميع الألقاب المحلية، مع خطف دوري أبطال أوروبا، السوبر الأوروبي، وصافة المونديال، وذهب الكرة الذهبية الإفريقية.
ويأتي تتويج نجم باريس سان جيرمان بعد موسم استثنائي بصم خلاله على مستويات رفيعة، جعلته الأول قارياً وفي المركز السادس عالمياً، سواء من حيث الألقاب أو التأثير داخل الملعب، ليعتلي صدارة المشهد الإفريقي بجدارة واستحقاق.
كما واصل المدافع المغربي حضوره القوي مع المنتخب الوطني، بتألقه في مختلف المباريات الدولية التي ضمن من خلالها اللعب في كأس العالم بالعلامة الكاملة، مؤكداً أنه أحد ركائز “أسود الأطلس” وعناصره الأكثر ثباتاً في منظومة الركراكي.
لا صوت يعلو فوق اسم “حكيمي” في قاعة حفل الجوائز
الساعة تشير إلى الـ20:45 دقيقة بتوقيت المغرب. هدوء، ثقة، وترقب. الجميع يراقب المنصة. إنفانتينو يبتسم وموتسيبي كذلك، كأنهما يعلمان أن الجائزة أنصفت اللاعب، بعد خيبة الموسم المنصرم حين عادت للنيجيري أديمولا لوكمان.
حكيمي أكد يوم أمس معنى جملة “لكل مجتهد نصيب”، وتتويجه بالكرة الذهبية الإفريقية ثمرة موسم شاق، انضباط كبير، وحلم كبير رافقه منذ اليوم الأول حينما كان في نادي Colonia Ofigevi.