تتواصل تداعيات الجدل الذي أثارته صفقات الأدوية خلال الأيام الأخيرة داخل المؤسسة البرلمان والرأي العام، بعدما طُرحت تساؤلات حول شفافية تدبير سلاسل التوريد والمشتريات العمومية في قطاع الصحة. هذا النقاش الذي اتخذ بعدا سياسيا ورقابيا واسعا، أعاد إبراز الحاجة إلى إصلاح مؤسساتي يضمن حكامة صارمة ويحصن سوق الدواء من تضارب المصالح.
أعاد الجدل الأخير حول صفقات الأدوية وكالة الأدوية المغربية للواجهة، مسلطا الضوء على الدور المحوري الذي تضطلع به في تنظيم القطاع وضمان الشفافية وحماية المستهلك من أي اختلالات قد تمس سلامة الأدوية أو جودة الخدمات الصحية المرتبطة بها.
وفي خضم هذا السياق، تبرز أهمية الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية باعتبارها الآلية المركزية لتنظيم سوق الدواء وضبط مسالك توزيعه، من خلال مراقبة جودة المنتجات المتداولة والترخيص لها وفق معايير علمية دقيقة.
ويسند إلى الوكالة المحدثة بموجب القانون رقم 22.10 دور محوري في حماية المستهلك عبر تتبع سلامة الأدوية واليقظة الدوائية، والتدخل السريع عند رصد أي اختلالات قد تمس بالصحة العامة. كما تشكل الوكالة رافعة أساسية لترسيخ الشفافية في تدبير الصفقات وتحديد الأسعار ومراقبة سلاسل الإنتاج والتوريد، بما يعزز الثقة في المنظومة الصحية ويضمن حكامة أقوى لهذا القطاع الحيوي.
تحديد وصاية الدولة وتركيبة المجلس الإداري
وحسب المرسوم التطبيقي للقانون 10.22 القاضي بإحداث الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، التي ستتولى الإشراف على القطاع الدوائي وتعزيز قدراته التنظيمية والرقابية، يتم إسناد وصاية الدولة على الوكالة إلى السلطة الحكومية المكلفة بالصحة، مع تحديد ممثلي القطاعات الحكومية داخل مجلس الإدارة وكيفيات تعيين شخصيتين من ذوي الخبرة العلمية أو التقنية أو المعارف القانونية في مجال الأدوية والمنتجات الصحية.
ويضم مجلس إدارة الوكالة، تحت رئاسة رئيس الحكومة أو السلطة المفوضة من لدنه، ممثلين عن وزارات المالية والصحة والفلاحة والصناعة والبحث العلمي، إضافة إلى ممثل عن وزارة الاستثمار وعن مفتشية مصلحة الصحة العسكرية، فضلا عن شخصيتين مشهود لهما بالكفاءة في مجالات الصيدلة والمنتجات الصحية.
أحال المرسوم إلى قرار للسلطة الحكومية المكلفة بالصحة لتحديد قائمة المنتجات الصحية غير المستلزمات الطبية والكواشف المستخدمة لأغراض التشخيص في المختبرات. كما يحدد قرار مشترك بين وزارتي المالية والصحة قائمة العقارات والمنقولات المرتبطة بتطبيق المادة 23 من القانون 10.22، وهي خطوة تهدف إلى ضبط التسيير المالي والإداري للوكالة.
صلاحيات الوكالة المغربية للأدوية
سيسند إلى الوكالة اختصاصات واسعة تشمل تنظيم ومراقبة جميع مراحل تصنيع واستيراد وتسويق وتوزيع الأدوية والمنتجات الصحية بمختلف أنواعها. كما تتولى الوكالة الترخيص للمنتجات المتداولة في السوق الوطنية، وتتبع يقظتها الدوائية، ومراقبة الجودة والمطابقة، إلى جانب الإشراف على المختبرات المرجعية وضمان سلامة الاستعمال الطبي.وتشمل مهام الوكالة أيضا تقييم الأدوية المبتكرة، وضبط أسعار الأدوية الخاضعة للتحكم، وتعزيز الشفافية في سلاسل التوريد ومواكبة الاستثمار في الصناعات الدوائية، بما ينسجم مع التوجه الوطني نحو سيادة صحية مستدامة.
وتعد الوكالة الجديدة آلية مركزية لإعادة تنظيم القطاع الدوائي بالمغرب، ومنح أدوات أكثر فعالية لضبط السوق وضمان جودة وسلامة المنتجات. وتشمل اختصاصاتها:
تسجيل الأدوية ومنح التراخيص
تتولى الوكالة تقييم ملفات تسجيل الأدوية ومنح تراخيص التصنيع والتسويق وفق شروط ومعايير دقيقة.
مراقبة الجودة واليقظة الدوائية
تشرف الوكالة على مراقبة جودة الأدوية والمستلزمات الصحية، وتتابع الآثار الجانبية المحتملة، وتتخذ قرارات السحب أو التعليق عند الضرورة.
ضبط سوق الدواء ومحاربة الفوضى
تشمل مهامها محاربة الاحتكار والانقطاعات، ومراقبة الإشهار، والمساهمة في تحديد الأسعار وفق مقاربات علمية واقتصادية شفافة.
اعتماد الفاعلين في القطاع
تمنح الاعتمادات للمصانع والمختبرات ومستودعات التخزين والتوزيع، وتراقب مدى احترامها لمعايير التصنيع الجيد.
الخبرة العلمية والدعم الاستراتيجي
توفر الوكالة آراء تقنية وعلمية للدولة، وتساهم في رسم السياسات الوطنية للأمن الدوائي.
التعاون الدولي
تمثل الوكالة المغرب في الشبكات الدولية للدواء، وتساهم في مواءمة المعايير الوطنية مع أفضل الممارسات المعمول بها عالميا.
إصلاح بنيوي لرفع ثقة المواطنين
في سياق تفعيل الإصلاح، عين الملك محمد السادس في أكتوبر 2024 الدكتور سمير أحيد مديرا للوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الطبية. ويعد أحيد أحد أبرز الأسماء الأكاديمية والبحثية في مجال الصيدلة واقتصاديات الصحة.
حصل أحيد على شهادة الدكتوراه في الصيدلة من كلية الطب والصيدلة بجامعة محمد الخامس بالرباط، إلى جانب دبلوم وطني متخصص في الصيدلة الصناعية. كما نال شهادات متقدمة في اقتصاديات الأدوية وأبحاث النتائج من جامعتي باريس ديكارت وواشنطن.
منذ سنة 2023 يشغل منصب عميد كلية الصيدلة الاورومتوسطية بجامعة فاس، كما سبق أن كان العميد المؤسس لكلية الصيدلة بجامعة محمد السادس لعلوم الصحة بالدار البيضاء. وشغل أيضا منصب نائب مدير مستشفى العياشي التابع للمركز الاستشفائي ابن سينا بين 2015 و2017، إضافة إلى رئاسته للجمعية المغربية لاقتصاديات المنتجات الصحية منذ 2015، وعضويته في الاكاديمية الفرنسية للصيدلة منذ 2009.
في السياق ذاته، اعتمدت الحكومة في وقت سابق، مشروع المرسوم رقم 2.25.340 يتعلق بإلحاق أو نقل بعض الموظفين التابعين لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية إلى الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية والوكالة المغربية للدم ومشتقاته، قدمه أمين التهراوي، وزير الصحة والحماية الاجتماعية.
وحسب بلاغ للناطق الرسمي باسم الحكومة، يأتي هذا المشروع تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية الرامية إلى إعادة النظر في المنظومة الصحية الوطنية وتحسين جاذبيتها، وتفعيلا لأحكام القانون – الإطار رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية، الذي حدد مرتكزات هذا الإصلاح، ولاسيما ما يتعلق بتثمين الموارد البشرية العاملة بالقطاع الصحي.
كما يأتي مشروع هذا المرسوم “في إطار مواصلة تنزيل أحكام القانون رقم 10.22 المتعلق بإحداث الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية وتماشيا مع أحكام البندين 4 و5 من المادة 23 من قانون المالية رقم 60.24 للسنة المالية 2025. وكذا تفعيلا للالتزامات الحكومية المتخذة في إطار الحوار الاجتماعي، والمتعلقة أساسا بالحفاظ على مركزية المناصب المالية والأجور وبصفة الموظف العمومي لموظفي وزارة الصحة
يمثل إخراج الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية خطوة استراتيجية لتنظيم سوق يعرف ضغطا متزايدا وتعقيدات مرتبطة بالأسعار والولوج وجودة الخدمات، خاصة في ظل النقاش البرلماني الحاد حول صفقات الأدوية خلال الآونة الأخيرة. ويراهن الفاعلون الصحيون على هذا الجهاز الجديد لإعادة بناء الثقة وضمان شفافية أكبر في تدبير السياسات الدوائية، بما ينسجم مع الورش الملكي لإصلاح المنظومة الصحية وتعميم التغطية الاجتماعية.
ضمان ولوج المواطن لدواء آمن
أكد سمير أحيد، المدير العام للوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، أن الوكالة تعمل وفق منطق الشفافية والمسؤولية، مشددا على أن جميع القرارات المتعلقة بالسوق الدوائي تستند إلى معايير علمية تراعي سلامة المستهلك واستقرار القطاع. وأوضح أن الهدف الأساسي للوكالة هو ضمان وصول المواطن لدواء آمن وفعال، وتعزيز ثقة المهنيين في المؤسسة الجديدة.
أوضح أحيد أن الوكالة تتابع توفر الأدوية الحيوية بشكل يومي، وتتدخل عند رصد أي خلل في الإنتاج المحلي أو الاستيراد. كما يشمل تطوير المنظومة دعم التصنيع المحلي كخيار استراتيجي لتوسيع الطاقة الإنتاجية وتفادي انقطاعات محتملة.
المدير العام لوكالة الأدولة، شدد على أهمية المخزون الاستراتيجي للأدوية، مؤكداً أن الوكالة تعتمد نظاماً متقدماً للرصد والتتبع، يتيح تفعيل آليات الترخيص الاستثنائي لتأمين المستشفيات والصيدليات بالأدوية الأساسية.
وحسب سمير أحيد فقد شرعت الوكالة في تحديث منظومة الترخيص، رقمنة المساطر، وتشديد المراقبة على مسالك توزيع الأدوية لمكافحة الغش والتسويق غير القانوني. وأوضح أن تعزيز الثقة يتطلب التواصل المنتظم، توحيد المعايير، واعتماد منهجية واضحة لاتخاذ القرار.
أكد المدير العام أن الوكالة أصبحت فاعلا محوريا ضمن المنظومة الصحية، مسؤولة عن ضمان جودة الأدوية، متابعة السوق، ومواكبة الفاعلين الصناعيين، مع مشاريع مستقبلية لتوسيع صلاحيات التفتيش وتقوية اليقظة الدوائية وتعزيز الحوكمة.
وخلص مدير وكالة الأدوية إلى أن تطوير القطاع الدوائي ورشة استراتيجية لا رجعة فيها، وستواصل الوكالة عملها لضمان حق المواطن في دواء موثوق، حماية السوق الوطنية، وتعزيز القدرات التصنيعية للمملكة بما يتماشى مع أهداف الإصلاح الصحي الشامل.