أعلنت مجموعة أكديطال، العاملة في مجال الرعاية الصحية الخاصة، عن سحبها الفوري لملف مشروع إنشاء مراكز طبية للقرب الذي كان معروضا على أنظار مجلس المنافسة، وذلك في خطوة اعتبرتها مرتبطة بالاستجابة لمخاوف مهنيين في القطاع الصحي الخاص بشأن تأثير المشروع على أنشطتهم.
وجاء القرار في رسالة وجهها الرئيس المدير العام للمجموعة، الدكتور رشدي طالب، أكد فيها أن الخطوة تأتي تجاوبا مع هواجس عدد من الأطباء، مشيرا إلى أن المجموعة لا تسعى إلى تطوير نشاط يؤثر على قاعدة مرضى الأطباء الآخرين أو يضيق مجال تدخلهم.
وشدد على أن الفكرة الأصلية للمشروع كانت ترمي إلى سد الخصاص الطبي في المناطق التي تعاني من نقص في البنية التحتية الصحية، وأن المراكز المقترحة كان يمكنها أن تساهم في توسيع قاعدة المرضى لفائدة الأطباء المتعاونين عبر إحالة الحالات عليهم.
وأوضح رئيس المجموعة أن جزءا من التخوفات التي ظهرت يعود إلى سوء فهم لطبيعة المشروع وتداول معلومات غير دقيقة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، معلنا في المقابل عن إعادة توجيه الاستثمارات المخصصة للمشروع نحو مجالات أخرى، مع التركيز على التوسع الدولي، تجنبا لأي موضوع خلاف داخل المهنة وحفاظا على وحدة الجسم الطبي الخاص.
وجاء هذا التطور في سياق جدل واسع أثارته النقابات الممثلة لأطباء القطاع الحر، والتي وجهت مراسلتين إلى كل من الهيئة العليا للصحة ومجلس المنافسة، محذرة مما وصفته بتمركز خدمات التشخيص والاستشفاء بيد مجموعات مالية كبرى، وفي مقدمتها مجموعة أكديطال، عقب الإعلان عن مشروع شبكة وطنية لمراكز التشخيص تابعة لشركة Rochaktalim.
وحذر الائتلاف الوطني للنقابات الممثلة لأطباء القطاع الحر، في رسالة شديدة اللهجة إلى رئيس الهيئة العليا للصحة، من مخاطر دخول مجموعات مالية ذات رؤوس اموال غير طبية إلى مجال مراكز التشخيص، معتبرا أن إشراك أطباء احرار تحت إدارة مالية وإدارية لمجموعات خاصة يضعهم في حالة تبعية تتعارض مع استقلالية المهنة ومع مقتضيات القانونين 131-13 و08-12، اللذين يؤكدان أن الطب لا يجب أن يمارس كنشاط تجاري.
وأشارت النقابات إلى أن هذا النموذج قد يؤدي إلى التشكيك في موضوعية التشخيصات وتوجيهها نحو الربح، إضافة إلى خلق ممارسات احتكارية تضر بالأطباء المستقلين وتمس بحرية المريض في اختيار طبيبه، داعية الهيئة العليا للصحة إلى تقديم رأي قانوني وأخلاقي رسمي بشأن هذه الهياكل وتقييم اثرها المحتمل على جودة العلاجات وسلامة المرضى.
وفي السياق ذاته، قدمت التنسيقية النقابية للأطباء بالقطاع الخاص والائتلاف الوطني لأطباء القطاع الحر مذكرة مفصلة إلى مجلس المنافسة بشأن مشروع التركيز الاقتصادي المتعلق بأخذ السيطرة المشتركة على شركة Rochaktalim SA من قبل مجموعة تضم Mc IV Diagnostics وصندوقي Mediterrania Capital والمساهم التاريخي أكديطال.
واعتبرت الهيئتان أن العملية قد تؤدي إلى تمركز واسع لخدمات الاستشفاء والتشخيص بيد فاعل واحد، خاصة في ظل توسع أكديطال التي باتت تتوفر على 39 مؤسسة صحية، محذرتين من تأثير هذا الوضع على العيادات الصغيرة والمتوسطة وعلى استدامة الطب الحر، ومن احتمال فرض شروط تجارية غير تنافسية على الأطباء والمرضى.
وأثارت المذكرة أيضا تساؤلات قانونية حول وضع الشركة وطبيعة نشاطها، مبرزة عدم استشارة هيئة الأطباء قبل الإعلان عن المشروع، والغموض في تصنيف الشركة والترخيص الممنوح لها، إضافة إلى الإشارة إلى توظيف أطباء كأجراء داخل شركات تجارية خلافا لما ينص عليه القانون، والتنبيه إلى إمكانية توجيه جزء مهم من موارد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي نحو فاعل واحد بما قد يمس بالتوازن الصحي الوطني.
وطالبت الهيئتان مجلس المنافسة بفتح تحقيق معمق حول الانعكاسات التراكمية لتوسع أكديطال وشركائها، مع تقييم أثر العملية على الأسعار وجودة الخدمات وحرية الاختيار، وعلى مستقبل الطب الحر وضمان منافسة عادلة بين الفاعلين.
وفي تصريح لجريدة “العمق”، قال الدكتور لحنش شراف، رئيس التنسيقية النقابية للأطباء العامين بالقطاع الخاص، إنه يتابع بدقة مسار مناقشة مشروع التركيز الاقتصادي المتعلق بأخذ السيطرة المشتركة على شركة Rochaktalim SA، باعتبار ما يمكن أن يترتب عنه من تأثيرات على توازن السوق الصحية وعلى قواعد المنافسة الحرة داخل القطاع.
وأوضح أن التنسيقية عبرت، منذ بداية تداول المشروع، عن تسجيل ملاحظات جدية وطرح اعتراضات أولية تمحورت حول ضرورة حماية استقلالية الممارسة الطبية وضمان عدالة المنافسة وصون مبدأ تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين الصحيين، مشددا على إبراز جملة من المخاطر التنظيمية والمهنية، وفي مقدمتها احتمال نشوء تموقع مهيمن جديد، إضافة إلى التأثير الممكن على جودة الخدمات الصحية وطبيعة العلاقة المهنية بين الأطباء ومرضاهم.
وأشار الدكتور شراف إلى أن تشجيع الاستثمار الصحي يظل أولوية لا نقاش فيها، غير أن هذا الاستثمار يتطلب – وفق تعبيره – توفير شفافية كاملة وضمان تقديم تطمينات واضحة للمهنيين والمرضى، بما يضمن احترام الإطار القانوني المنظم للمنافسة ويفسح المجال أمام تطور صحي مسؤول ومتوازن.
وفي هذا السياق، عبر عن تثمينه قرار مجموعة “أكديطال” سحب المشروع، معتبرا أن هذه الخطوة تعكس روحا وطنية ومسؤولية عالية، وتستجيب لتخوفات مهنية مشروعة، كما تساهم في الحفاظ على التوازن الضروري داخل القطاع الصحي الخاص.
وكان الدكتور رشدي طالب قد قدم سابقا توضيحات حول مشروع إنشاء شبكة مراكز التشخيص التابعة لشركة Rochaktalim، مؤكدا أنها موجهة أساسا للمناطق التي تفتقر إلى العرض الصحي، وليست في وضع منافسة مع الأطباء المتخصصين، وأن دورها سيقتصر على العلاجات الأولية والاستعجالية والفحوصات الاساسية قبل إحالة الحالات التي تستدعي ذلك على الأخصائيين.
وأشار إلى أن المشروع لا يستهدف تقديم تخصصات طبية دقيقة ولا يسحب المرضى من عيادات الأطباء، بل يسعى إلى إدماج مواطنين يوجدون خارج المنظومة الصحية حاليا، معتبرا أن التجارب السابقة للمجموعة في مدن متوسطة اثبتت أن توفر بنية استشفائية حديثة يشجع الأطباء المتخصصين على الاستقرار بها.
وأكد المتحدث انفتاحه على الحوار مع الأطباء للتفاعل مع تساؤلاتهم، قائلا إن هدف المجموعة هو تقريب العلاجات من المواطنين وتحسين جودة الخدمات الصحية بالشراكة مع مختلف الفاعلين في القطاع.