وجهة نظر

الألغوقراطية الصاعدة: هل تعيد الخوارزميات تشكيل جغرافيا السلطة في العالم؟

يبدو من خلال بعض المعطيات الجيوسياسية المتداولة حاليا على أن العالم في لحظته المعاصرة، أصبح يسير مهرولا في دروب المستقبل نحو لحظة فارقة من التحول النسقي الذي يتماهى فيه الجسد السياسي مع الواجهة الرقمية، حتى بات الإنسان على وشك أن يزاح عن مراكز القرار، لصالح بنية خفية، متخفية في عباءة الشيفرة، التي لا تعرف الملل ولا الخطأ إلا حين يختل نسق خيوطها المبرمجة سلفا.

وقد جاءت الجمهورية الألبانية في طليعة من سعى إلى هذا التحول حين نصبت وزيرة إصطناعية تدعى «دييلا»، مخولة بسلطة تقريرية في إدارة صفقات عمومية كبرى، وكأن الدولة، في لحظة يأس من هشاشة الإنسان، تدفعها إلى تسليم مقاليد رقابة مواردها إلى خوارزمية محايدة ظاهريا، لكنها تظل صامتة عن تاريخها وقيودها البنيوية. إن هذا التحول السريالي، الذي يزاوج بين رهبة الآلة وشيخوخة الديمقراطية، يطرح سؤال معقد و عميق حول ما إذا كان العالم اليوم أمام بداية زمن اللا بشر في المرفق العمومي و الاداري ؟ أم أننا بصدد محاولة يائسة لاستنقاذ الدولة من أفول الثقة بمنطق الخلاص التكنولوجي؟

إن إستحضار هذا النموذج يستدعي أولا إدراك طبيعة الأزمة التي تعاني منها الديمقراطيات الحديثة. وهنا نسترشد بالطرح الذي جاء به المؤرخ و عالم الاجتماع الفرنسي بيار روزانفالون، الذي يرى على أن الديمقراطية في مرحلة من مراحها لابد و أن تمر بما يمكننا تسميته بالضبابية التمثيلية، حيث فيه تفقد بعض المؤسسات قدرتها على تجسيد الإرادة العامة، بينما يتعاظم شعور المواطنين بأن أصواتهم تتبدد في فراغ بيروقراطي لا يفضي إلى تغيير ملموس. ومن هذا المنظور، يصبح الذكاء الاصطناعي أشبه بملاذ تقني، يعول عليه في تعويض هشاشة الإنسان وتقلباته، رغم أن السياسة في جوهرها، كما تؤكد على ذلك المنظرة السياسية حنه آرنت، هو ذلك الفعل الإنساني الذي يقوم على المبادرة والحضور والقدرة على خلق المعنى، وليس على دقة الحساب الخوارزمي فقط.

فالسياسة لا يمكن اختزالها في اختيار صحيح واخر خاطئ، بل هي شبكة متداخلة من الصراعات القيمية والاقتراحات المتعارضة، يحسم بينها البشر بما يحملونه من توترات وآمال ومخاوف. فالبنية الخوارزمية، مهما بلغت من تطور، تظل عاجزة عن محاكاة هذه الدراما الإنسانية التي تنسج القرار السياسي. ومع ذلك، ينجذب الكثيرون نحو نموذج الحكم الخالي من العواطف لأنه يوحي بنقاء مزعوم يخلو من فساد البشر وتحيزاتهم. لكن هذا النقاء قد يكون تصورا يخفي حقيقة أن الذكاء الاصطناعي ذاته محكوم بالبيانات التي تغذيه، وبالهياكل التي تنتجه، وبمراكز القوى الاقتصادية التي تشرف على تطويره.

وتزداد المفارقة تجليا حين نعلم، وفق أطروحات الفيلسوفة الامريكية شوشانا زوبوف حول (رأسمالية المراقبة)، أن الخوارزميات التي قد يعول عليها لصناعة القرار العام تنشأ داخل فضاء يتغذى على التحيزات، ويستثمر في التنبؤ بالسلوك البشري، لا في تحريره. فإذا كانت الديمقراطية أفقا للحرية، فكيف يمكن أن تدار بآلة تصنع داخل بيئة تراهن على السيطرة؟ وإذا كان العقد الاجتماعي يقوم على مساءلة الحاكم، فكيف نسائل الخوارزمية التي لا نعرف هندستها ولا نملك حق التدخل في منطقها الداخلي؟

ومع ذلك، فالتجربة ليست كلها مدعاة للتشاؤم. فتايوان، على سبيل المثال، أثبتت على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في توسيع أفق المشاركة وتخفيف الاحتقان الاجتماعي عبر منصات تجمع الرأي العام وتنتج من جلبته نقاط التقاء عقلانية، في هذه الحالة، نجد على ان السياسة لم تستبدل بالبيانات الرقمية ، بل أصبحت التقنية هي الوسيلة التي يتم من خلالها تعزيز التفاعل العمومي. وتبين على أن هذه الأدوات لاتعمل على إلغاء الصوت البشري، ومن ثم يتبدى على أن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في قدرة الذكاء الاصطناعي على إصدار الأحكام، بل في طبيعة الإطار القيمي الذي ينظم توظيفه. و على هذا الأساس يبرز بقوة احتمال انتقال بعض ملامح التجربة الألبانية إلى باقي دول العالم و من بينها الدول العربية، التي لا تزال فيها العلاقة بين الدولة والمجتمع تتسم بالتعقيد، و التشابك بين شرعية التاريخ، وريبة المواطنين، وهيمنة البيروقراطية الثقيلة.

بل إن الإشكالية الجوهرية هي ما إذا كانت الدول العربية، التي تشهد بدرجات متفاوتة انخراطا متسارعا في التحول الرقمي، قادرة على اختبار نموذج شبيه بما تعرفه بعض التجارب الدولية من صيغ مبتكرة كفكرة «الوزير الاصطناعي»، ولو في نماذج محدودة. فالعديد من الدول العربية حاليا، تعيش مرحلة من إعادة هندسة الدولة عبر رقمنة المرفق العمومي وتبسيط المساطر وتحسين النجاعة الإدارية، في مسار لا يعد خيارا تقنيا فحسب، بل تحولا عميقا في علاقة الدولة بالمجتمع التي تقوم على الشفافية والمحاسبة وتيسير الخدمة العمومية. وبالانطلاق من هذا الطرح قد تبدو فكرة «الوزير الاصطناعي» لدى شرائح مختلفة أنها فكرة مغرية من حيث تعزيز الشفافية وتقليص مساحات الفساد الإداري.

غير أن البيئة الاجتماعية والسياسية في العالم العربي تقوم على تعددية حساسة في المرجعيات القيمية، وعلى مركزية الوسيط البشري في تدبير التوازنات، وعلى تقاليد راسخة تمنح القرار طابعا تفاعليا يتجاوز منطق الحسابات الباردة. فهل يمكن لخوارزمية، مهما بلغت، أن تدرك دقة اللحظة السياسية في سياق تشكل فيه الرمزية السياسية والدينية والثقافية ركائز أساسية للتماسك الوطني؟ وهل تستطيع الآلة أن تستوعب وزن الأعراف الإدارية غير المكتوبة، أو أثر التقاليد السلطوية المرنة، أو طبيعة الشبكات الاجتماعية التي تسهم في صياغة القرار؟
إن الدولة الشبكية كما يصفها مانويل كاستلز ليست مجرد أجهزة مادية مترابطة، بل هي نسق من العلاقات المتداخلة التي تحمل في طياتها قيما متباينة وصراعات دقيقة لا تختزل في بيانات رقمية. ولعل أخطر ما قد يواجه الدول العربية في هذا الباب هو إجتداب استغلال الذكاء الاصطناعي لتقوية مركزية السلطة بدل تحديثها. فإذا تم التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة للضبط بدل كونه آلية للمشاركة، فقد يتحول إلى وسيلة تضعف المجال العمومي عوض أن توسعه، وإلى قناع جديد يعيد إنتاج هرمية قديمة في صيغة تقنية معاصرة. وهنا قد يتبدى الفارق بين «الحكومة الخوارزمية» التي تقصي المجتمع، و«الحكومة الرقمية» التي تعيد إليه القدرة على الفعل والتأثير.

إن التجربة الألبانية تفتح لنا الباب على نقاش فلسفي أوسع يتجاوز حدود التقنية إلى ما يسميه طه عبد الرحمن «التسليع القيمي»، حيث تختزل الأخلاق في إجراءات، وتختزل السياسة في عمليات حسابية، ويختزل الإنسان في معطى قابل للقياس. ومع ذلك، فإن المستقبل لا يقتضي رفض التقنية ولا تقديسها، بل يستلزم إدراك أن الإنسان وحده يوقظ في الخوارزمية صدى الفهم و روح المعنى، وأن الديمقراطية، مهما أنبتت في في كيانها من بذور الهفوات، تبقى الإطار الأرحب لظهور الحقيقة المشتركة.

ويظل السؤال مطروحا، لتجيب عنه صيرورة الأحداث وتداعيات المستقبل، حول ما إذا كانت ستنتج لنا الخوارزميات وزراء و مسؤولين بلا وجوه في باقي بقاع العالم ومن بينها العالم العربي على وجه الخصوص؟ أم ستعاد صياغة التقنية بوصفها مساعدا على الحكامة لا بديلا عنها؟ وهل تستطيع الدول العربية، بتجاربها المتراكمة في الإصلاحات الإدارية والتحولات الرقمية، أن تؤسس نموذجا هجينا يمزج بين صرامة الخوارزمية ومرونة القرار البشري، على نحو يحفظ الخصوصيات السياسية والثقافية ويستفيد في الآن ذاته من قوة الذكاء الاصطناعي؟ إننا اليوم نقف على أعتاب عصر تتهيأ فيه الأمم لاختبار حدود الإنسان وحدود الآلة، ولا سبيل إلى النجاة إلا بإدراك عميق بأن السياسة ليست معادلة رياضية، وأن الحقيقة العمومية لا تصاغ في صمت الخوادم، بل في صخب المجتمع، وأن الخوارزمية مهما بلغت من التطور و الذكاء لن تحمل حكمة التاريخ ولا دهشة الإنسان ولا قدرته على التوقع الخلاق.

ومع ذلك، لا يمكننا أن نتجاهل وننكر دور التكنولوجيا والخوارزمية التي شقت طريقها، في طبقات الواقع المعاصر، كأداة قادرة على تحسين جودة الحياة الإنسانية حين تدار ضمن أفق قيمي منضبط؛ فهي تساهم في تسريع الخدمات، وتبسيط الإجراءات، وترشيد القرارات التقنية المرتبطة بالصحة والتعليم والتنقل، وتمنح الإنسان قدرة أوسع على الوصول إلى المعرفة وتنظيم الزمن وفهم الأنماط المعقدة التي تعجز عنها العين المجردة. هكذا قد تتخذ التكنولوجيا في مفهومها الشامل مكانة قوية كرافد مساعد لا كبديل، وكآلية مساندة لا كفاعل يحمل روح التاريخ أو يختزن وجدان الإنسان.

عماد الدين بوعسيلة