أبو مصعب السوري
وجهة نظر

أبو مصعب السوري بين الخلفية الحركية الإخوانية ونقد العقلية السلفية

تتناول هذه الدراسة تحليل شخصية ومنهج مصطفى بن عبد القادر ست مريم نصار المعروف باسم أبو مصعب السوري، كأحد أبرز المنظرين والاستراتيجيين في التيار الجهادي العالمي. تركز الدراسة على التمييز الجوهري بين خلفيته الحركية المتأثرة بجماعة الإخوان المسلمين وتيار الطليعة المقاتلة وبين تبنيه للخطاب السلفي الجهادي مع إبراز نقده الحاد للعقلية السلفية الأصولية داخل تنظيم القاعدة. تظهر الدراسة أن السوري كان يمثل تيار الاستراتيجيين العسكريين الذين يضعون الفعالية السياسية والعملية فوق النقاء العقائدي مما وضعه في صدام مستمر مع السلفيين الأصوليين الذين رأوا فيه حركيا لم يتطهر من فيروس الإخوان المسلمين.

1- الخلفية الحركية من الإخوان المسلمين إلى الطليعة المقاتلة

ولد أبو مصعب السوري في حلب عام 1958 لعائلة صوفية إلا أن نشاطه المبكر تشكل في بيئة الحركة الإسلامية السورية. تأثر بأفكار الشيخ مروان حديد وانضم إلى صفوف الطليعة المقاتلة التابعة لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا والتي تبنت أسلوب حرب العصابات لمواجهة نظام حافظ الأسد في أواخر السبعينيات.

كانت هذه المرحلة التأسيسية حاسمة في صقل هويته كـحركي  يهتم بالعمل الميداني والتنظيم العسكري حيث اكتسب خبرة عسكرية وأمنية واسعةوأصبح أحد القادة العسكريين الذين يعول عليهم الإخوان.

ومع ذلك أعلن السوري انفصاله عن جماعة الإخوان المسلمين عام 1983 محتجا على ما راه من انهيار للجهادية السورية واحتكاكه برموز الإخوان الذين وصفهم بـالدنيويين. هذا الانفصال لم يمح  الخلفية الحركية بل نقلها إلى فضاء الجهاد العالمي حيث التقى بعبد الله عزام في أفغانستان متأثرابشخصيته التي رأى فيها النموذج الذي يبحث عنه.

2- التبني البراغماتي للسلفية والصدام مع الأصولية

على الرغم من خلفيته الصوفية المبكرة والحركية الإخوانية تبنى أبو مصعب السوري المذاهب السلفية ودافع عنها في كتاباته لكن هذا التبني كان استراتيجيا براغماتي وليس عقائديا خالصًا. السوري ينتمي إلى فئة الجهاديين المتشددين الذين هم في المقام الأول استراتيجيون عسكريون وشغلهم الشاغل هو النتيجة السياسية.

لقد أشار السوري نفسه إلى أن أيديولوجية التيار الجهادي هي مزيج من الأيديولوجية التنظيمية الجهادية القطبية والعقيدة السلفية والدعوة الوهابية. لكنه كان يرى أن السلفية هي الاستراتيجية الأمثل في عصره. هذا التصوير يؤكد على أن هويته الأساسية هي المنظر والاستراتيجي الذي يستخدم الأيديولوجيا كأداة للفعالية العسكرية والتعبئة وليس كرجل دين.

3- المشاكل التي وجدها في ذهنية العقلية السلفية

اصطدم أبو مصعب السوري مرارا مع العناصر الأرثوذكسية والمحافظة في تنظيم القاعدة وخاصة التيار السلفي الأصولي. دارت هذه الصدامات حول المعضلة الأساسية المتمثلة في كيفية تحقيق التوازن بين النقاء الأيديولوجي والفائدة السياسية.

يمكن تلخيص المشاكل التي وجدها السوري في العقلية السلفية الأصولية في النقاط التالية:

رأى أبو مصعب السوري أن العقلية السلفية الأصولية خلقت سلسلة من الإشكالات البنيوية داخل التيار الجهادي انعكست سلبًا على فعاليته السياسية والعسكرية. فقد لاحظ أنّ الانشغال المفرط بالعقيدة جعل السلفيين يقدمون صراعات الهوية والمذهب على مقتضيات العمل العسكري الأمر الذي أدى إلى خوض معارك جانبية وتنفير الحلفاء وتعطيل أي إمكانية لتشكيل جبهة موحدة في مواجهة العدو. هذا الحرص على الصفاء النظري ترافق مع تصاعد النزعة الحزبية التي غذت الانقسامات الداخلية ودفعت الجماعات الجهادية إلى التورط في صراعات دموية ومؤامرات واقتتال داخلي ما اعتبره السوري أحد أكبر العوائق أمام التعبئة الشعبية الواسعة التي كان ينادي بها.

كما انتقد السوري العقلية السلفية التي تميل إلى التعالي والانعزال معتبرا أن هذا السلوك ولد عزلة استراتيجية حالت دون بناء تحالفات أو شبكات تعاون مع التيارات الإسلامية الأخرى وهو ما يتعارض مع رؤيته للمقاومة الشعبية تشمل أطيافا متعددة. وإلى جانب ذلك أدى التشدد السلفي في مسائل العقيدة والتعامل مع المخالف إلى تضييق المسافة الفاصلة بين الجهاديين والتيار التكفيري وهو ما أتاح للعدو فرصا لاستغلال هذه الثغرة وتفكيك الحركات الجهادية من الداخل. وفي تحليله الأعمق رأى السوري أن السلفيين يمثلون عبئا دائما على الحركات الجهادية بسبب ميلهم إلى النزاعات الفكرية المستمرة وأن التخلص من هذا الإرث كان يبدو خيارا أفضل من تحمل تبعاته إلا أن الواقع  بحسب تعبيره  فرض نفسه لأن غالبية الجهاديين قد تبنوا بالفعل المنهج السلفي مما جعل المشكلة جزءا لا يمكن تجاوزه من بنية التيار الجهادي ذاته

مؤكد أن تداعيات هذا الخيار وصلت إلينا في نهاية المطاف. ويضيف إلى ذلك ما لاحظه من نزعة ازدراء وتعال لدى بعض التيارات السلفية المتشددة خصوصا تلك التي عايشها في لندن وأفغانستان حيث اتهم هو نفسه بأنه حركي وسياسي كما انتقد معاملتهم للمجاهدين غير السلفيين مثل طالبان  معتبرا هذه الذهنية دليلا على خلل عميق في فهم الاخر وفي القدرة على بناء تحالفات أو إدارة اختلافات داخل ساحة صراع مركبة.

4- التمييز بين أبي مصعب الحركي والسلفي الأصولي

يمثل التمايز بين أبي مصعب السوري والسلفيين الجهاديين أحد أبرز الانقسامات داخل الفكر الجهادي المعاصر إذ يلتقي الطرفان عند المرجعية القتالية العامة لكنهما يفترقان جذريا في الأسس النظرية والخيارات العملية وأسلوب إدارة الصراع. فالرجل الذي خرج من رحم التجربة الإخوانية والطليعة المقاتلة حمل معه عقلا حركيا يميل إلى التنظيم ويبحث عن جدوى الفعل السياسي والعسكري ويراجع التجارب بقدر من النقد الذاتي ويستوعب مناهج حرب العصابات والتمرد الشعبي بينما وجد نفسه في مواجهة تيار سلفي أصولي متكئ على رؤية عقدية صلبة ترى أن أولوية الجهاد ليست في نتائجه العملية بل في التزامه المطلق بالمقياس الديني.

هذا التفاوت الجوهري جعل أبا مصعب السوري ينظر إلى الصراع بمنظار يتجاوز الاعتبارات العقائدية الضيقة. فالمعيار عنده هو القدرة على تحقيق أثر سياسي وعسكري والنجاح في بناء مقاومة واسعة متعددة الطبقات تنخرط فيها فئات المجتمع كافة بقدر متفاوت من المشاركة. الجهاد عنده مشروع تحرري طويل المدى يعتمد على فهم واقع الأمة واستثمار تناقضات العدو والتدرج في بناء القوة مع استحضار التجارب العالمية في حروب العصابات من فيتنام إلى الجزائر وأفغانستان. لذلك كان خطابه مشبعا بالرؤية الاستراتيجية وبالرغبة في تأسيس حركة مقاومة شعبية تتخطى الانغلاق العقائدي وتستوعب كل من يعادي المشروع الصهيوني/الصليبي أو الأنظمة الفاسدة التي يراها امتدادًا له.

في المقابل يضع السلفيون الأصوليون معيارا اخر تماما فجوهر المشروع عندهم هو النقاء العقدي بمفهومهم قبل أي شيء آخر. معيار المشاركة ليس القدرة ولا الفعالية ولا الانخراط الشعبي بل الالتزام التام بتصوراتهم عن العقيدة والولاء والبراء وما يرتبط بها من أحكام الفرق والبدع. لذا تظل هذه الرؤية أكثر انغلاقا وأقل قابلية للتكيف مع تعقيدات الواقع السياسي والعسكري. وتفضي هذه البنية الفكرية غالبا إلى حصر الصراع في نطاقات ضيقة فينشغل السلفيون بمعارك جانبية ضد الفرق الإسلامية المخالفة أو أتباع المدارس الفكرية الأخرى بدل توجيه كامل الجهد نحو الخصم المركزي. ولهذا كان السوري يرى في هذا التوجه إهدارا للطاقات وتضييعا لفرص تاريخية لبناء جبهة واسعة ضد ما يعتبره العدو الحقيقي.

ومن داخل التجربة الجهادية نفسها كان هذا التوتر حاضرا بقوة. فقد عانى السوري من نظرة لسلفيين كما سبق الذكر ساهمت في تهميشه ووسمته بأنه مجرد حركي ينظّر في السياسة. هذا الحكم يعكس عمق الهوة بين النزعتين؛ نزعة ترى أن السياسة ضرورة لا يمكن الانفكاك عنها في عالم الصراعات وأن الفعل العسكري مرهون بقدرة التنظيم على قراءة السياق والموازنة بين أهدافه ووسائله.

ونزعة أخرى تقدم الالتزام العقدي الصرف وترفض كل ما يمكن أن يختلط بالبراغماتية أو الواقعية السياسية حتى لو أدى ذلك إلى خسارة التحالفات أو تشظي الصف الجهادي.

أما على مستوى التحالفات فإن الفجوة تتوسع أكثر. فأبو مصعب السوري كان يدعو إلى الانفتاح على مختلف القوى المناهضة للهيمنة من الإسلاميين الحركيين إلى القوميين بل وحتى غير المتدينين إذا كان ذلك يخدم المقاومة الشعبية. هذه الرؤيةوإن بدت واسعةكانت في نظرالسلفيين  تفريطا في نقاء المنهج إذ يعتقدون أن التحالف مع من لا يلتزم برؤيتهم العقدية يفسد الجهاد ويدخل في صفوفهم ميوعة فكرية. هكذا بقيت البنية السلفية قائمة على منطق الاستئثار والانعزال وهو ما جعلها أقل قدرة على إنتاج مشاريع مقاومة جماهيرية وأكثر عرضة للانقسامات الداخلية.

هذا الاختلاف ينسحب كذلك على تصور العدو فالسوري يحدد خصومه بشكل هرمي واضح فيضع الاحتلال الغربي–الإسرائيلي على رأس القائمة ويعتبر الأنظمة المحلية الفاسدة امتدادا سياسيا لاستعمار قديم/جديد. أما السلفيون فيوزعون خصومتهم على مسارات متعددة ما يؤدي غالبا إلى تشتت الأولويات وفتح جبهات على الفرق الإسلامية والمخالفين العقائديين والجماعات الأخرى وهو ما يربك قدرتهم على بناء تراكم استراتيجي يحسم المواجهة مع الخصم الأكبر.

ومع مرور الزمن تحول هذا الخلاف إلى ملامح بنيوية في مسار الجهادية المعاصرة. فالسوري يمثل مدرسة التفكير الحركي التي تحاول صوغ مشروع سياسي/عسكري قابل للتطور فيما يمثل السلفيون المدرسة التقليدية التي تهتم بهوية المشروع أكثر من نتائجه. وحين يتقدم البعد الاستراتيجي يتراجع البعد اللاهوتي والعكس صحيح. ولهذا ظل السوري ناقدا صريحا لما يراه انغلاقا عقائديا يعيق الفعالية بينما رأى الأصوليون في خطه الحركي انحرافا عن مقتضيات العقيدة.

في محصلة هذا التباين تبدو الجهادية أمام خطين متمايزين: خطّ يسعى إلى تحرير الفعل الجهادي من قيود الأرثوذكسية الصارمة ويعمل على بناء مشروع شعبي طويل النفس وخطّ اخر يصر على أن تكون العقيدة هي محور كل شيء ولو كان ذلك على حساب التحالفات والفعالية ووحدة الصف. ومن خلال هذا الصراع الداخلي تتضح ملامح التحولات العميقة التي عرفتها الحركة الجهادية منذ عقود والتحديات التي واجهت محاولات دمج العقل الاستراتيجي مع الهوية السلفية التقليدية.

5- الجهاد العالمي بين السلفية والإخوان تفكيك الاختزال وإبراز الجذور المتعددة

ارتبطت الظاهرة الجهادية خلال العقود الأربعة الماضية بتأويل شائع يحمل السلفية (بمختلف تفرعاتها) مسؤولية نشوء الاتجاهات الجهادية المعاصرة حتى غدا مصطلح السلفية الجهادية هو الإطار الأكثر تداولا في التحليل الأكاديمي والإعلامي. غير أنّ هذا التوصيف  رغم أهميته في تعيين ملامح مدرسة فكرية بعينها  يغفل عنصرا مركزيا في تشكل الظاهرةك التداخل البنيوي والتاريخي بين مرجعيات إسلامية متعددة خاصة التيار الإخواني والحركي.

تظهر دراسة حالة مفصلية لاثنين من أبرز رموز الجهاد المعاصر عبدالله عزام وأبو مصعب السوري، كيف ان جذورا إخوانية واضحة أسهمت في بناء الخيال الجهادي وفي وضع الأسس الدعوية والحركية والتنظيمية التي تلقفتها لاحقا تيارات سلفية جهادية بل وتوسعت من خلالها. وعليه فإن اختزال الجهادية في السلفية فقط هو اختزال لا يصمد أمام الفحص النصي التاريخي ويغفل التأثير المتشابك الذي أنتج الظاهرة عبر مراحل متعددة.

أولا: في نقد مفهوم «السلفية الجهادية» كإطار تفسيري حصري

اظهرت الأدبيات الغربية والعربية منذ مطلع الألفية الثانية أن مفهوم السلفية الجهادية لا يمكن اختزاله في كونه امتدادا مباشرا للسلفية التقليدية بل هو بناء مركب تشكل عبر تفاعل عوامل عقائدية وسياسية وتنظيمية معا. فقد تناول باحثون مثل Meijer وGunning وClingendael الظاهرة باعتبارها حالة هجينةتجمع بين الأسس العقدية للسلفية وبين الممارسات الثورية الحديثة فيما ميز Thomas Hegghammer بين السلفية كتيار دعوي واسع وبين الجهادية بوصفها حركة سياسيةعسكرية تتأثر بالبنى التنظيمية والفرص السياسية بقدر تأثرها بالعقيدة.
ويسهم هذا الطرح في نقد القراءة التي تحمل السلفية وحدها مسؤولية ظهور التيار الجهادي إذ تكشف المراجعات المتعمقة أن الدافع السياسي غالبا ما سبق الدافع العقدي في تشكل عدد من الحركات الجهادية وأن الكثير من البنى التنظيمية التي استند إليها الجهاديون  من شبكات التجنيد إلى النشاط الدعوي والإعلامي  لم تولد في الأوساط السلفية العلمية بل نشأت داخل سياقات حركية أخرى مثل جماعة الإخوان وبعض بقايا الطليعة المقاتلة في سوريا ومصر. كما يظهر أن الجهادية لم تتبلور باعتبارها التطبيق العملي المباشر للسلفية العلميةبل نشأت ضمن مسار مستقل تداخلت فيه تأثيرات متعددةعقدية وفكرية وسياسية وتنظيمية. وبهذا يغدو تفسير الظاهرة على أساس الاختزال السلفي أقرب إلى مقاربة سياسية منه إلى تحليل تاريخي رصين قادر على استيعاب تعقيد تشكل هذا التيار وتحولاته.

ثانيا: دور الإخوان المسلمين في تشكل الخيال الجهادي المعاصر

شهد القرن العشرون بروز تيارات إسلامية متعددة تباينت في رؤاها العقدية وأدواتها الحركية غير أن بعض هذه التيارات أسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة  في تشكل ما يعرف اليوم بالوعي الجهادي العالمي. ويحتل تنظيم الإخوان المسلمين موقعا مهماداخل هذه السردية لا من جهة كونه حركة جهادية بالمعنى السلفي/العسكري بل من جهة الإرث التنظيمي والتصوري الذي نقلته إلى المجال الإسلامي الحركي الأوسع والذي وجد صداه لاحقا في موجة الجهاد الأفغاني وما تفرع عنها من تيارات.

الإرث الحركي والتنظيمي للإخوان المسلمين

امتلك الإخوان منذ أربعينيات القرن الماضي بنية تنظيمية تعد متقدمة مقارنة بالحركات الإسلامية الأخرى في الحقبة نفسها. فقدبني التنظيم على هيكل هرمي صارم ورؤية عالمية رسالية وشبكات واسعة للترابط والتجنيد والعمل الدعوي.

هذا الإرث التنظيمي قدم ثلاثة عناصر محورية اثرت لاحقا في التيارات الجهادية الدولية:

ثقافة التعبئة الجماعية

ركز حسن البنا ومن جاء بعده على مفهوم العمل الجماعي بوصفه الطريق إلى نهضة الأمة. كان المشروع الإخواني يقوم على إعداد الفرد المسلم فالمجتمع المسلم فالدولة الإسلامية. هذه الفكرة  وإن كانت ذات مرجعية إصلاحية لا عسكرية رسخت نموذجا تعبويا قابلا للانتقال إلى سياقات أكثر راديكالية.

مفهوم القوة والمرابطة

قدم البنا تصرا حول القوة باعتبارها جزءا من العمل الإسلامي قبل أن يطوره سيد قطب لاحقا ضمن منظوره الحركي الثوري. وبالرغم من أن الإخوان لم يجعلوا القوة العسكرية خيارهم المركزي فإن الخطاب الإحيائي حول المرابطة واستعادة شوكة الأمة ساهم في تشكيل مزاج تعبوي ارتكزت عليه لاحقا التنظيمات الجهادية.

الرؤية السياسية العابرة للحدود

مثّل البعد العالمي جزءا جوهريا في مشروع الإخوان. فالمنظمة لم تبن كحركة محلية بل كشبكة تتجاوز الحدود القطرية. هذا البعد الأممي أصبح لاحقا أحد الملامح الأساسية في الوعي الجهادي الذي ينطلق من تصور وحدة الأمة ووجوب نصرة الثغور الإسلاميةأينما كانت.

هذه الأسس  رغم اختلافها المنهجي والعقدي عن السلفية الجهادية  أصبحت بعد عام 1980 جزءا من البيئة التي استقبلت الموجة الجهادية في أفغانستان بما فيها شبكات الدعم والعمل الدعوي والدعم اللوجستي والكوادر التنظيمية التي كان بعضها ذا خلفية إخوانية.

تأثير المنظّرين الإخوانيين في الخطاب الجهادي

يعد سيد قطب أبرز شخصية إخوانية تركت أثرا عميقا خارج الإطار التنظيمي للإخوان وصولا إلى الحركات الجهادية. فقد أسهمت كتاباته  خاصة معالم في الطريق وفي ظلال القرآن في إعادة صياغة مفهومي الجاهلية و الحاكمية بطريقة ثورية.

لم يكن قطب سلفيا بل كان أقرب إلى نزعة حركية تؤكد على ضرورة التغيير الجذري. لكن إعادة تعريفه للعلاقة بين المجتمع والسلطة والشريعة قدمت مادة فكرية استندت إليها لاحقا الجماعات الجهادية خصوصا في جانبي؛

– تكفير البنى السياسية الحديثة بوصفها جاهلية جديدة.

– تبرير الحركة الثورية بوصفها الطريق لإقامة حاكمية الله.

ومن المهم التمييز بين قراءة قطبية إصلاحية داخل الإخوان وقراءة جهادية خارج الإخوانإذ أدت الظروف السياسية والقمع الأمني إلى دفع بعض الشباب إلى تبني التأويل الأكثر راديكالية للفكر القطبي بعيدا عن خيارات الإخوان السلمية أو المشاركة السياسية.

من الحركات الإسلامية إلى السلفية الجهادية

تكشف الأدبيات البحثية الحديثة  العربية والغربية  عن أن السلفية الجهادية لم تنشأ من رحم السلفية العقدية وحدها بل من تفاعل معقد بين:

  • الفكر الحركي الإخواني
  • التراث السلفي
  • الظروف السياسية المحلية
  • والسياق الدولي أفغانستان، الحرب الباردة، الفراغ الأمني، الدعم الخارجي

وأشار Thomas Hegghammer وآخرون إلى أن البنية التنظيمية والدعوية والإعلامية للجماعات الجهادية كانت  في بداياتها أقرب إلى روح الحركات الإسلامية ومنها الإخوان منها إلى التقليد السلفي التقليدي الذي كان يرفض التنظيمات السياسية.

كما لعبت شبكات الإخوان في العالم العربي دورا لوجستيا ودعويا في تعبئة المتطوعين لأفغانستان وان لم يكن ذلك ضمن قرار تنظيمي مركزي بل عبر مبادرات أفراد متأثرين بالخطاب الإخواني الحركي.

لم يكن الإخوان منشئي السلفية الجهادية ولا كان خطابهم الإصلاحي السلمي داعيا للجهاد الدولي الذي تبنته الجهادية المعاصرة. غير أن الإرث الحركي للإخوان من تنظيم وتعبئة ورؤية عالمية وخطاب عن القوة  وفر بيئة تصورية وتنظيمية ساهمت في تشكل المخيال الجهادي خاصة حين التقت هذه العناصر بظروف سياسية مضطربة وبخطاب قطبي متأزم.

بهذا المعنى، فإن علاقة الإخوان بالتيارات الجهادية ليست علاقة أصل بنسخة بل علاقة تأثير غير مباشر جرى تضخيمه داخل سياقات سياسية وأيديولوجية لاحقة.

ثالثا: دراسة حالة عبدالله عزام  الأب الحركي للجهاد العالمي

كان عبد الله عزام أحد أكثر الشخصيات تأثيرا في تشكل الجهادية المعاصرة ليس لأنه قدم تنظيرا عقديا جديدا بل لأنه أسس عمليا وحركيا  البيئة التي ستخرج منها السلفية الجهادية لاحقًا. فقد انطلق عزام من خلفية إخوانية خالصة تشرب فيها منهج حسن البنا بما فيها دلالة التنظيم والأسرة والكتيبة ومركزية التربية الجماعية. هذه التربية لم تترك أثراشكليا فحسببل صاغت رؤيته للجهاد باعتباره مشروعا للأمة كلها ومهمة جماعية تتجاوز الحدود القطرية والالتزامات المحلية. لذلك كان خطابه أقرب إلى التعبئة الدعوية منه إلى التنظير السلفي العقدي وأقرب إلى استنهاض الوعي الجمعي منه إلى بناء عقيدة قتالية محددة. وعندما انتقل إلى أفغانستان حمل معه هذا النفس الإخواني بتجلياته العالمية الحركية والتأكيد على التربيةوالقدرة على التحالف مع أطياف إسلامية مختلفة من دون أن يقف عند الفوارق العقدية.

لقد أدرك عزام مبكرا أن الحرب الأفغانية ليست مجرد صراع محلي بين مجاهدين وحكومة مدعومة من السوفييت بل فرصة لإحياء فكرة الرباط العالمي التي شغلت الحركات الإسلامية منذ منتصف القرن العشرين. ومن هنا بدأ في بناء شبكات جهادية عابرة للحدود مستخدما أدوات إخوانية صرفةالتنظيم المتماسك و العمل الجماعي الهرمي ووحدة الرسالة العالمية. كان إنشاء مكتب الخدمات التجلي الأبرز لهذه الروح التنظيمية فقد نجح المكتب في جمع التمويل وتنظيم الرحلات واستقبال المتطوعين وخلق فضاء تعبوي تعليمي يعيد تشكيل وعي المقاتلين قبل إرسالهم إلى الجبهات. وهذا النموذج لم يكن سلفيا في طبيعته بل كان امتداداا للبنى التي عرف بها الإخوان منذ الأربعينيات والخمسينيات الانضباط التربية مركزية القيادة والقدرة على إدارة شبكات واسعة من المتعاطفين والداعمين.

ومع أن عزام لم يكن منظرا عقائديا على طريقة السلفيين الجهاديين إلا أن خطابه حمل قوة تعبوية استثنائية. فهو الذي نشر فكرة الفريضة الغائبة بالصيغة التي جعلت الجهاد ضرورة فردية وهو الذي أعاد تعريف القضية الأفغانية بوصفها معركة الأمة كلها لا معركة شعب محتل فقط. وقد مكنته لغته العاطفية وشرحه المبسط وقدرته على الربط بين الموروث الإسلامي وقضايا العصر من جذب الاف الشباب من العالم الإسلامي وخارجه ومن تحويل الجهاد من نشاط محلي محدود إلى حركة عالمية متدفقة.

ولم يكن عزام معزولا عن التيارات السلفية لكنه لم يكن جزءا منها أيضا. كان أكثر انفتاحا في تحالفاته وأكثر اهتماما بالروح الجامعة من الجدل العقدي. ولهذا وجد كثير من الشباب السلفيين في خطابه مدخلا نحو رؤية جهادية عالمية رغم أن هذا الخطاب ظل يحمل روح الإخوان في بنيته وتوجهاته. ومن بين هؤلاء الشباب برز أسامة بن لادن الذي تعلم على يد عزام بنية العمل الجماعي وضرورة بناء قاعدة لوجستية عالمية قبل أن يتجه لاحقا إلى خطاب أكثر سلفية. وهكذا يمكن القول إن الطاقة التأسيسية التي قامت عليها الجهادية العالمية لم تكن سلفية في أصلها بل كانت نتاجا لحركة إخوانية استطاعت عبر عزام أن تبني شبكات وتعبئ جماهير وتمنح الصراع الأفغاني بعدا أمميا.

ومع مرور الوقت تطورت هذه الطاقة في اتجاهات لم يكن عزام يسعى إليها بالضرورة فبينما أراد هو جهادا عالميا ذا خطاب تعبوي شامل ذهبت السلفية الجهادية  في طورها اللاحق  إلى بناء مشروع عقدي أكثر صرامة وأكثر صدامية مع العالم. ومع ذلك بقيت البنى التي وضعها عزام  من شبكات التمويل إلى معسكرات الاستقبال إلى مفهوم الرباط الأممي  هي الأساس الذي اشتغلت عليه الحركات الجهادية لاحقا. فمكانته في التاريخ ليست مكانة المنظّر العقدي بل الأب الحركي الذي صنع المجال ورسم الوعي الأول وفتح الطريق أمام ظاهرة ستتخذ لاحقا أشكالا أكثر صلابة وضراوة.

رابعا: دراسة حالة  أبو مصعب السوري  المنظر الحركي الأكثر تأثيرا بعد الجيل الأول

وبعد هذا الجيل سيبرز أبو مصعب السوري بوصفه المنظر الأكثر تأثيرا في صياغة الجهادية الحديثة. ينحدر السوري من إرث الطليعة المقاتلة في سوريا وهي مجموعة ذات امتدادات إخوانية/ثورية وليست سلفية من حيث التكوين. حمل هذا الإرث معه في كل محطاته فبنى رؤية تنظيمية وسياسية أقرب إلى الإسلام الحركي الثوري منها إلى السلفية العقدية. لم يكن انتقاده للسلفية المعيارية خفيا فقد اعتبر أن الصرامة العقدية لاتنتج حركة مقاومة فعالة وأن البراغماتية الثورية هي التي تضمن بقاء المشروع. ومن هنا جاء طرحه الأكثر شهرة اللامركزية الجهادية.

قدم السوري نظريته في النظام اللامركزي لتحل محل التنظيمات الهرمية التقليدية معتبراأن العمل الفردي والخلايا الصغيرة هو الأنسب لعصر الدولة الحديثة وأجهزتها الأمنية. هذه الفكرةالتي صارت لاحقا المرجع الأكبر لحركات الجهادية المعاصرة بعد 2001  ليست نابعة من سلفية عقدية بل من قراءة سياسية/حركية للتجارب الثورية العالمية وتجربته الشخصية في سوريا وأفغانستان وأوروبا. يشتبك هذا الطرح مع أدوات التنظيم الحركي المعاصر بناء شبكات مفتوحة نمذجة المقاومة وفق أساليب حرب العصابات وإعادة هيكلة العلاقة بين المركز والهوامش بطريقة تجعل الفكرة هي القائد الحقيقي لا التنظيم.

إن تتبع هذا المسار يكشف عن حقيقة غالبا ما تهمل في التحليلات المبسطة الجهادية المعاصرة ليست بنت السلفية وحدها بل هي نتاج تفاعل معقد بين العقيدة السلفية من جهة والبنى الحركية الإخوانية/الثورية من جهة أخرى. ففي حين منحت السلفية الشرعية الدينية والصرامة العقدية قدم الإرث الإخواني والطليعة السورية أدوات التنظيم وفكرة العمل الجماعي والتصور السياسي للدولة والمجتمع وخطاب الأمة الرسالي. وبذلك تشكل التيار الجهادي كحقل متنوع تتجاور فيه العقيدة الصارمة مع اليات التنظيم الحركي وتتفاعل فيه الأفكار مع الفرص السياسية والأزمات الإقليمية.

إن فهم هذا التشابك ضروري لتفسير مسار الجهادية في العقود الأخيرة صعودها في أفغانستان انتشار شبكاتها في العالم الإسلامي ثم تحولها نحو اللامركزية بعد 2001. فهذه التحولات لا تفسر بالعقيدة وحدها ولا بالتنظيم وحده بل بالتفاعل بينهما ضمن فضاء حركي/فكري متعدد المصادر.

خامسا: نحو فهم أكثر تعقيدا للظاهرة الجهادية

الجهادية المعاصرة ليست نتاجا لتيار واحد ولا يمكن ردها إلى السلفية وحدها بل هي ظاهرة مركبة نتجت عن تفاعل تاريخي بين حركات وأطر فكرية وتنظيمية متعددة. فمنذ منتصف القرن العشرين تشكل الخيال الجهادي داخل بيئات حركية إخوانية وطلائعية قبل أن تتبناه التيارات السلفية لاحقا. وقد ساهمت التجارب التنظيمية للإخوان وفكرة العمل الجماعي ومركزية الأمة وشبكات الرباط والدعوة في تشكيل البنية الأساسية التي ستتمدد منها الحركة الجهادية العالمية. كما لعبت الطليعة المقاتلة في سوريا بنتاجها الحركي غير السلفي دورامهما في إنتاج خطاب ثوري يستند إلى قراءة سياسية/اجتماعية للدولة والمجتمع وهو الخطاب الذي سيبلغ ذروته لاحقاعند أبو مصعب السوري في نظريته اللامركزية.

وفي الوقت نفسه تأثرت الجهادية بتيارات أخرى مثل السرورية التي مزجت بين السلفية العقدية والأدوات الحركية الإخوانية وبالثورات اليسارية في مفاهيم الحرب الشعبية والمرونة التنظيمية. ومع اندلاع الجهاد الأفغاني تكثفت هذه العناصر المتباينة وتداخلت بطريقة جعلت الظاهرة متنوعة في منطلقاتها وأدواتها ورؤيتها للعالم. ولعبت السياقات الدولية دورا حاسما إذ صنعت أفغانستان والعراق وسوريا فضاءات مفتوحة لإعادة إنتاج المشروع الجهادي مما جعل تطوره مرتبطًا بالفرص السياسية والفراغات الأمنية.

ورغم هذا التعقيد فقد ساد في الخطاب السياسي والإعلامي اختزال يجعل السلفية الإطار الوحيد المسؤول عن الجهادية وهو اختزال خدم روايات رسمية في دول عدة تسعى إلى تحميل تيار معيّن عبء الظاهرة. كما عززته الدراسات الغربية بعد أحداث 2001 حين ركزت على البعد العقدي في محاولة لتفسير العنف من زاوية نصية متجاهلة الجذور الحركية والتنظيمية التي سبقت دخول السلفية إلى المجال الجهادي. هذا الاختزال خلق صورة مشوهة للواقع وأغفل أن الجهادية تيار عالمي تكون عبر تفاعل طويل بين السياسة والحركة والتنظيم وأن فهمه يتطلب النظر إلى جذوره المركبة بدل اختزاله في عامل واحد لا يمثّل سوى جزء من المشهد الأوسع.

يثبت التحليل التاريخي والنصي أن الجهادية المعاصرة ليست نتاجا سلفيا خالصا ولا يمكن فهمها من خلال السلفية فقط. فالإخوان المسلمون والطليعة المقاتلة والإسلام الحركي عموما ساهموا في:

– بناء خطاب عالمي محفز

– تطوير شبكات تنظيمية

– ترسيخ مفاهيم الأمة والعمل الجماعي والفريضة الغائبة

– توفير القاعدة البشرية والسياسية للحالة الجهادية.

وبذلك يصبح الجهاد العالمي  من حيث النشأة والأدوات  مشروعا متعدد الجذور يتجاوز كثيراا حدود السلفية الجهادية كما تفدم في التحليلات المبسطة.

5- الخاتمة

ييعد أبو مصعب السوري نموذجا فريدا في التيار الجهادي حيث يمثل صوت البراغماتية الاستراتيجية في مواجهة الجمود العقائدي. لقد سلط نقده للسلفيين الضوء على الانقسامات الأيديولوجية العميقة داخل تنظيم القاعدة والتي غالبا ما يتم تجاهلها.

لقد رأى السوري أن صعود الخطابات السلفية المتشددة قد قلص من المحتوى السياسي للأيديولوجيا الجهادية وأضعف قدرتها على التعبئة وتشكيل التحالفات وحكم عليها بأن تظل نخبوية وهامشية ومحكومة بالفشل. وبالتالي فإن التمييز بين أبي مصعب الحركي الذي يركز على العمل والتنظيم والنتيجة وبين السلفي الأصولي الذي يركز على العقيدة  هو مفتاح فهم الصراعات الداخلية التي عصفت بالتيار الجهادي المعاصر.