في خضم التحولات السياسية والاجتماعية التي يعرفها المغرب، يطفو على السطح سؤال مؤرق: أين هو المثقف؟ هل لا يزال ذلك الفاعل النقدي القادر على إضاءة العتمة وتوجيه البوصلة، أم أنه أضحى مجرد شاهد صامت، منشغل بذاته أو مقيد بقيود المؤسسة أو السوق أو الخوف؟
عزلة المثقف وتكلّس النخبة
ما يثير الانتباه أن النخبة الثقافية في المغرب أصبحت أكثر انعزالًا عن القضايا الحيوية للمجتمع. فهي إما متفرغة لنقاشات نظرية نخبوية معزولة عن الواقع، أو منخرطة في مشروعات فردية، أو اختارت الصمت التام إزاء التحولات المتسارعة. لم تعد النخبة فاعلًا سياسيًا أو اجتماعيًا، بل أضحت في أغلبها معزولة عن الشارع، غير قادرة أو غير راغبة في الدخول في صراعات الوعي والتوجيه.
الخوف والرقابة الذاتية
ثمة خشية محسوسة في المشهد الثقافي. كثير من المثقفين آثروا السلامة والانكفاء بدل المجازفة بمواقف قد تُحسب عليهم في زمن التوجس والتأويل. لم تعد الكتابة في الشأن السياسي أو القضايا الحساسة أمرًا مستساغًا إلا بحذر شديد، فظهر ما يشبه “الرقابة الذاتية” التي تشل التفكير وتفرغه من جرأته.
سقوط الوظيفة التوعوية
حين يتخلى المثقف عن ممارسة دوره التوعوي لصالح خطاب مهادن أو تبريري، يتحول من ضمير إلى صدى. وقد لوحظ مؤخرًا أن الكثير من الكتابات تبتعد عن نقد البنى السياسية أو الاقتصادية أو التعليمية، وتركز على قضايا أدبية أو ثقافية معزولة عن نبض الشارع. هذه الوضعية تُعمق الفجوة بين النخبة والمجتمع.
بين التواطؤ والإحباط
البعض يرى أن هذا الصمت ليس فقط خوفًا، بل نوع من التواطؤ غير المعلن مع البنية السائدة، حيث يستفيد بعض المثقفين من مواقعهم داخل المؤسسات الرسمية أو الإعلامية، مما يجعلهم أسرى نوع من “المهادنة النفعية”. فيما آخرون تخلّوا عن المعركة بفعل الإحباط من غياب التأثير أو نتيجة انسداد الأفق السياسي.
ما السبيل إلى استعادة الدور؟
إن عودة المثقف إلى واجهة التأثير تقتضي منه إعادة تعريف دوره أولًا، بعيدًا عن التعالي أو التبعية. كما تستوجب تجاوز النزعة الفردانية، والعمل ضمن شبكات فكرية وجماعية تشتبك مع القضايا الحقيقية للمجتمع، وتسائل الدولة، وتحرّك الرأي العام بجرأة ورصانة.
خاتمة
المجتمع المغربي اليوم، في ظل التحديات التي يواجهها، أحوج ما يكون إلى مثقف شجاع، ناقد، مبادر. مثقف لا يكتفي بالتشخيص، بل يسعى إلى التأثير. مثقف يُعيد للمفاهيم وهجها، وللكلمة دورها، وللثقافة وظيفتها في التغيير.