استنفر الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة، هشام البلاوي، الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية، لتفادي الاختلاف في تفسير مستجدات قانون المسطرة الجنائية، الذي سيدخل حيز التنفيذ في 8 دجنبر القادم، وذلك في لقاء تواصلي ظمته رئاسة النيابة العامة اليوم الأربعاء بالرباط.
وقال البلاوي إن من بين الأهداف الأساسية لهذا اللقاء توحيد الممارسة القضائية بين مختلف النيابات العامة، تجنبا لأي تضارب في القرارات أو الإجراءات عند دخول القانون حيز التنفيذ حتى لا يحدث اختلاف في تفسير المقتضيات الجديدة بين نيابة عامة وأخرى في مجالات دقيقة، من قبيل الإكراه البدني أو الاعتقال الاحتياطي أو آليات البحث الخاصة.
وأكد أن صلاحيات مهمة أسندها القانون الجديد للنيابة العامة، وأن حسن ممارسة هذه الصلاحيات يجب أن يتم في إطار قوة القانون لا قوة السلطة، مشيراً إلى أن أي سوء تطبيق قد يكون ناتجاً عن سوء فهم، وهو ما يجعل التكوين والتأطير حجر الزاوية في هذه المرحلة.
وأكد أن رئاسة النيابة العامة حرصت على تمكين المسؤولين القضائيين من نسخة محيّنة من القانون ومن منشور يتضمن أهم المستجدات، قبل شهر من دخوله حيز التنفيذ، لإتاحة الوقت الكافي لاستيعاب مقتضياته.
ودعا المسؤولين القضائيين إلى نقل مضامين هذا التكوين إلى نوابهم وإلى قضاة الحكم والتحقيق، كما دعا إلى إشراك الشرطة القضائية في دورات تكوينية لتعزيز التنسيق وضمان التطبيق السليم للمقتضيات الجديدة. مؤكدا على أن الرهان الأساسي لإنجاح تفعيل هذا الورش التشريعي يظل معقودا على المسؤولين القضائيين الذين سيتولون تطبيق القانون ميدانياً ابتداء من 8 دجنبر.
واعتبر أن الإصلاحات العميقة التي حملها قانون المسطرة الجنائية في صيغته الجديدة، والتي تبلغ حوالي 400 مقتضى، يجسد “الحمولة الكبرى” لهذا القانون الذي وصفه بعض الفقهاء بـ“قانون الأبرياء”، بالنظر إلى ما يتضمنه من ضمانات متقدمة لحماية الحقوق والحريات. مشددا على أن القاضي يتولى مهمة دستورية تتمثل في حماية حقوق الأفراد وحرياتهم، وهو ما يجعل استيعاب فلسفة المشرع من مختلف التعديلات أمرا ضروريا لضمان تنزيلها الأمثل.
وأشار في هذا السياق إلى أن مراجعة قانون المسطرة الجنائية كانت ورشاً مركزياً ضمن إصلاح منظومة العدالة، وموجودة بوضوح ضمن توجهات الملك كما ورد في الخطاب الملكي بمناسبة ثورة الملك والشعب في 20 غشت 2009، الذي دعا إلى تحديث المنظومة القانونية ومراجعة القانون والمساطر الجنائية بما يضمن شروط المحاكمة العادلة ويُواكب التطورات.
وأبرز رئيس النيابة العامة أن القانون الجديد يحمل مجموعة من المقتضيات التي تعزز ضمانات المحاكمة العادلة وتقوي حقوق الدفاع، من بينها تمكين المحامي من مؤازرة المشتبه به منذ اللحظة الأولى لتوقيفه، وحضوره مرحلة الاستجواب، فضلاً عن ضمانات خاصة بالأشخاص في وضعية إعاقة، كما تضمن القانون آليات جديدة لمحاربة الجريمة، من قبيل الاختراق، والتسجيل السمعي البصري، والتحقق البيومتري من الهوية، وهي مستجدات تتطلب فهماً دقيقاً وضبطاً محكماً لضمان تطبيقها السليم.
وفي الجانب المتعلق بحماية الأحداث، توقف البلاوي عند إقرار ضوابط جديدة للإيداع، مؤكداً أنه لم يعد ممكناً إيداع أي حدث يقل عمره عن 18 سنة بجناح الأحداث إلا بضوابط صارمة يحددها القانون. وأضاف أن من بين المستجدات البارزة أيضاً التنصيص لأول مرة في المادة 51 على مفهوم السياسة الجنائية باعتبارها جزءاً من السياسات العمومية، وعلى أهدافها وأبعادها وآليات تنفيذها، مما يضع إطاراً قانونياً واضحاً يحد من التأويلات المتباينة ويعزز وضوح الرؤية لدى الفاعلين القضائيين.
وأكد أن القانون الجديد ألزم النيابات العامة بتعليل قراراتها في مجال الاعتقال الاحتياطي، باعتبارها قرارات قابلة للطعن، وهو ما يجعل من التعليل ضمانة أساسية للمشروعية وحمايةً لحقوق الأفراد، وقال إن “أي قرار غير معلل هو قرار يفتقد إلى الشرعية، ولا يمكن للنيابة العامة أن تسمح لنفسها بخرق القانون وهي التي يقع على عاتقها واجب السهر على احترامه”.
وأشاد البلاوي بالمجهودات الكبيرة التي يبذلها القضاة ووكلاء الملك ونوابهم في مختلف محاكم المملكة، معتبراً أن نجاح تنزيل هذا القانون رهين بالروح المهنية العالية والالتزام العميق برسالة العدالة، بالنظر إلى حجم العمل وتعقيد الملفات، وما يتطلبه ذلك من تفانٍ يصل أحياناً حد العمل إلى ساعات متأخرة من الليل.
وأشار إلى أن هذا اللقاء ليس مناسبة لاستعراض جميع المستجدات، لأن الأمر يتطلب أياما من النقاش، بل هو محطة لفتح نقاش معمق حول القضايا الآنية الأكثر ارتباطاً بحماية الحقوق والحريات، ولتوحيد الرؤية حول كيفية تطبيق بعض المقتضيات التي قد تثير إشكالات في الممارسة اليومية.