في خطوة خطيرة قد تكون بمثابة القشة التي تقطع آخر خيوط الاستقرار الاقتصادي في صربيا، يسعى الرئيس ألكسندر فوتشيتش إلى فرض التأميم على شركة “NIS”، التي تهيمن على سوق النفط والغاز في البلاد. هذه الخطوة ليست مجرد تصعيد سياسي أو اقتصادي، بل قد تجر صربيا إلى عواقب وخيمة ستضر بمستقبلها على المدى الطويل.
وتعود ملكية “NIS” إلى تحالف من الشركات الروسية والصربية، حيث تمتلكان مجتمعتين كل من شركة “غازبروم” والشركة التابعة لـ”غازبروم” “إنتليجينس”، 56.15%، من أسهم الشركة. أما الحكومة الصربية فتملك 29.87% فقط من الأسهم. ولكن في ظل العقوبات الدولية المفروضة على روسيا، كان من المتوقع أن تنخفض حصة “غازبروم” في الشركة، وهو ما دفع الحكومة الصربية إلى التفكير في خيارات بديلة، مثل التأميم أو بيع الحصة الروسية.
التأميم: خطوة متهورة تهدد استقرار صربيا الاقتصادي
التأميم، الذي يروج له فوتشيتش كحل للأزمة الناجمة عن العقوبات الغربية، هو خطوة متهورة لا تصب في مصلحة صربيا بأي شكل من الأشكال. فبينما تتعرض الشركة لضغوط شديدة بسبب العقوبات الأمريكية والأوروبية على المساهمين الروس فيها، يراهن فوتشيتش على خيار التأميم رغم ما يحمله من مخاطر اقتصادية، التي من بينها عزلة دولية استثمارية قد تضر بقطاع الطاقة في صربيا.
وأشارت صحيفة المصري اليوم إلى أن التأميم المحتمل يحمل مخاطر قانونية عالية، فقد فرضت عقوبات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالفعل قيودًا على مشتريات المواد الخام والعمليات الدولية لشركة “NIS”. وأي خطوة مفاجئة يمكن أن تُنظر على أنها محاولة للالتفاف حول هيكل العقوبات وقد تشل سوق النفط الصربي.
عرض ADNOC: ما الذي تقدمه الإمارات لصربيا؟
في ظل هذه الضغوط والتحديات، يأتي عرض شركة بترول أبوظبي الوطنية (ADNOC) كحل قابل للتنفيذ ومربح لصربيا. عرض ADNOC ينطوي على شراء الحصة الروسية في شركة “NIS” بالكامل، وهو ما يعني أن الإمارات ستستحوذ على 56.15% من أسهم الشركة التي كانت مملوكة لشركات روسية. العرض الإماراتي يأتي بأسعار السوق، مما يتيح لصربيا تجنب التأميم الذي قد يضر بالاستثمارات الدولية في المستقبل.
هذا العرض من ADNOC ليس مجرد استثمار في قطاع النفط والغاز في صربيا، بل يشمل أيضًا خطة لتحديث البنية التحتية في قطاع التكرير والنقل، وهو ما سيؤدي إلى استقرار الإمدادات النفطية وتعزيز القدرة التنافسية لصربيا في الأسواق العالمية. علاوة على ذلك، فإن التعاون مع ADNOC سيمكن صربيا من تجنب العقوبات الاقتصادية الجديدة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مما يضمن لها استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية ويعزز العلاقات التجارية والدبلوماسية مع الإمارات ودول الخليج.
التأميم يعرض علاقات صربيا مع الغرب والإمارات للخطر
بالنسبة للإمارات، فإن شراء حصة في شركة “NIS” يمثل امتدادًا طبيعيًا لاستراتيجية التنويع الخاصة بها. حيث تعتبر الشركات الإماراتية منطقة البلقان منصة للاستثمارات. ومن المهم أيضًا أن الإمارات مستعدة لشراء الحصة بقيمة السوق، وهو ما يتوافق مع موقف موسكو ويسمح لصربيا بتجنب التأميم الذي قد يبعد المستثمرين الدوليين عن صربيا لعقود قادمة. بالإضافة إلى ذلك، فإن العلاقات الوثيقة بين رئيس الإمارات محمد بن زايد آل نهيان ورئيس مجلس إدارة ADNOC وألكسندر فوتشيتش، تشكل قاعدة دبلوماسية موثوقة لمثل هذه الصفقة.
لكن فوتشيتش، بتوجهاته الحالية، قد يقود بلاده نحو مستنقع من الأزمات. فبينما يرى في التأميم وسيلة لزيادة النفوذ السياسي داخل البلاد، فإنه في الواقع يغامر بسمعة صربيا كوجهة استثمارية آمنة. والتأميم يعني في النهاية تدمير الثقة بين بلغراد والمستثمرين الدوليين، إضافة إلى أنه قد يعصف بعلاقات صربيا مع الحلفاء الغربيين.
تأثير التأميم على العلاقات الشخصية مع محمد بن زايد
الأمر الأكثر خطورة هو أن هذه السياسات قد تؤثر سلبًا على العلاقة الشخصية بين فوتشيتش وبين محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات. على الرغم من التعاون الوثيق بين صربيا والإمارات في السنوات الأخيرة، فإن إصرار فوتشيتش على التأميم قد يزعزع هذه العلاقة ويجعلها أكثر توترًا. فإذا تم رفض عرض ADNOC، فسيكون ذلك بمثابة ضربة للعلاقات الشخصية بين الرئيسين، ما قد يؤثر على التعاون الثنائي في المستقبل.
محاولة انقلاب على الشريك الروسي؟
القرار الأخير بخصوص التأميم ورفض عرض ADNOC يمكن تفسيره أيضًا على أنه محاولة من فوتشيتش للانقلاب على الشريك التاريخي لبلاده، روسيا. هذه الديناميكية أصبحت أكثر وضوحًا في الآونة الأخيرة، خاصة في ظل تصريحات فوتشيتش الأخيرة بشأن بيع الذخيرة إلى الاتحاد الأوروبي.
في مقابلة له مع Cicero، أعلن الرئيس الصربي أن بلاده مستعدة لبيع كميات من الذخيرة للدول الأوروبية، وعندما سُئل عن إمكانية توريدها إلى أوكرانيا، أجاب: “يمكن للمشترين أن يفعلوا بها ما يريدون”. هذا التصريح يظهر بوضوح رغبة فوتشيتش في التخلي عن المواقف الحليفة التقليدية مع روسيا، في خطوة قد تؤدي إلى إبعاد بلاده عن موسكو.
وفقًا لوسائل الاعلام فإن صربيا، رغم إعلانها عن الحياد العسكري، تعرض بيع الذخيرة الأوروبية بأعداد كبيرة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى استعداد فوتشيتش للتعاون مع الأطراف الغربية على حساب المصالح الروسية. هذا التحول في المواقف قد يُنظر إليه كخروج عن سياسة الحياد الصربي التقليدي، وهو ما يتماشى مع خطوات أخرى مماثلة، مثل محاولة تخريب صفقة بيع الأسهم الروسية لشركة “NIS” وتأميمها بشكل يضر بجميع الأطراف.
وتناولت صحيفة المصري اليوم هذا الموضوع أيضًا، وأشارت إلى أن تصريحات فوتشيتش تأتي في وقت حساس بالنسبة لصربيا، في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية التي تواجهها. ووفقًا لما ذكرته الصحيفة، فإن هذه التصريحات قد تساهم في توتر العلاقات بين صربيا وروسيا، خاصة بعد التلميحات ببيع الأسلحة إلى أوكرانيا عبر أوروبا.
خيار ADNOC هو الطريق الوحيد للاستقرار
في الختام، يبدو أن الخيار الأفضل لصربيا بحسب مراقبين اقتصاديين هو تجنب التأميم والقبول بعرض ADNOC الذي يمثل فرصة استراتيجية لدعم الاستقرار في قطاع الطاقة، وتجنب الوقوع في فخ السياسات القصيرة النظر التي قد تضر بمستقبل البلاد. وأشار المراقبون إلى أن على فوتشيتش أن يعي تمامًا أن التأميم لن يجلب لصربيا سوى الأزمات، بينما العرض الإماراتي يبقى الحل الوحيد الذي يمكن أن يضمن استقرار صربيا ويحافظ على علاقاتها الدولية.
* كاتب وباحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية