منتدى العمق

رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الخامسة)

“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.

الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.

الفصل الثاني:

استقرار على حافة الانهيار..

كان البيت الجديد لا يُشبه بيوت القرى في شيء، إلا في كونه يحاول أن يُقنع من يدخله بأنه بيتٌ آمن. واجهته رمادية صامتة، نوافذه عالية لا ترى منها الشارع إلا قطعًا صغيرة من السماء، وبابه الحديدي يغلق بصوت مكتوم، كأنما تعلّم أن يخفي نفسه عن آذان الجيران. في الطابق الثاني، في غرفة تطلّ على فناءٍ داخلي تحرسه شجرة وحيدة، أُضيء مصباحٌ أصفر، وجُهّز سرير ضيّق بملاءة بيضاء مشدودة بعناية.

حين فتح أمناي عينيه للمرة الأولى هناك، لم يتعرّف على السقف. لم يكن السقف الخشبي المائل الذي اعتاد عدّ شقوقه قبل النوم، ولا الغصن المتطفّل الذي يدخل من الفتحة الصغيرة ليصافح الهواء الداخلي في بيت باسو. كان سقفًا أملس، بلا تشققات تُشبه الخرائط، بلا أثر لدخان نارٍ قديمة، بلا ذاكرة. حاول أن يرفع يده، فشعر بثقل خفيف في ذراعه، كما لو أن الألم في ساقه عبرَ إلى كل أطرافه. استغرق وقتًا ليجمع بين ما يراه الآن وبين آخر ما يتذكره.

آخر ما يتذكره بوضوح هو وجه أبيه منكسراً فوقه في المستوصف، وصوت حادة وهي تبكي في مكانٍ لا يراه. ثم شيء بارد يدخل في عروقه، وصفيرٌ مستمر، ووجوهٌ تتحرك مثل ظلال الماء على سقف الغرفة البيضاء. بعدها، صار كل شيء متقطعًا: ممرٌّ ضيق، معطفٌ أبيض، باب جانبي، بطانية خشنة، رائحة وقود، وسماء بلا نجوم. بين هذه الصور، تتسلل صورة أخرى أقدم: حقل الشعير، ظلّ الجبل، وظهر الأفعى اللامع قبل أن تنغلق فجوة الذاكرة على لسعتها.

التفت قليلاً. إلى جوار السرير، كانت هناك طاولة صغيرة عليها كأس ماء، وعلبة دواء، ومنديل مطوي بعناية. نافذة الغرفة نصف مفتوحة، يدخل منها هواء لا يحمل رائحة الزعتر ولا رائحة روث البهائم، بل رائحة مدينة: بنزين خفيف، مطر قديم التصق بالإسفلت، ونَفَس بيوت متلاصقة. سمع همهمة أصوات تأتي من الصالون: رجل يتكلم بنبرة واثقة، وامرأة تردّ عليه بنبرةٍ فيها شيء من التردد.

فُتح الباب برفق، دخل رضا ذو النظارة الرقيقة. لم يكن هو الرجل ذو العباءة الداكنة، ولا صاحب المعطف الأبيض، بل رجلٌ آخر يلبس قميصًا مكويًا بعناية، تفوح منه رائحة عطرٍ خفيف يشبه الصابون أكثر مما يشبه الورود. ابتسم ابتسامة مدروسة، لا واسعة ولا ضيقة، ثم جلس على حافة السرير وقال بالعربية الفصحى التي تحاول أن تكون قريبة:

ـ استيقظتَ أخيرًا… هذا جيد.

حاول أمناي أن يسأل: “أين أبي؟” لكن صوته خرج مبحوحًا، كلمة ناقصة لا تكفي لتبلغ الأذن بوضوح. أشار بيده، ثم إلى الباب، ثم إلى صدره كمن يكتب سؤالًا في الهواء. فهم رضا الإشارة، أو ادّعى الفهم، فأجاب بجملةٍ لا تنتمي إلى السؤال:

ـ لا تقلق… أنت الآن بخير. هنا بيتك.

“هنا بيتك”. الجملة طافت في الغرفة، بحثت عن مكان لتستقر فيه، فلم تجد. البيت بالنسبة لأمناي كلمة لها روائح محددة: رائحة خبز حادة الساخن، رائحة عرق باسو بعد عودته من الحقل، رائحة التراب وهو يلتصق بالقدمين عند عتبة الباب. أما هذا المكان، فكانت له رائحة نظافة مبالغٍ فيها، وأسقفٌ عالية، وجدران لا تحمل أي ظل لصورةٍ معلّقة.

ظهرت زينب في الباب، شعرها مرفوع بعناية، ترتدي ثوبًا أنيقًا لا يعرف له اسمًا. اقتربت من السرير ببطء، كمن يقترب من زهرة هشة تخاف أن تلمسها فتتساقط أوراقها. نظرت إلى وجهه نظرة فاحصة، كأنها تقيس ملامحه على مقاسٍ في رأسها، ثم قالت بابتسامة ناعمة:

ـ كيف تشعر الآن؟

لم يمهلهما الجسد فرصةً للجواب بالكلمات؛ عينه فقط انتقلت بينهما وبين النافذة. أعاد رضا الكرة:

ـ من اليوم، لن تحتاج أن تخاف من الأفاعي ولا من البرد… هنا، كل شيء مختلف.

في مكانٍ ما في عمق ذاكرته، انفتح فجأة مشهد قصير: يد باسو الخشنة تُمسك بيده الصغيرة في الحقل، وصوت عسو يضحك وهو يحكي عن مدينة بعيدة فيها شوارع معبّدة لا وحل فيها. تداخلت الضحكة مع نبرة الرجل صاحب النظارة، امتزجت صورة تلك المدينة الحلمية بهذه الغرفة، فشعر أمناي بأنه عالق بين وعدين لا يجتمعان: وعد القرية بأن يبقى قريبًا من الجبل، ووعد المدينة بأن تنسيه ظلّه.

اقترب رضا قليلاً، وقال بجملةٍ حاسمة هذه المرة:

ـ اسمع… من اليوم، سنناديك “يونس”.

توقفت أنفاس الغرفة لحظة. الاسم سقط في أذنه كحجرٍ في ماءٍ راكد. 

“يونس”. كررها رضا ثانية:

ـ هذا اسم جميل، أليس كذلك؟ سيسهُل على الجميع هنا أن ينادوك به.

مدّت زينب يدها وربتت على كتفه:

ـ نعم، يونس… اسم يليق بك.

أراد أن يقول: “اسمي أمناي”، لكن الكلمة لم تصعد. ظلّت عالقة في مكانٍ ما بين حلقه وقلبه. أحسّ فجأة أن “أمناي” هذه أثقل من أن تُقال في هذا البيت؛ فيها الجبل، والقرية، وحادة، وباسو، وصرخة حنجرةٍ لم تُطلق حين لدغته الأفعى. “يونس” على النقيض، خفيفة، تنزلق من أفواههم بسهولة، كأنها صُنعت خصيصًا لهذا الهواء وهذه الجدران.

في تلك اللحظة، اشتعل فلاش صغير في ذاكرته. تذكّر وجه الرجل ذي المعطف الأبيض وهو يقول للطبيب: “أنقِذ ما يمكن إنقاذه”، وتذكّر البرودة في يد الرجل النحيل الذي ناول أباه قلم التوقيع. المشاهد لم تكن مكتملة، لكنها كانت تلمع مثل شظايا زجاج تحت شمسٍ حادة. عين الطفل لا تُدرك بعد المعنى، لكنها تلتقط الخلل. عرف، دون أن يعرف كيف يشرح، أن الطريق بين المستشفى وهذه الغرفة ليس طريقًا مستقيمًا.

في المساء، حين هدأ الكلام في الصالون، وبقي صوت التلفاز وحده يملأ الفراغ بأخبارٍ عن مدن لم يسمع بها من قبل، استلقى أمناي ـ يونس ـ على السرير الجديد، وشهق شهقة طويلة. سقف الغرفة يحدّق فيه، والمصباح الأصفر يرسم هالة باهتة حول عينيه. أغمضهما وهو يستدعي بيت القرية: يرى حادة جالسة قرب الموقد، ترفع عنه الغطاء لتتأكد أنه لم ينكشف في البرد، يسمع باسو يناديه من باب البيت: “أمناي، تعال… العشاء جاهز.”

لكن النداء هذه المرة ينقطع قبل أن يكتمل، يُستبدل بصوت آخر، أجنبي، يعلو من الصالون:

ـ يونس! تعال، تناول طعامك.

فتح عينيه، لم يجد الطريق. ظلّ للحظةٍ معلقًا بين اسمين، بين مائدتين، بين بيتين. نهض ببطء، مشى إلى الباب، كل خطوة يخطوها تبدو كخطوة على جسرٍ جديد يُبنى تحت قدميه وهو يمشي.

على المائدة، جلس رضا وزينب في مواجهته. الصحون نظيفة، الطعام مختلف: لا أثر للكسكس في قدرٍ نحاسي، ولا لخبز طاب على الجمر، بل أطباق مصفوفة، وسكاكين وشوك، ومفرش لا بقعة عليه. قالت زينب بصوت دافئ متكلّف:

ـ يونس، من اليوم أنت ابننا. ستذهب إلى المدرسة القريبة، ستنام في هذه الغرفة، وستكون لنا… هل فهمت؟

هزّ رأسه بلا وعي. في ذهنه، كانت كلمة “ابننا” ترتطم بكلمة “ابني” التي كانت حادة تهمس بها في أذنه وهو ينام. لم يستطع أن يوفّق بينهما. التهم لقمتين بصمت، شعر أن الطعام بلا طعم. عاد إلى غرفته، جلس على طرف السرير، وترك عينيه تتجولان في المكان بحثًا عن ظل شيءٍ من حياته السابقة؛ لم يجد إلا ظلّه وحده على الحائط، أطول قليلًا مما تعوّد عليه.

ليلةً بعد أخرى، بدأ الإيقاع الجديد يفرض نفسه. يستيقظ على صوت المنبّه، لا على نداء حادة. يغسل وجهه في حمام ببلاط أملس، ليس في حوض حجري قرب البئر. يلبس ثيابًا اختارتها له زينب، مقاسها مضبوط، ألوانها نظيفة، لكنها لا تحمل رائحة الشمس. يناديه رضا: “يونس”، فيلتفت. شيئًا فشيئًا، صار صوته يستجيب للاسم من دون تردد، بينما “أمناي” تنسحب إلى الداخل، تُصبح سرًّا شخصيًّا لا يقال لأحد.

ومع ذلك، لم يستطع البيت الجديد أن يسيطر على لياليه. في الليل، حين يهدأ كل شيء، تعود القرية كضيفٍ عنيد. يسمع هدير الجدول الذي يقفز على الحصى، يسمع البغل يختبر الطريق بحافرٍ واحد، يسمع حادة تغني أغنيتها القديمة وهي تعجن العجين. أحيانًا يستيقظ على اسمه الأول ينفلت من فمه همسًا: “أمناي”. يفتح عينيه مذعورًا، يخشى أن يكون أحد قد سمع. لا يسمع سوى ساعة الحائط وهي تعدّ ثواني حياة جديدة لم يطلبها.

ذات صباح، وهو في طريقه إلى المدرسة برفقة رضا، مرّا قرب حديقة صغيرة يلهو فيها أطفال بكراتٍ ملوّنة. سمع أحدهم ينادي صاحبه: “آ أشريف، آ أمناي، زيد شوية!”

توقفت قدماه فجأة. الكلمة اخترقت الهواء ووصلت إلى أعمق نقطة في ذاكرته. التفت حوله يبحث عن مصدر الصوت، عن وجه يعرفه، عن جبلٍ في الأفق، عن حقل زعتر. لم يجد إلا مبانيَ عالية وأشجارًا مزروعة في مربعات إسمنتية.

سأله رضا:

ـ ما بك يا يونس؟

حرّك كتفيه وقال:

ـ لا شيء… فقط… تذكرت شيئًا.

لم يسأله رضا: ماذا؟ فهناك أشياء لا يحب الكبار أن يسمعوا تفاصيلها من أفواه الصغار؛ لأنها تذكرهم بطرقٍ أُغلقت من زمان.

في ذلك المساء، حين عاد إلى غرفته، جلس قرب النافذة، أسند جبينه إلى الزجاج البارد، وراح يتتبع بعينيه خطّ السماء بين أسطح البنايات. لم يكن هناك جبل يزن طول النهار، ولا ظلّه الثقيل يزحف مع الوقت. كان هناك فقط خطّ أزرق بعيد، وسحابة واحدة تشبه في حوافها صخرة الحقل التي اختبأت وراءها الأفعى. ابتسم ابتسامة قصيرة، ثم انطفأت.

قال في نفسه، دون أن يحرّك شفتيه:

“إن تمكنوا من تغييب جسدي عن قريتي، فلن يأخذوا القرية من رأسي.”

ثم استلقى، أغمض عينيه، واستدعى من قلبه ذلك الفجر الأول: ظِل الجبل وهو يثقل على البيوت، الغبار وهو يتعلّق بأهذاب العشب، والأغنية التي لم يعد يتذكر كلماتها، لكنه يشعر بإيقاعها يدقّ في صدره كلما ناداه أحد باسمٍ لا يعرفه تمامًا.

يتبع..