منتدى العمق

رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة التاسعة)

“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.

الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.

الخلاف بين رضا وزوجته لم يعد خلاف أرقام فقط، بل خلاف تعريف لما تعتبره هي “إنسانًا”، وما يعتبره هو “مسؤولية”.

ـ أنا لا أراه بندًا ماليًا، أراه ابني، هذا كل شيء.

ـ لكن العالم يراه بندًا ماليًا: مدرسة، لبس، طعام، صحة… لا يمكن أن نتجاهل ذلك.

ـ العالم رأى فيه يومًا “فرصة بيع”، ومع ذلك لم يمنعه ذلك من أن يكون طفلاً حقيقيًا.

يسكت. يشعر أنّ كل جملة تقولها تدفعه إلى زاوية ضيقة بين ضميره وواقعه. لا يريد أن يكون “ذاك الرجل” الذي يتخلّى، ولا يعرف كيف يكون الرجل الذي يستطيع أن يحمل كل شيء في جيبٍ فارغ.

يونس، في كل هذا، يتصرف كمن لم يفهم شيئًا، لكن صمته نفسه كان نوعًا من الفهم. صار يتحسس وجوده في البيت كما لو كان ضيفًا طويل الإقامة، يراقب طريقة تبادل النظرات فوق رأسه، يحصي المرات التي يُذكر فيها اسمه في أحاديث لا يُستدعى لها. في بعض الأحيان، يسمع زينب تقول لجارتها:

ـ لدينا ابن، نعم… لكنه ليس من رحمي.

ثم تضيف بسرعة:

ـ لكن قلبي تعرّف عليه كما لو وُلد هنا.

تلك الإضافة القصيرة كانت بالنسبة إليه حبل النجاة الوحيد وسط بحرٍ تتلاطم فيه أمواج لا يراها.

الأزمة المالية ازدادت حدّة. محاولات رضا لإيجاد عمل جديد اصطدمت كل مرة بأبوابٍ موصدة، أو عروض لا تفي حتى بنصف ما كانوا يحتاجون. الضغط تحول من ضيقٍ مكتوم إلى توترٍ ظاهر. بدأ صوته يعلو أحيانًا، لا على الطفل وحده، بل على كل شيء: على كوبٍ انكسر، على ضوءٍ نُسيَ مشعلًا، على ورقة امتحان لم تكن علامتها كما كان يتمنى.

في إحدى المرات، بعد أن أغلق الهاتف على مكالمة فاشلة أخرى، التفت إلى يونس دون قصد وقال بحدة:

ـ لو لم تكن هنا، لكان الأمر أسهل.

سقطت الجملة في الغرفة كصاعقة. صمت بعدها مباشرة، كما لو ندم في اللحظة التي خرجت. زينب كانت تقف في باب المطبخ، رأت وجه الطفل يتجمّد، وعيناه تتسعان دون دمعة. تقدمت بسرعة، ووقفت بينهما كحاجز:

ـ لا تكرر الخطأ مرتين.

ثم التفتت إلى يونس، وقالت بنبرة حاولت أن تُخفي فيها رجفة:

ـ هو لا يقصدك… هو يقصد الوضع.

لكن الطفل الذي عرف أن الأسماء يمكن أن تُغيَّر، والأجساد يمكن أن تُنقل من بيتٍ إلى آخر، كان يعرف أيضًا أن الجمل، حين تُقال، لا تعود تمامًا إلى مكانها الأول، حتى لو اعتذر صاحبها.

ليلةً بعد ليلة، كانت النقاشات تزداد حدّة. لم يعد الأمر يتعلق بفاتورة أو اثنتين، بل بنظرة كلٍّ منهما إلى طريق الخروج من هذا المأزق. رضا بدأ يلوّح بخيار القَطْع:

ـ ربما كان علينا أن نعيد النظر في كل هذا من البداية.

ـ “كل هذا” يعني ماذا بالضبط؟ أنا؟ البيت؟ الطفل؟ حياتنا؟

يصمت، وكأن السؤال كبيرٌ لدرجة أنه لا يمكن تقسيمه.

ـ أعني أننا حملنا ما لا طاقة لنا به.

ـ قلها بصراحة: تريد أن تتخلص من يونس.

ـ أريد أن أُنقذ ما يمكن إنقاذه من حياتنا… ومنه هو أيضًا.

ترتفع نبرة زينب هذه المرة:

ـ لا تستخدم مصلحته ذريعة لقرارك. مصلحته كانت أن يبقى في حضن أمه، فلم يسألها أحد. الآن، أنا لن أكرّر نفس الجريمة.

في تلك اللحظات، كان يونس في غرفته، بابها نصف مغلق، يسمع ارتطام الكلمات بالجدران. لا يفهم كل التفاصيل، لكنه يفهم الجوهر: هو في مركز معركةٍ لم يخترها، مرة أخرى.

فكّر، للحظةٍ خاطفة، في أن يهرب. أن يخرج إلى الشارع، أن يمشي حتى ينتهي الإسفلت، أن يبحث عن طريقٍ يعود به إلى قريته. لكن صورة الجبال البعيدة، والسنوات التي مرت، وتغيّر وجهه في المرآة، كل ذلك جعله يدرك أن العودة لم تعد طريقًا مستقيمًا يمكن أن يُقطع مشيًا على الأقدام.

 

الأيام التالية حملت القرار شيئًا فشيئًا إلى سطح الكلام. جلسا معه ذات مساء، طلبا منه أن يترك الدفتر، أن يجلس قبالتهما. الرجل يتجنب عينيه، والمرأة تحاول أن تبدو ثابتة.

قال رضا:

ـ أحيانًا… الكبار يخطئون في تقدير ما يستطيعون أن يحملوا.

لم يردّ يونس. ينتظر الجملة التالية.

ـ حياتنا… أنا ووالدتك (وتردد قليلاً) أقصد… زينب… تمرّ بمرحلة صعبة. ربما سنضطر إلى أن نفترق.

كلمة “نفترق” أوسع من أن تُفهم دفعة واحدة. التفت الطفل إلى وجه المرأة، وجد في عينيها دمعةً معلّقة وكلماتٍ مكبّلة.

سألتْه بنبرة لا تشبه نبرة الأمهات حين يخفين شيئًا:

ـ هل تعرف ماذا يعني الطلاق يا يونس؟

هز رأسه ببطء:

ـ يعني… ألا تعيشوا في بيت واحد؟

ـ تقريبًا.

ابتلع ريقه، ثم سأل السؤال الذي كان هو المهم بالنسبة إليه:

ـ وأنا… أين سأعيش؟

سقط السؤال بينهما مثل حجرٍ فاصل. نظر رضا إلى زينب، كأنه يحاول أن يدفع إليها الجواب. رفعت رأسها وقالت بهدوءٍ عنيد:

ـ ستعيش معي.

التفت رضا إليها بدهشة لم تُخفَ:

ـ بهذه البساطة..

قاطعته:

ـ لا تناقشني في هذا.

ثم نظرت إلى الطفل وأضافت:

ـ أنت ابني. لن أتركك.

الطفل، الذي انتُزع مرة من حضن أمه الأولى دون أن يُستشار، شعر لأول مرة أن هناك من يضع جسده في أول السطر، لا في هامش قرارٍ ماليّ أو إداريّ.

تعمّق الخلاف أكثر بعد هذه الجلسة. الرجل حاول، في الأيام التالية، أن يعيد النقاش إلى طاولة “العقل”:

ـ نحن نفترق لأننا لم نعد نستطيع أن نستمرّ معًا. ما ذنبك أن تربطي مصيره بعنادك؟

ـ عنادي هو الشيء الوحيد الذي يقف الآن بينه وبين الشارع.

ـ هناك حلول أخرى… يمكن أن نبحث عن…

نظرت إليه نظرة طويلة، ثم قالت بجملةٍ قطعت الطريق على كل “الحلول الأخرى”:

ـ لن أسلّمه لأحد. لا لأهله إن ظهروا فجأة يتذكرونه، ولا لمؤسسةٍ تقول إنها تعرف مصلحته أكثر مني، ولا لأي اتفاقٍ جديد يُكتب فوق توقيعٍ قديم في مستشفى بعيد.

في النهاية، لم يجد رضا مهربًا من القرار الذي صار واضحًا: الطلاق حلّ أخير لحياتهما المتصدعة، لكن ليس على حساب الطفل.

في ورقةٍ أخرى، ربما شبيهة بتلك التي وُقّعت يوم خروجه من المستشفى أول مرة، كُتبت هذه المرة كلمات قانونية عن انفصال زوجين. لم تُذكر فيها تفاصيل الديون، ولا عدد الليالي التي قضياها يتجادلان، ولا اسم الطفل كاملاً. لكنها حملت، بشكلٍ غير مباشر، أثر قرارٍ واحد مهم:

أن يونس، رغم كل هشاشة وضعه، لن يُعاد بيعه مرة أخرى تحت أي مسمى.

حين خرج رضا من البيت نهائيًّا في ذلك اليوم، لم يكن المشهد صاخبًا. لم تكن هناك صيحات، ولا كؤوس مكسورة، ولا أثاث مقلوب. حمل حقيبته، وقف عند الباب لحظة، التفت إلى الطفل وقال بصوتٍ مبحوح:

ـ اعتنِ بنفسك… يا يونس.

هزّ الطفل رأسه، لم يجد لغةً تناسب ما يشعر به: بين حزنٍ على رجل كان، رغم قسوته أحيانًا، سقفًا ما يحميه، وبين راحةٍ خفيّة لأن الباب لم يُفتح هذه المرة ليُسلَّم هو إلى يدٍ أخرى.

أُغلق الباب بهدوء. في الداخل، جلست المرأة على الكرسي، وضعت رأسها بين يديها، وبقي يونس واقفًا، ينظر إلى مكان الباب كمن ينتظر أن ينفتح مرة أخرى على صوتٍ آخر، على مصيرٍ آخر.

لم يكن يعرف أن هذا القرار، الذي ظنّ أنه يُثبّت حياته مع الأم بالتبنّي، لم يكن إلا خطوة أولى على طريقٍ أكثر تعقيدًا، وأن القدر، الذي أمهله قليلًا ليستريح، كان يتهيأ لفتح بابٍ جديد، أكثر إيلامًا، نحو فصل جديد من حكاية لم تهدأ منذ لدغة الأفعى الأولى.

نهاية الفصل الثاني

يتبع..