أمة تتوق إلى النهوض
يولد الخلل حين تنتصر المجاملة على الاستحقاق وحين يصبح المنصب مكافأة لا مسؤولية ومن هنا تتكون الظاهرة التي تشغل الرأي العام اليوم ظاهرة تراجع الكفاءة داخل مواقع القرار وما يرافقها من اتساع دائرة النفوذ غير المستند إلى خبرة أو إنجاز وحين تتكرر هذه الممارسات تتحول إلى ثقافة تعطل الطاقات وتربك المؤسسات فتضعف الثقة ويتراجع الأمل في مسار تنموي متين.
غياب الاستحقاق
لا يزدهر أي فضاء مهني إلا حين يكون معيار التقدم داخله مبنيا على الجهد والدراسة والتجربة وعندما يغيب هذا الشرط يظهر أشخاص في مواقع حساسة لا يملكون ما يلزم من خبرة أو تكوين النتيجة تكون قرارات مرتبكة ومسؤوليات تتولاها أسماء لا تمتلك الإلمام الكافي بملفات دقيقة هذا الخلل لا يصنع فقط تراجعا في الأداء بل يبعث برسالة سلبية إلى الكفاءات الجادة التي تقضي سنوات في التحصيل والبحث
أثر المجاملة على المشهد العام
المجاملة حين تتحول إلى قاعدة تخلق طبقة واسعة من المستفيدين على حساب أصحاب الكفاءة وتنتشر معها ممارسات تفتح الباب أمام العلاقات الخاصة بدل المعايير المهنية ومع الوقت تتراكم الأخطاء ويتوسع الشعور بأن الفرص لا تتوزع وفق العدالة فينتشر الإحباط ويزداد العزوف عن المشاركة في الشأن العام والأخطر أن هذا المسار يجعل المؤسسات تبدو عاجزة عن حماية نفسها من التدهور
التخصص شرط لا يمكن القفز عليه
مجالات الإدارة والبحث والتخطيط تحتاج إلى أشخاص تمرسوا في ميادينهم وملمين بخلفياتها العلمية والتخصص لا يعني امتلاك شهادة فحسب بل فهما عميقا لتحديات المجال وأدواته حين يغيب هذا الشرط تصبح القرارات أقرب إلى اجتهادات عابرة أو مواقف شخصية ما يفقدها القدرة على البناء المتين ويحولها إلى ردود أفعال لذلك لا يمكن تحقيق نهضة حقيقية دون دمج كل صاحب خبرة في موضعه الطبيعي
تأثير العلاقات الضيقة
العلاقات القائمة على المصالح الخاصة تنتج شبكات نفوذ قادرة على فرض اختياراتها داخل مواقع القرار ومع الوقت تتحول هذه الشبكات إلى قوة غير رسمية تضغط بصمت وتقصي كل من لا يدخل ضمن دائرتها حينها تتراجع أصوات النخب الجادة ويتقدم من يجيدون مداهنة أصحاب النفوذ هذا الواقع هو ما يغذي الفجوة بين المجتمع والمؤسسات ويعطي الانطباع بأن الامتيازات تمنح لمن يقترب لا لمن ينتج
الثقافة المهنية كعلاج
لا يمكن إصلاح هذا الخلل بقرارات معزولة بل بتكوين ثقافة مهنية يعتبر فيها المنصب تكليفا لا مكسبا ثقافة تقوم على الانضباط والاحترام والحرص على الإتقان وتقدير الوقت العام فحين يلتزم الموظف بواجبه ويقدم المسؤول المثال قبل التوجيه ويشعر المواطن بأن الإجراءات تسري على الجميع يتحول الإنصاف إلى قاعدة يومية لا استثناء ومع هذه الثقافة يصبح من الصعب صعود من لا يملك الكفاءة
الإصلاح المتدرج
التغيير الحقيقي يحتاج إلى تراكم حيث يتم تعزيز كل خطوة إصلاحية بأخرى أكبر فيتعزز الشعور بأن هناك مسارا واضحا نحو تجديد المؤسسات الإصلاح المتدرج أكثر واقعية لأنه يسمح بمراجعة الأخطاء وتعديل المسار دون اضطراب وحين يشعر الناس بأن التطوير يحدث بالفعل تتولد لديهم الثقة وتزداد مشاركتهم في دعم المشروع العام
استرجاع دور الكفاءات
عودة الكفاءات إلى قلب المؤسسات ليست ترفا بل ضرورة لضمان الاستقرار والتطور فالعقول المؤهلة قادرة على تحويل الطموح إلى خطط والموارد إلى مشاريع والأحلام إلى حقائق وغيابها يعني ضياع فرص لا تعوض ولذلك يبقى الرهان الأساسي هو توفير بيئة تستقطب الكفاءات وتحميها وتمنحها مساحة تنتج فيها وتقدم أفضل ما تملك.
الظاهرة إذن ليست مجرد أخطاء فردية بل منظومة تحتاج إلى مراجعة وإعادة ضبط والسؤال الذي ينبغي طرحه بجرأة كيف نبني مؤسسات تعطي لكل ذي خبرة مكانه وهل نملك القدرة على تحويل الإنصاف من مطلب إلى ممارسة يومية ثم هل نتحلى بالصبر الكافي لإرساء ثقافة مهنية تدعم كل خطوة نحو التغيير تلك أسئلة تبقى مفتوحة أمام مجتمع يتطلع إلى مستقبل أكثر صلابة وعدلا.