مما لا شك فيه، أن الإنتاج المنجمي المرتبط بالفوسفاط قد أعطى ميلاد مجموعة من التجمعات المنجمية بشكلها وبنيتها الحضرية من جهة، ووظائفها السوسيو اقتصادية من جهة أخرى، كما هو الحال بالنسبة لمدينة خريبكة خصوصا والإقليم عموما، الذي يعد حوضًا منجميًا مرتبطًا باستغلال الفوسفاط، وهو نشاط طبع بشكل عميق السيرورة التاريخية للمدينة والإقليم ككل.
وقد تفاقمت مشاكل الاندماج بشكل كبير خلال ثمانينيات القرن الماضي، وذلك بسبب صعوبات تسويق الفوسفاط وتزايد الاعتماد على المكننة في عملية الاستغلال. هذه الظروف دفعت السكان إلى البحث عن حلول أخرى، من بينها الهجرة إلى الخارج، وخاصة نحو بلدان جنوب أوروبا، وعلى وجه الخصوص إيطاليا.
لكن يبدو أن الازدواجية بين النشاط المنجمي والهجرة، ولا سيما الهجرة الدولية، لن تكون قادرة على خلق التنمية داخل كامل إقليم خريبكة، في هذا الإطار، تؤكد التطورات الديموغرافية أن سكان إقليم خريبكة سيزدادون من 518.610 ألف نسمة سنة 2024 (حسب المندوبية السامية للتخطيط HCP)، وإلى632 ألف نسمة سنة 2030، وإلى ما يقارب675 ألف نسمة سنة 2040 (حسب مركز الدراسات والأبحاث الديموغرافية. (CERED
في هذا الصدد، يجب التفكير في خلق فرص تنموية قادرة على تعزيز الجاذبية الاقتصادية، والدينامية الحضرية، والاندماج الاجتماعي، وذلك بالاستفادة من قرب الإقليم من أهم المناطق الاقتصادية والديموغرافية الوطنية (الدار البيضاء، بني ملال، ومراكش). كما ينبغي دعم هذه الفرص عن طريق خلق أقطاب بين-جماعية (ترابية كبرى) متجانسة ومتكاملة.
- قطب الإدارة والمواكبة المؤسساتية والإنتاج:
يضم هذا القطب مدينة خريبكة ومجموعة من المراكز الحضرية والقروية ضمن مجال تأثيرها، وهي: بوجنيبة، بولنوار، حطان، أولاد عبدون وبني يخلف. ويهدف هذا القطب، أولاً، إلى تعزيز مكانة مدينة خريبكة باعتبارها عاصمة الإقليم، وثانياً، إلى إحداث قطب صناعي مرتبط بالحوض المنجمي للمنطقة ومحيط تأثيرها. كما يروم إعادة تشكيل المجال الترابي لخريبكة من خلال إحداث مركز أو متحف لسياحة الحفريات (Tourisme paléontologique) أو السياحة العلمية، بما يشكّل قيمة مضافة للتجربة السياحية بالمنطقة.
- القطب الحضري والمنصة اللوجستيكية:
يضم هذا القطب مدينة وادي زم ومجال نفوذها، ولا سيما الجماعة الترابية أولاد فنان، مع توسيع نطاقه ليشمل جماعة آيت عمار فيما يتعلق بالمواد المعدنية مثل الحديد. ويهدف هذا القطب إلى إعداد وتأهيل مجال حضري حديث يرتكز على أنشطة لوجستيكية وصناعية متخصصة في منتجات الاستخراج ومواد البناء، بما في ذلك الرخام والحجر والحديد، بما يعزز الوظيفة الاقتصادية للمنطقة ويُرسّخ دورها كمنصة صناعية ولوجستيكية متكاملة.
- قطب السياحة الثقافية والبيئية المستدامة:
يتكون هذا القطب من أراضٍ تشمل مدينة أبي الجعد والجماعات المجاورة لها، خارج نطاق الحوض المنجمي. ويكتسي هذا القطب أهمية خاصة في تعزيز الجاذبية السياحية للعرض الثقافي في المنطقة، نظراً لما تمتلكه من رأس مال تراثي تاريخي (المدينة القديمة)، ورأس مال روحي (موسم سيدي بوعبيد الشرقي)، إضافة إلى إمكانيات سياحية بيئية مستندة إلى الفرص الطبيعية والجغرافية المتوفرة في المناطق المجاورة، مثل جماعة بني زرنتل وعدد من الجماعات القروية الأخرى، بما يسهم في تنمية سياحة مستدامة ومتنوعة.
- قطب مجالات الفلاحة السياحية والمتعددة الوظائف:
يشمل هذا القطب أراضٍ مثل جماعتي الجناديز وعين قيشر، المخصصة للفلاحة السياحية، التي تُعرف بأنها نشاط سياحي مكمل يدمج بين الفلاحة والسياحة، ويهدف إلى جذب الزوار إلى المزارع لتوفير تجارب ترفيهية وتعليمية، مثل الزيارات الميدانية أو الإقامة التي تشمل تقديم الخدمات الغذائية والإيواء، إضافة إلى ترويج وبيع المنتجات ذات الخصوصية المحلية. كما يضم هذا القطب أيضا مجالات أخرى ترتبط بالمراكز الصاعدة مثل جماعات: أولاد بوغادي – أولاد فتاتة / البراكسة – أولاد عيسى، والتي تلعب دوراً في تنمية وتطوير باقي المجالات المجاورة، بما يسهم في تعزيز الوظائف الاقتصادية والاجتماعية المتعددة لهذه المناطق.
يبدو أيضا، من خلال المداخلات التي عبر عنها مجموعة من الفاعلين بمختلف توجهاتهم وتخصصاتهم، أن الوقت قد حان لاعتماد نموذج للتعاون بين الجماعات الترابية (Intercommunalité) كألية وجيهة للتضامن وإنجاز المشاريع مع الانفتاح على تقاسم خدمات أخرى بدل الاقتصار على خدمة تدبير النفايات في العديد من الأقاليم الترابية، وذلك بالاستناد على مبدأ الاستتراب (Territorialisation) الذي يتيح للفاعلين أن يكونوا أكثر فعالية ويعملوا ضمن نظام بناء، بهدف، خلق مشاريع تنموية من جهة، وكذا تيسير تنسيقها وتمفصلاتها فيما بينهم من جهة أخرى. ولتحقيق هذه الأهداف، يجب أن يلتزم مسار التعاون بين الجماعات الترابية بعدة مبادئ إجرائية:
- تنسيق برامج التنمية (الجماعية/PAC، الإقليمية PDP/ والجهويةPDR/) لتوجيه المشاريع الترابية المندمجة بطريقة وجيهة وفعالة؛
- تعزيز نظام الفاعلين بالاعتماد على مستوى الاستتراب، بما يمكنهم من بناء مناطق ترابية محلية عبر عملية استتراب إيجابية (Reterritorialisation)، حيث يصبح الفاعلون بمثابة فاعلين إيجابيين قادرين على إقامة علاقات تواصل وتشبيك بين مجالات كانت غير متصلة سابقاً؛
- الاستفادة من التجارب الدولية، على غرار ألمانيا، وفرنسا، وكذا إسبانيا، من خلال ترشيد البنيات عبر عمليات التجميع وإعادة تشكيل المجالات الترابية، والاستفادة من التجارب الوطنية، مثل تجربة تجمع الجماعات الترابية “الوردة” في إقليم دادس-مكون (إقليم تنغير)، وهو ما سيكون له أثر مباشر على توجيه المشاريع الترابية المندمجة بشكل خاص وعلى البنية الترابية بشكل عام؛
- تعزيز ومأسسة قيم مشاركة ليس فقط المجتمع المدني بل كل مجالات التعبئة الاجتماعية والاقتصادية القادرة على المشاركة في الفعل التنموي، وابراز خبراتها ومهاراتها في انجاز البرامج والمشاريع داخل مجالاتها الترابية.
إن تبني خطاب تنموي جديد يتطلب إخراج المجالات الترابية من نمط المشاريع والبرامج الكلاسيكية التي تنظر إلى التنمية على أنها مجرد عملية تقنية، إلى تبني مشاريع وبرامج تمنح هذه المجالات الترابية بعدًا حرفيًا ومهنيًا. ويبدأ ذلك بتشخيص الإمكانيات الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، إضافة إلى تحديد الحاجيات والموارد والنفقات التقديرية لإنجاز برامج ومشاريع مندمجة وأكثر التقائية، الشيء الذي تستوجب تضافر جهود كل الفاعلين، الذين يؤمّنون لهذه المجالات الترابية طرقا وأساليب علمية لإنتاج واستعمال التقنيات والمعارف، مما يمنحها قدرات وفرصًا تنموية داخل مؤسساتها وبنيتها الترابية.