وجهة نظر

حول كتاب “دراسات في التصوف” لإحسان إلهي ظهير

يشكّل كتاب “دراسات في التصوف” للعلامة إحسان إلهي ظهير – رحمه الله – أحد أهم الأعمال النقدية التي تناولت الظاهرة الصوفية بعمق تاريخي وعقدي، وبصرامة علمية نادرة، وبنَفَس سلفي شديد الوضوح. 

يأتي الكتاب في جوهره محاولة جادة لتفكيك البنية الفكرية للتصوف في مراحله المختلفة، والتمييز بين الزهد الشرعي الذي عرفه الصحابة والتابعون، وبين التصوف المبتدع الذي تسرّبت إليه مفاهيم دخيلة من الفلسفة اليونانية، والديانات الشرقية، والمجاذيب الروحية التي أفسدت الفهم الصحيح للدين .. وتظهر أهميته اليوم في واقع تزداد فيه الضبابية عند كثيرين، حيث يُخلط بين التزكية الشرعية  والسلوك الروحي المشروع، وبين طقوس غريبة  لا صلة لها بالإسلام، وتُنسب إليه ظلمًا وعدوانا باسم “التجربة الروحية”. لهذا جاء الكتاب كصرخة تنبيه، وإعادة ضبط للبوصلة الفكرية، وتذكير بأن التوحيد ليس وجهة نظر، وبأن طريق النبي ﷺ ليس بدعة قابلة للتغيير، إنما هو منهج كامل لا يقبل الإضافة ولا الاستبدال.

من خلال قراءة دقيقة لصفحات الكتاب، نكتشف عالماً من الانحرافات التي بدأت بخطوات صغيرة ثم انتهت بفلسفات خطيرة كـ”وحدة الوجود” و”الحلول والاتحاد” و”الفناء” و”سقوط التكاليف”، لنصل إلى الشكل المعاصر للطرق الصوفية التي اتخذت الرقص طقساً، والشيخ إلهاً مصغراً، والوحي إلهاماً خاصاً. من هنا تنبع قيمة هذا المقال .. عرض أفكار الكتاب في محاور كبرى، بلغة سلسة، وعميقة، ومبسّطة، تصلح للقارئ المتخصص وللقارئ العادي الذي لا يريد أن يغرق في كتلة المصطلحات الصوفية.

التصوف بين الزهد الشرعي والانحراف الدخيل

يُفرد إحسان إلهي ظهير مساحة واسعة لتبيان الفرق الجوهري بين “الزهد” الذي دعا إليه الإسلام، و”التصوف” الذي برز لاحقاً كمنهج مستقل. فالزهد عند السلف كان امتثالاً للنبي ﷺ في بساطة العيش، والإعراض عن فضول الدنيا، وتزكية النفس بالعبادة والورع، دون إحداث طرق خاصة أو رموز أو مصطلحات خارجة عن النص. أما التصوف فقد بدأ ـ كما يؤكد المؤلف ـ من لحظة انفصال صغيرة، حين بدأ بعض العُبّاد يشعرون بأن لهم “نوعاً من الخصوصية الروحية”، فاختاروا لبس الصوف، والانعزال عن المجتمع، وإطلاق العبارات الغامضة التي أضفت على سلوكهم شيئاً من الهيبة. هذه البذرة الصغيرة تطوّرت لاحقاً لترسم طريقاً موازياً للدين، حتى أصبح بعضهم يعتقد بأن قربه من الله يجيز له ما لا يجوز لغيره، وأن تجربته الروحية يمكن أن تعلو فوق ظاهر الشريعة.

ويتتبّع المؤلف جذور التأثيرات الدخيلة التي دفعت التصوف نحو الانحراف .. فالفلسفة الهندوسية كانت أول من نادى بالفناء وذوبان النفس في المطلق، والفلسفة الأفلاطونية المحدثة تبنّت فكرة الفيض والتجلّي، والديانات الشرقية تحدّثت عن الكمال الروحي والاتحاد، وهي أفكار أخذها غلاة الصوفية وأضافوا إليها ألفاظاً إسلامية حتى صارت وكأنها من الدين. وفي هذا يكمن الخطر .. أن يُعطى الانحراف ثوبَ القداسة، وأن يُبرّر باسم “الباطن” و”الذوق” و”الإشراق”.

ويبيّن إحسان إلهي ظهير أن الإسلام بريء من كل هذا، وأن الطريق واحد هو كتاب الله وسنة نبيه. فلا موسيقى روحية، ولا رقص تعبّدي، ولا أوراد مبتدعة، ولا عبارات غامضة يتوه فيها العابد عن ربه. فالتصوف حين خرج عن الزهد النبوي أصبح خليطاً من معتقدات فلسفية، وتجارب نفسية، وأهواء بشرية، وهذا ما يشرحه بتفصيل يُسقط كل التجميل الذي يضل به الغلاة أتباعهم. ولعل أبرز ما يهم القارئ هنا أن المؤلف لا يهاجم “الروحانية” نفسها، ولكن يهاجم “تديين الروحانية” وتحويلها إلى بديل عن الوحي. هذه النقطة هي الحاسمة التي يضعها الكتاب أمام كل باحث عن الحق.

تطور التصوف إلى انحرافات عقدية خطيرة

يتناول المؤلف المرحلة التي يعتبرها نقطة التحوّل الأخطر في تاريخ التصوف، وهي حين انتقل من زهد وسلوكيات فردية إلى أفكار عقدية تهدد أصل التوحيد نفسه. تبدأ هذه المرحلة مع ظهور مصطلحات مثل “الفناء”، “الاتحاد”، “الحلول” .. وهي كلمات لم يعرفها الإسلام الأول، ولا وردت على ألسنة الصحابة أو الأئمة المتقدمين. ومع الحلاج ـ الذي قال “أنا الحق” ـ يصبح الانحراف أكثر علانية، حيث يدّعي بعضهم أنه بلغ من القرب ما يسمح له بالتكلّم بلسان الرب، وكأن التوحيد أصبح ملكاً شخصياً.

ويكشف إحسان إلهي ظهير أن غلاة الصوفية تجاوزوا حدود الانحراف التعبّدي إلى انحراف فكري يجعل العبد رباً والرب عبداً في لحظة “ذوق” أو “فناء”. وترتفع خطورة الأمر عندما تكتمل صورة “وحدة الوجود” عند ابن عربي، الذي يرى أن الحقيقة المطلقة واحدة، وأن كل ما في الكون هو تجلٍّ للحق، فعنده كل شيء واحد فلا خالق ولا مخلوق. هذه النظرية، كما يوضح المؤلف هي هدم كامل للتمييز بين الخالق والمخلوق، وهو أساس كل عقيدة إسلامية.

ويورد الكتاب نصوصاً صريحة من كتب ابن عربي، والسهروردي، والجيلي، وابن سبعين، تثبت أن ما يقولونه لا يحتمل التأويل ولا التفسير الحسن. هي أفكار تصادم صريح القرآن، وتنسف التوحيد من جذوره، وتجعل وجود الله مندغماً في وجود المخلوقات، ثم تُقدّم للناس بلباس العرفان والحكمة.

ومن أخطر ما يذكره المؤلف أن بعضهم قال بسقوط التكاليف، وأن الولي إذا بلغ “المقام الأعلى” لم يعد مطالباً بالصلاة والصوم، لأن عبادته أصبحت باطنية. وهنا يصل الانحراف إلى نهايته: دين بلا شريعة، وروحانية بلا كتاب، وقرب من الله بلا طاعة.

ويرى المؤلف أن هذا الانزلاق لم يحدث فجأة، فقد كان نتيجة الغلو في الأشخاص، ورفع الشيوخ فوق الشرع، والخلط بين التجربة النفسية والوحي الإلهي. وهذه خلاصة ذكية لفهم كيف تتشكل البدع الكبرى .. خطوة صغيرة في البداية، ثم انحراف كبير في النهاية.

نقد أعلام التصوف الفلسفي وفضح نصوصهم

يُقدّم إحسان إلهي ظهير تحليلاً دقيقاً لشخصيات بارزة في تاريخ التصوف الفلسفي، أبرزهم الحلاج، وابن عربي، والسهروردي، والجيلي وابن سبعين، موضحاً كيف أدت أفكارهم إلى انحراف عقدي وخطر على التوحيد. ولا يكتفي المؤلف بذكر هذه الشخصيات، فهو يعرض نصوصهم حرفياً، دون تحريف أو تأويل، ليكشف للقراء مدى بعدهم عن القرآن والسنة.

يبدأ بالحلاج الذي قال: “أنا الحق”، وهو تعبير عن عقيدة راسخة في الاتحاد بين العبد والرب، ما جعله مستهدفاً بالخروج على النصوص الشرعية. ثم ينتقل إلى السهروردي، صاحب “الحكمة الإشراقية”، الذي مزج بين الفلسفة الهرمسية والأفلاطونية، فارتكز على الهرمسية (Hermétisme) كمفتاح لفهم الكون والروح. والهرمسية، كما يوضح المؤلف، هي تعاليم فلسفية وروحية غامضة منسوبة إلى هرمس الطرقي، تهدف إلى فهم العلاقة بين الإنسان والكون والخالق عبر رموز وفرضيات عن الفيض والتجلي، وهي بذلك تشكل أرضية لتبرير مفاهيم مثل وحدة الوجود والفناء التي أدخلها الغلاة على التصوف، بعيداً عن التوحيد الصحيح.

أما ابن عربي، فهو عند المؤلف “قمة الانحراف العقدي”، إذ نظّر إلى “وحدة الوجود” بوضوح، وكتب نصوصاً صريحة في “فصوص الحكم” و”الفتوحات”، مثل اعتباره أن فرعون آمن عند الغرق، أو أن الوجود كله تجلٍّ للحق، ما يناقض القرآن الذي نص على كفر فرعون وعقابه في الدنيا والآخرة، قال تعالى في سورة غافر الآية 46: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. ويبين المؤلف أن هذه النصوص لم تُنقل عن الصالحين؛ لأنها أُلبست غلافاً فلسفياً يضلّ أتباعهم.

كما يُبرز الكاتب “الجيلي”  في كتابه “الإنسان الكامل”، الذي أعطى للولي صفات تدبيرية وشبه إلهية، بحيث أصبح الولي قادراً على التدخل في الكون، وهو ما تبنته الطرق الصوفية المعاصرة في مفاهيم “القطب” و”الغوث”. كل هذا يعكس كيف أن الغلو الصوفي هو مشروع فكري كامل مبني على مزج الفلسفات الأجنبية مع الرمزية الإسلامية، بما في ذلك عناصر الهرمسية، لتقديم بديل عن الوحي.

ويؤكد إحسان إلهي ظهير أن نقده لا يعني رفض الروحانية نفسها، ولكن ما يرفضه هو تحويل الروحانية إلى بديل عن النص الشرعي. فالهدف هو توضيح أن الطريق إلى الله ليس عبر رموز غامضة أو فلسفات غريبة، وإنما الطريق إلى الله يكون عبر الكتاب والسنة، وأن أي تجاوز لذلك يؤدي إلى ضلالات خطيرة تصطدم بعقيدة التوحيد.

في الختام .. يخلص كتاب “دراسات في التصوف” إلى أن الغلو الصوفي كان مشروعاً فكرياً كاملاً التقى فيه التأثر بالفلسفات الأجنبية مع ضعف العلم الشرعي، فنتج عنه مذهب يهدم التوحيد من جذوره، ويجعل الشيوخ فوق الشريعة، ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويذيب المسافة بين الخالق والمخلوق.

ويؤكد إحسان إلهي ظهير أن المنهج النبوي هو الحَكَم، وأن الزهد المشروع هو زهد الصحابة والتابعين، وأن التزكية الحقيقية لا تحتاج إلى رقص ولا إلى طرق ولا إلى أذكار مبتدعة، ولا إلى شيخ يتحكم في الكون أو يُرفع فوق البشر. فالهدي النبوي واضح، وبسيط، ومتين، ولا يعرف الغموض ولا الشطحات، ولا يفتح الباب للعبث بالمعاني.

إن نقد غلاة الصوفية ليس حرباً على الروحانية، إنما هو دفاع عن صفاء التوحيد، وحماية للأمة من مداخل الفلسفات التي تتسلل باسم الدين. فالطريق إلى الله واحد وهو واضح جلي في اتباع نهج محمد ﷺ. وأي طريق غيره فهو ـ مهما تزيّن ـ ليس نوراً بل سراباً يؤدي إلى مهالك الظلمات.