لا أحد يجادل أن الشبكات الاجتماعية تعتبر ساحات عامة عالمية للتواصل و للتفاعل بفضل هامش عريض من حرية التعبير، لكنها في حقيقة الأمر تخفي نموذجًا اقتصاديًا يعطي الأولوية لـالتفاعل المُولَّد عن الصراع والغموض على حساب الحقيقة والتحضر الفكري. وتعتبر مسألة عدم وضوح أصل الحسابات ومدى صحتها ليست مجرد قضية أمنية، بل هي جزء أساسي من “الإستراتيجية الشيطانية” للخوارزميات.
الغموض كأداة لتحقيق الأرباح
يُعد الغموض وعدم التتبع المنهجي للحسابات هو قلب المشكلة. عندما تكشف منصات مثل X (تويتر سابقًا) أحيانًا عن مصادر حملات التضليل أو شبكات التحريض و تأجيج الأوضاع الإجتماعية والسياسية، فإنها أنعشت مصداقيتها مؤقتًا لكي تعود كمثيلاتها إلى إخفاء مواطن الحسابات. و هنا نتساءل: لماذا لا تعتمد خواريزميات هذه المنصات الإجتماعية على فسح المجال للتحقق من المواقع الجغرافية، لا سيما بشأن هويات الملفات الشخصية المؤثرة، كخيار للشفافية وًالمصداقية لهذه المنصات؟
تكمن الإجابة في الخوارزمية: فالغموض يسهّل وجود هويات مُتلاعب بها ونشر المعلومات دون عواقب مباشرة على المرسل. هذا العتامة تخلق بيئة مثالية للهجمات السيبرانية والخلافات عبر الإنترنت. والأهم من ذلك، أن هذه التفاعلات السلبية، المشحونة بالعاطفة والجدل، تولد معدل تفاعل (Engagement) أعلى بكثير من التبادلات الهادئة أو القائمة على الحقائق.
الحلقة المفرغة للتوتر الخوارزمي
يتجلى “الوجه الشيطاني” للنظام في حقيقة أن الخوارزمية لم تُصمَّم لتعزيز الحقيقة أو الرفاهية، بل هي مصممة لـزيادة الوقت الذي يقضيه المستخدم على المنصة. والوسيلة الأكثر فعالية لذلك هي تقديم محتوى يثير رد فعل غريزيًا، سلبيًا في الغالب.
تضمن الخلافات الساخنة والصراعات الشخصية، التي غالبًا ما تُضخَّم أو تبدأ من قبل حسابات غير موثوقة، تدفقًا مستمرًا للنقرات والمشاركات والتعليقات. كل مستخدم يشارك في هذا “الدراما” يساهم في دوامة من النشاط المحموم، مما يؤدي إلى:
1. المزيد من المشاركين: يجذب الجدل المزيد من المشاهدين والمتفاعلين.
2. المزيد من الوقت المُقضى: قراءة سلاسل التعليقات والعودة للتحقق من الردود يزيد من مدة استخدام التطبيق.
3. المزيد من البيانات: التفاعلات العاطفية المكثفة توفر إشارات دقيقة لتحديد ملامح المستخدمين بشكل أفضل.
الترويج التجاري هو الهدف الأسمى
إن الهدف الأخير من زيادة التفاعل وإطالة وقت البقاء على المنصة ليس التفاعل بحد ذاته، بل تحقيق الهدف المالي الأقصى: ترويج الإعلانات التجارية. كل دقيقة إضافية على الشاشة هي فرصة لضخ المزيد من الإعلانات.
تعمل الخوارزميات التي تفضل الغموض والتوتر على خلق البيئة المثالية للتسويق، حيث تنتج:
• زيادة في مرات ظهور الإعلانات: فالمحتوى الكثير يعني إعلانات أكثر مشاهدة.
• استهداف إعلاني مُحسَّن: البيانات المجمعة من التفاعلات العاطفية العميقة تُعد ذات قيمة كبيرة للمعلنين.
وبالتالي، فإن غموض الحسابات وتشجيع الخلافات ليست عيوبًا بل هي “ميزات” تعمل على تحسين النموذج الاقتصادي القائم على الإعلانات.
الخلاصة
يبدو أن تردد المنصات الكبرى في تطبيق التحقق الصارم للحسابات هو قرار استراتيجي معقد لأن التحقق الصارم قد يزيد المصداقية، إلا أنه قد يقلل من حجم المحتوى المثير للجدل، ومن ثم يقلل من التفاعل المحموم والإيرادات الإعلانية الناتجة عنه؛ فالمصداقية مُكلفة.