إن المتأمل في تطور مسار الجهوية المتقدمة بالمغرب منذ تنصيب اللجنة الإستشارية للجهوية المتقدمة ، ومرورا بالخطب الملكية السامية، باعتبارها المرجعية الأساسية لورش الجهوية المتقدمة بالمغرب، يمكن أن يلاحظ أن هناك تخبط وعدم وضوح للنموذج الذي نريده بالرغم من أن الملك محمد السادس رسم خطوطه العريضة في خطاباته السامية، إن أعضاء اللجنة الاستشارية للجهوية تم تعيينهم من طرف الملك، والمفترض فيهم أنهم على دراية كبيرة بالرؤية الملكية بخصوص الجهوية التي يريدها جلالته، بالإضافة الى أن مسألة تعيين هذه اللجنة ومنحها الثقة من خلال خطاب ملكي لها خلفيتها وحمولتها، وخصوصا أن الملك أثنى عليهم بقوله “فقد راعينا في أعضاء هذه اللجنة، غيرتهم الوطنية على المصلحة العامة، وتنوع مشاربهم، وتكامل اختصاصاتهم، وخبرتهم الواسعة بالشأن العام، وبالخصوصيات المحلية لبلدهم”.
لكن التصور الأخير الذي وضعته اللجنة لم يتم تنزيله بالكامل في محطة 2015 ، وهنا يكمن الغموض وعدم الوضوح، فالمشرع المغربي عندما أصدر القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، كان من المنتظر أن تتضمن هذه الأخيرة مختلف الإجراءات والمخرجات والتصورات التي أنت بها اللجنة الملكية المكلفة بإعداد التصور الملكي حول الجهوية المتقدمة، لكن النصوص التنظيمية قلصت من أفق الإنتظارات واعتمدت مبدأ التدرج في توزيع الاختصاصات بين الدولة والجماعات الترابية، بينما كان منتظرا منها أن تبلور قوانين تمنح للجهات اختصاصات موسعة وإمكانيات جد مهمة لتواكب انتظارات الرؤية الملكية للجهوية المتقدمة، وذلك اعتمادا على فلسفة اجتهاد النخب المحلية في إيجاد الحلول الملائمة لكل منطقة حسب خصوصيتها ومواردها وفرص الشغل التي يمكن أن توفرها والصعوبات التنموية التي تواجهها.
وهنا نتسائل لماذا لايزال البطئ في تنفيد وتثبيت مرتكزات الجهوية المتقدمة إلى حد الآن، والملاحظ أن الرؤية توضحت الآن حول أي شكل من أشكال الجهوية التي نريد والملاحظ في مسار إقرارها هو التدرج وكأننا في تمرين ديمقراطي ذي بعد استراتيجي.
لا يمكن الحديث عن مسألة الجهوية المتقدمة بالمغرب دون استحضار الأقاليم الجنوبية للمملكة والعلاقة بينهما، فالمغرب اقترح نظام الحكم الذاتي بالنسبة للأقاليم الصحراوية، فإذا فرضنا جدلا في المستقبل القريب أن مشكل الصحراء المغربية قد تمت حلحلته، فقد نجد أنفسنا أمام ازدواجية تشكل حالة استثنائية، بحيث ستكون الأقاليم الجنوبية تتمتع بالحكم الذاتي، وباقي جهات المملكة تنتظم وفق مقاربة الجهوية المتقدمة، وشتان بين النظامين، فالحكم الذاتي تحتوي بموجبه الأقاليم الجنوبية على هيئات تشريعية، وتنفيذية، وقضائية، أي حكم نفسها بنفسها. أما نظام الجهوية المتقدمة فيكمن في منح الجهات صلاحيات موسعة لتدبير الشأن العام المحلي مع تداخلات وتقاطعات بينها وبين المركز، وهنا يتم خلق ارتباك واضح لدى المتتبعين لورش الجهوية المتقدمة بالمغرب.
ومن خلال ما سبق نسنتنج أن مسار وضع أسس ومرتكزات الجهوية المتقدمة بالمغرب له أبعاد استراتيجية سياسية بالدرجة الأولى، ومسألة التدرج البطيء في وضعها يحيلنا على معطى هام ويتجلى في أن المغرب يراهن على أن لحظة حلحلة قضية الصحراء المغربية ومنحها الحكم الذاتي، ستكون في المقابل جهات المملكة قد راكمت خبرة كبيرة واستأنست بما فيه الكفاية من ورش الجهوية المتقدمة بالإضافة إلى توفر النخب المحلية على النضج الكافي لمنحهم الحكم الذاتي، وللتأكيد على هذا الطرح سنعود إلى تصور الملك الراحل الحسن الثاني حول مشروع الجهوية المتقدمة والذي قال ” إن المغرب بمثابة فسيفساء بشرية وجغرافية، ولهذا الغرض أريد تحقيق اللامركزية لترك يوما الجهات تتمتع باستقلالية كبيرة على شاكلة المقاطعات الألمانية اللاندر، وذلك سيكون بالتأكيد في مصلحة المغرب، بحيث يكون التنفيذ أسرع والتطور أكثر واقعية. ثم أكد على نفس التصور في مناسبة أخرى عندما قال ” إني آمل أن أترك الخلفي مغربا مبنيا على شاكلة المقاطعات الألمانية المسمى اللاندر، لأن بلدي له من التنوع ما يجعلني لا أرغب في أن أضعف قوته”.
من خلال تصريحات الملك الراحل الحسن الثاني، يتضح أن سقف طموحاته اتجاه ورش الجهوية بالمغرب يتعدى حدود الجهوية التقليدية القائمة على توزيع الإختصاصات والإرتباط الوثيق بالمركز، بل أراد جهات تتمتع بالحكم الذاتي وذلك وفق الوحدة الترابية للملكة المغربية، وتحت سيادتها، وأشار بصريح العبارة إلى نظام المقاطعات أو الولايات الألمانية كنموذج يطمح باستنساخه في التجربة الجهوية المغربية، لكن بخصوصية مغربية تستجيب لتنوع العنصر البشري والجغرافي بالمغرب.