في زمن تتصاعد فيه موجات الاحتقان الديني، ويتسابق الخطاب المتطرف إلى صناعة الكراهية، تبرز الحاجة الملحّة لإعادة قراءة العلاقة بين الإسلام والمسيحية بعيون جديدة، قراءة تتجاوز تراكمات التاريخ وصراعات السياسة، وتستعيد البعد الإنساني والروحي العميق الذي يجمع أتباع الديانتين في أصل الرسالة والغاية. فالإسلام، الذي جاء رحمة للعالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، لم يقدّم نفسه يوماً بديلاً عن الآخرين ولا خصماً لهم، بل قدم تصوراً كونيّاً للتعارف والتعاون، تجسده هذه الآية الجامعة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13). وكذلك المسيحية، التي حملت في جوهرها رسالة المحبة، قدّمت تصوراً إنسانياً للعلاقة بين البشر، يجعل من الكرامة الإنسانية أساساً لكل تعامل.
هنا يصبح السؤال ملحّاً: كيف يمكن للإسلام والمسيحية أن ينتقلا من مجرد الاعتراف المتبادل إلى بناء فقه معاصر للتعايش، فقه يتجاوز النصوص الجزئية إلى روح المقاصد الكبرى، ويستحضر واقع الإنسان الحديث بكل تعقيداته؟ إن الفقه التقليدي، رغم ثرائه، تشكل في سياقات تاريخية كانت فيها العلاقات بين الأديان محكومة بموازين القوة السياسية والإقليمية. أما اليوم، فالعالم يعيش تشابكاً حضارياً غير مسبوق، وتجاوراً إنسانياً يجعل من إعادة صياغة المنظور الفقهي ضرورة وليست مجرد خيار فكري.
يبدأ هذا الفقه الجديد بالاعتراف بأن الإنسان هو مركز المقاصد، وأن الكليات الشرعية الخمس—حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال—هي قيم مشتركة بين الإسلام والمسيحية، وليست حكراً على أمة دون أخرى. ويؤكد القرآن هذا المبدأ بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70). بل إن حماية هذه القيم اليوم لا تتحقق إلا من خلال تعاون أتباع الديانتين في مواجهة خطاب الكراهية وصدام الهويات وإساءة توظيف النصوص المقدسة. ولأجل ذلك قال النبي الكريم ﷺ: “لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبّ لنفسه”، وهو مبدأ أخلاقي يفتح أفقاً واسعاً للتعايش الإنساني.
كما أن المقصد الأكبر للشريعة، وهو تحقيق العدل، لا يمكن أن يُفهم إلا في سياق يعترف بحقوق المواطنة الكاملة لجميع أبناء الوطن، وبمبدأ الكرامة الإنسانية غير القابلة للتجزئة، انسجاماً مع قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90).
التاريخ نفسه، رغم ما فيه من صراعات، يقدم نماذج مضيئة لهذا التعايش؛ من وثيقة المدينة التي نظّمت العيش المشترك بين المسلمين وأهل الكتاب، إلى التجربة الأندلسية، وصولاً إلى إعلان مراكش التاريخي لحقوق الأقليات الدينية سنة 2016 الذي جاء في سياق ذكرى مرور ما يزيد على ألف وأربعمائة (1400) سنة على صدور “صحيفة المدينة”. ولعل روح هذه الوثيقة تتجلى في قول الله تعالى: ﴿ لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ (الممتحنة: 8)، حيث يجتمع البرّ والعدل في إطار التعايش السلمي. وقد تعزز هذا التوجه باستقبال المغرب للقاءات حوار الأديان، واستقباله البابا فرنسيس سنة 2019، في حدث جسّد البعد الإنساني والإيماني العميق للعلاقة بين المسلمين والمسيحيين في المملكة المغربية. هذه التجربة المغربية ليست مجرد سياسة رسمية، بل هي امتداد لروح الإسلام في هذا البلد، الذي عرف دائماً بتعايش المسلمين واليهود والمسيحيين وجاليات متعددة الهويات. وهي بذلك تقدم نموذجاً عملياً لإمكانية بناء فقه اسلامي معاصر للتعايش الإنساني، لا يكتفي بالخطاب النظري، بل يقدّم مؤسسات وإجراءات وواقعاً ملموساً يؤكّد أن التعايش ليس شعاراً بل ممارسة يومية.
وهذه النماذج التاريخية ليست مجرد ذكريات، بل هي مادة فقهية يمكن استدعاؤها لإعادة بناء رؤية معاصرة أكثر انفتاحاً وإنسانية. علما أن فقه التعايش لا يعني التنازل عن العقيدة أو ذوبان الخصوصيات، وإنما يعني الانتقال من منطق الهوية المغلقة إلى منطق المشترك الإنساني. يعني أن يرى كل طرف الآخر لا كتهديد، بل كشريك في بناء سلامٍ اجتماعي، وثقافة احترام، ومجتمع يضمن حرية المعتقد كما يضمن حرية الكلمة وحقوق الإنسان. وقد لخّص النبي ﷺ هذا المبدأ بقوله: “المسلم من سلم الناس من لسانه ويده”، مما يدل على عالمية الخطاب.
بهذا المعنى، يصبح المطلوب اليوم ليس مجرد خطاب مجاملة أو دعوات شكلية للحوار، بل تأسيس منهج فقهي جديد يستوعب رهانات العصر، يعترف بالتعدد، ويجعل من الرحمة والعدل أساسين لتنظيم العلاقة بين المسلمين والمسيحيين. منهج يُعيد إدماج القيم الروحية في الفضاء العام، ويواجه استغلال الدين لأغراض سياسية، ويضع الإنسان—بكل أبعاده العقلية والروحية—في صلب المشروع الحضاري، اقتداءً بقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ (آل عمران: 159).
إن الإسلام والمسيحية معاً قادران على صياغة رؤية أخلاقية كبرى للعالم، رؤية تقوم على حماية الضعفاء، ونبذ العنف، وتنمية ثقافة السلم، وصناعة فضاء إنساني يتسع للجميع. وبناء هذا الفقه المعاصر ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة إنسانية وحضارية، ومسؤولية أخلاقية مشتركة تجاه مستقبل البشرية، بما ينسجم مع قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: 2)، وهو نداء موجّه للبشر أجمعين.