منتدى العمق

رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الـ14)

“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.

الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.

الفصل الرابع:

قرية تعيش غيابًا معلّقًا..

بعد رحيل أمناي، لم تعد القرية كما كانت، حتى وإن ظلّت البيوت في أماكنها والجدول يقفز على الحصى كما عهدوه. كان الغياب هذه المرة مختلفاً؛ ليس غيابَ ميتٍ تُرى جثته وتُهال عليه حفنة التراب الأولى، ولا غيابَ مسافرٍ تُحصى له السنوات في رزنامة الحنين. كان غياباً معلّقاً في الهواء، بلا قبرٍ يثبته ولا طريقٍ يفسّره.

في الأيام الأولى، تعلّم أهل القرية أن يتحدثوا عن الأمر بصيغة “المصيبة”. يقول أحدهم في المقهى:

ـ سمعتم بما وقع لباسو؟

فيرد آخر:

ـ نعم، مصيبة… الله يعوّضه خيراً.

لكن الكلمة نفسها كانت تتغيّر نبرتها باختلاف الرواية؛ فبعضهم يراها مصيبة موت طفل، وبعضهم مصيبة سرٍّ لا يُفهم، وبعضهم مصيبة زمنٍ تغيّر حتى صار يأخذ الأطفال من نواصي البيوت إلى منافذ لا تُرى.

بيت باسو كان أكثر الأمكنة تحمّلاً لثقل هذا الغياب. في اليوم الذي اختفى فيه النعش، ظلّ الباب مفتوحاً حتى وقت متأخر من الليل، يدخل الناس ويخرجون، يحملون طوال الوقت السؤال نفسه دون أن يطرحوه صراحة: “أين ذهب الجسد؟”

حادة كانت تجلس في وسط الغرفة، يداها في حجرها، كأنها فقدت القدرة على الحركة. في وجهها مزيج من تعبٍ قديم وحديث، من سهر ليالٍ على حمى طفلٍ كان ومن صدمة فقدانه مرتين: مرّة حين قيل لها إنه مات، ومرّة حين اختفى نعشه من بين يديها.

حين تحاول جاراتها مواساتها، تتكلم إحداهن عن “قدر الله”، وأخرى عن “حِكَمٍ خفية”، وثالثة تهمس بحذر:

ـ ربما… لم يكن ميتاً.

تنتفض حادة عند هذه الجملة، كمن لدغته أفعى أخرى:

ـ لا تقولي هذا أمامي… إن كان حيّاً، فأين هو؟ وإن كان ميتاً، فلماذا لم يتركوني أراه؟

باسو، من جهته، عاش حزنه بصمتٍ أكثر قسوة. في الأيام الأولى، كان يخرج مع عسو إلى المستوصف، يسأل هذا ويُراجع ذاك، يبحث في الأوراق، في سجل الوفيات، في عيون الممرضين. لا أحد يملك جواباً واضحاً، أو هكذا يقولون. الطبيب الشاب غادر إلى مدينة أخرى، الممرضة التي كانت حاضرة ذلك اليوم تخفض عينيها كلما رأت باسو، والرجل النحيل الذي حمل ورقة التوقيع لم يعد أحد يتذكّر وجهه جيداً.

في الليل، حين يهدأ البيت، كان باسو يجلس عند عتبة الباب، ينظر نحو الحقل البعيد. يده تمسح لحيته القصيرة بعصبية، وعيناه لا تستقران على شيء. يسأل نفسه أسئلة لا صوت لها: “هل أخطأت حين سلّمت الورقة؟ هل كان عليّ أن أصرّ على رؤية وجهه؟ هل يمكن أن يكون حيّاً في مكان ما؟”

لكن كل هذه الأسئلة كانت تصطدم بجدار واحد: أنه رأى بعينيه طفله مسمّماً منتفخةً ساقه، وأن الطبيب قال له الجملة التي يتدرّب عليها الأطباء: “لقد فعلنا ما بوسعنا.”

الإشاعات في القرية، كعادتها، لم تنتظر الحقيقة لتتشكّل. في الأسبوع الأول، ظهرت روايتان واضحتان، تتفرّع منهما عشرات التفسيرات.

الأولى تتحدث عن “الجنّ”. امرأة مسنّة أقسمت أنها رأت ظلاً أسود في تلك الليلة يخرج من باب البيت وهو يحمل شيئاً يشبه النعش، دون أن يُفتح الباب.

ـ رأيتُه بعيني هذه، لم أكن نائمة.

تقولها وهي تضرب بكفها على ركبتها لتؤكد صدقها. يصدّقها البعض، لا لأنهم يثقون في بصرها، بل لأن العالم الغيبي يعطيهم فرصة لتفسير ما لا يفهمونه.

الرواية الثانية تتهم “البشر”:

ـ هناك من سرق الجسد.

ـ لمَ يسرق أحد جثة طفل؟

ـ الدنيا تبدّلت، هناك من يبيع حتى الأعضاء…

هذه الكلمات تُقال همساً في زوايا السوق، عند حافة البئر، في طريق العودة من المسجد. لا أحد يملك دليلاً، لكن نظرية “الظلم البشري” تبدو للبعض أكثر منطقية من نظرية “الجنّ الذي يحمل النعش”.

عسو، العسكري الذي تعوّد أن يرى الأمور بخيوطٍ واضحة، لم يستطع أن يكتفي بأيٍّ من التفسيرين. في الأيام الأولى، كان يزور المستوصف يومياً تقريباً، يراجع، يهدد أحياناً، يسأل عن الرجل ذي المعطف الأبيض، عن صاحب الحقيبة الجلدية، عن الممرّ الجانبي الذي لم يكن يعرف بوجوده من قبل.

قال له موظف الاستقبال مرة بنبرةٍ ضجرٍ مخفي:

ـ سي عسو، الأمر انتهى… ما الفائدة الآن؟

ردّ عليه بصوت خافت لكنه حادّ:

ـ الفائدة أن أعرف إن كنتُ قد دفنت طفلاً… أم دفنت ورقة فقط.

لم يحصل على جواب. لكن الشك استقرّ في قلبه كحجرٍ لا يتحرك.

القرية نفسها بدأت تُعيد صياغة علاقتها بالموت بعد تلك الحادثة. قبل أمناي، كان من يموت يُغسّل، يُكفّن، يُرى وجهه للمرة الأخيرة، يُدفن في المقبرة الصغيرة عند سفح الجبل، ويُذكر اسمه في صلاة الجمعة التالية. بعد هذه الحادثة، صار الناس أكثر إلحاحاً على “رؤية الميت” قبل تكفينه.

يقول أحد الشيوخ:

ـ لا نقبل أن يُدفن أحدٌ في نعشٍ مغلق بعد اليوم. ما وقع مع ولد باسو يكفي.

ويندفع آباء آخرون إلى التشدد في إجراءات المستشفى، يرافقون أبناءهم المرضى بعينٍ لا تغمض، يسألون عن كل حقنة، عن كل ورقة، عن كل إمضاء.

أما حادة، فكان الزمن معها يسير بطريقة مختلفة. في الأسبوع الأول، بكاء وانهيار؛ في الثاني، صمتٌ ثقيل يجعل الجارات يخشين الاقتراب منها كثيراً. في الثالث، بدأت تتكلم مع نفسها كأنها تخاطب أمناي مباشرة:

ـ أين ذهبت يا ولدي؟ لماذا لم تأتِ في المنام حتى الآن؟ كل الموتى يزورون أحبّتهم في الرؤى إلا أنت.

كان بعضهنّ يقترحن عليها أن تزور فقيرًا أو مريضًا “ليفتح الله لها باب الرؤيا”. تفعل، تتصدق، تدعو، لكنها حين تضع رأسها على الوسادة، لا ترى سوى ظلال الأفعى على حافة الصخرة، أو صورة النعش الفارغ.

ذات ليلة، رأت حلمًا أخافها وأراحها في آن واحد: رأت أمناي يمشي في طريقٍ لا تعرفه، خلفه مدينةٌ عالية الأبنية، أمامه أرضٌ من ترابٍ رطب، وعليه ثوب لم تره من قبل. لم يقترب، ولم ينادِها، اكتفى أن يلوّح لها بيده الصغيرة، ثم استدار ومضى.

استيقظت وهي تبكي، لا تعرف إن كان هذا الحلم من الله أم من شدة لهفتها. لكنّ شيئاً ما استقرّ في داخلها: أن ابنها… في مكانٍ ما يمشي، لا مسجّىً في قبر.

الزمن، كما يفعل دائماً، مرّ. لم يتوقف احتراماً لجرحهم. المواسم تعاقبت: جاء الخريف بحبوبه الأولى، الشتاء بمطره الذي طرق سقف بيت باسو كما يفعل كل سنة، الربيع بزهوره التي لا تسأل عن أسماء الأطفال الذين يركضون فوق العشب. بدأت الحياة، ظاهريًّا، تُعيد نفسها: النساء يعدن إلى الحقول، الرجال إلى أعمالهم، الصغار ـ من تبقّى منهم ـ إلى المدرسة.

لكن في كل هذا العاديّ، ظلّ اسم أمناي حاضرًا كجرحٍ مفتوح. حين يوزّع المدرّس الدفاتر في الصف، يمرّ اسمه في رأسه، وإن لم يعد في اللائحة. حين ينادي المؤذن لصلاة المغرب، تسمع حادة صدى صوته الصغير وهو يقول: “الله أكبر” من فوق صخرةٍ كان يحب أن يصعدها. حين يمرّ طفل في السابعة من عمره أمام بيتهم، ينقبض قلب باسو، يراقب خطواته، يقيس في ذهنه: “لو كان أمناي هنا، لكان في مثل عمره الآن.”

الإشاعات خفتت مع الوقت، لكنّها لم تختفِ. تحولت من حديثٍ يوميّ إلى حكاية تُروى بين حين وآخر للغرباء أو للجيل الجديد. تقول عجوز لصبية:

ـ كان هنا ولد… لدغته أفعى. أخذوه إلى المستوصف، ثم عاد نعشه… فارغاً.

تفتح الصبية عينيها:

ـ وأين هو الآن؟

تتنهد العجوز:

ـ الله أعلم… لكن أمه تقول إنه لم يمت.

وهكذا تستمر الحكاية، معلّقة بين “الله أعلم” و”أمه تقول”.

في قلب الجبل، ظلّ الجدول يغني أغنيته القديمة، وظلّ حقل الزعتر “يصطاد الأقدام” كما قالت حادة مرة لأمناي. لكن الأرض أيضاً لم تنسَ أثر لَدغة تلك الأفعى؛ لم تُرَ بعدها قريباً من الحقول، كأنها أدّت مهمتها واختفت، أو كأنّها، في نظر الناس، لم تكن سوى أداة في يد قدرٍ أكبر.

وحده باسو، حين يعود إلى الحقل، يمرّ قرب الصخرة المسودّة بالشمس، يضع يده على الحجر، ويتساءل في سره: “هل تبدأ القصص من هنا، أم من هناك، عند باب المستشفى الخلفي؟” لا يجد جواباً، لكنه يعرف شيئاً واحداً: أنّ قريةً كاملةً تعلّمت، من خلال غياب طفلٍ واحد، أنّ الموت ليس دائماً نهايةً واضحة، وأن الغياب قد يكون أحياناً أقسى من أي قبرٍ محفور في سفح الجبل.

يتبع…