منتدى العمق

رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الـ19)

“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.

الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.

الفصل السادس:

عودة إلى عتبة قديمة..

وصول زينب إلى فرنسا لم يكن يشبه الصور اللامعة التي تراها في الإعلانات؛ كان أقرب إلى خروجٍ حذر من باب ضيق إلى هواء بارد، تحمله طائرة عالية وتترك خلفه مدينة كاملة معلّقة في القلب. حين لمست عجلات الطائرة أرض المطار، شعرت زينب بأن الارتجاج الخفيف تحت قدميها لم يكن ارتجاف الحديد فقط، بل ارتجاف حياةٍ كاملة انتقلت من ضفة إلى أخرى دون أن يرافقها الطفل الذي كان سببًا في معظم قراراتها.

في بهو المطار، تبعت الآخرين كما لو كانت تحفظ الخطوات منذ زمن: طابور الجوازات، نظرة الشرطي إلى صورتها، طابع الدخول الذي طُبع على صفحةٍ جديدة. حملت حقيبتها، قلبها يسبقها نحو الباب الزجاجي حيث ينتظر محمد الذي استكمل إجراءات دخوله قبلها. حين رأته يلوّح من بعيد، بخطواتٍ ليست سريعة ولا مترددة، أحست أن العالم، رغم كل شيء، ما زال قادرًا على جمع شخصين بعد طول غياب. اقترب، احتضنها هذه المرة بعناقٍ لم تمنعه الرسميات ولا حياء المسافة؛ كان في العناق اعتذار صامت عن كل ما سيأتي من تعب، ووعدٌ غير منطوق بأنه لن يتركها تتوه وحدها في شوارع بلدٍ لا تعرفه.

في السيارة التي أقلّتهما إلى شقته، ظلّت زينب تنظر من النافذة إلى البنايات الرمادية، إلى الأشجار المنظمة في صفوف، إلى الطرق السريعة التي لا تشبه شوارع الحيّ القديم. فكّرت في يونس: “لو كان هنا، لكان سألني عن كل لوحة وعن كل قطار.” التفت إليها محمد، كأنه شاركها الفكرة دون أن تقولها:

ـ أول ما يستقرّ الأمر، أول ملف سنفتحه من جديد هو ملف يونس.

هزّت رأسها، لكنها لم تُخرِج الهمّ من صدرها بهذه السهولة.

في الشقة، كانت الجدران باردة بعض الشيء، مرتّبة، خالية من الضجيج. غرفة نوم، مطبخ صغير، صالون ضيّق فيه أريكة وطاولة ونافذة تطلّ على شارع هادئ. بدأ محمد يعرّفها على المكان كما لو كان دليلًا في متحف:

ـ هنا سننام… وهنا سنأكل… وهناك محطة الحافلة التي ستأخذك إلى مدرستك اللغوية لاحقًا…

كل “هنا” و”هناك” كانت تبني لها خريطة جديدة، لكنها في داخلها كانت تحتفظ بخريطة أخرى: باب شقة فاطمة، طريق يونس إلى المدرسة، زاوية المقهى حيث كان يشتري أحيانًا قطعة حلوى رخيصة.

في الأيام الأولى، انغمست زينب في تفاصيل الحياة الجديدة: مواعيد القطارات، أصوات لغة لا تفهمها بعد، تعليمات البريد والإقامة والتسجيل في دورات اللغة. كلّ ذلك كان لازمًا، لكنها كانت تشعر أن هذه الخطوات، مهما بدت مهمة، ليست سوى مقدمة لخطوة واحدة أكثر أهمية: أن تجعل وجودها هنا سلاحًا تستخدمه لصالح ملف يونس.

كل مساء تقريبًا، بعد عودتهما من العمل والدورات، كان محمد يفتح حاسوبه، يراجع مواقع الإدارات، يقرأ شروح المحامين عن “لمّ شمل طفل مكفول”، عن الفرق بين التبنّي والكفالة، عن الأوراق التي يمكن أن تقنع قاضيًا بأن مصلحة يونس هي أن يعيش معهما لا بعيدًا عنهما.​

كانت زينب تجلس قربه، تحاول أن تفهم المصطلحات الجديدة: “regroupement familial”، “kafala”، “intérêt supérieur de l’enfant”. تبدو الكلمات بعيدة، لكنّها كلها، في النهاية، تدور حول وجهٍ واحد تعرفه جيدًا.

تقدّما بطلبٍ جديد، هذه المرة من داخل فرنسا. ملفّ سميك يحمل شهادات الكفالة، شهادات المدرسة في المغرب، رسائل من أطباء وأساتذة تشهد بأن يونس مرتبط بأمّه، وبأن نقله إلى بيئة أخرى لن يكون “خطفًا” بل “استكمالاً لمسارٍ بدأ منذ سنوات”. أرفق محمد برسالته الخاصة شرحًا عن وضعه المادي، عن استقراره الوظيفي، عن رغبته الصريحة في أن يكون أبًا قانونيًا لا فقط عمليًا.

كل مرّة يُرسلون فيها الورق، كانت زينب تشعر أن قلبها يسافر في ظرفٍ مغلّف إلى مكتبٍ ما، يُفتح على طاولةٍ باردة، تُفحَص فيه حياتهم بعدسة قانونية لا ترى الدموع ولا الأحلام، فقط ترى التواريخ والأختام.​

في المغرب، كان يونس يعيش إيقاعًا متذبذبًا بين الحنين ومحاولة بناء عادة جديدة. في الصباح، توقظه فاطمة بصوتٍ حنون:

ـ هيا يا ولدي، المدرسة لا تنتظر.

يستيقظ، يلبس ثيابه في غرفةٍ تشاركه فيها أنفاس يوسف، يخرج إلى ممرّ شقةٍ مختلفة، يتناول فطوره على مائدةٍ مغايرة، لكنه يشعر أن شيئًا من رائحة زينب بقي عالقًا في عقله: طريقة وضعها للخبز في الصحن، نظرتها حين تسأله إن شبع. أحيانًا، حين تكثر حركة البيت، يختبئ قليلاً في ركن الغرفة، يضع يده على هاتفه الصغير، ينتظر أن يهتزّ باسمها.

اتصالات زينب كانت حبل النجاة اليومي. في أول مكالمة من فرنسا، حاولت أن تبدو قوية:

ـ كيف حالك يا يونس؟

ـ عادي… وأنتِ؟

ـ تعبت قليلاً من السفر، لكن كل شيء بخير.

سألها مباشرة:

ـ هل الجو بارد؟

ضحكت:

ـ ليس كما يقولون… وربما لأن فكرتي عن البرد اختلطت بما مررنا به هنا.

في كل اتصال لاحق، كانت تحرص أن تحكي له شيئًا صغيرًا من يومها:

ـ اليوم ركبت قطارًا تحت الأرض.

ـ اليوم لم أفهم ما قالته بائعة الخبز، فأشارت لي بضحكة.

ـ اليوم رأيت طفلًا يشبهك يركض مع أبيه في الحديقة.

كان يستمع، يبتسم أحيانًا، يغار أحيانًا أخرى. في الليل، حين يضع رأسه على وسادة فاطمة، يتخيل تلك القطارات والحدائق، ويتساءل: “هل سألمسها يومًا، أم سأظلّ أسمع عنها كحكايات بعيدة؟”

محاولته للتأقلم لم تكن كاملة ولا فاشلة. كان يتأرجح. مع يوسف، يلعب الكرة في الحيّ، يتبادلان النكات المدرسية، وربما يتهامسان عن المعلمين القساة. مع فاطمة، يجد حضنًا دافئًا، لكنه مختلف: حضن أم ترعى، لا أم تختار؛ فهي لم تختره من مستشفى ولا من حياة ممزقة، بل وجدته عند بابها، أمانةً مؤقتة.

أحيانًا، حين تخلو به، تقول له:

ـ أمّك تذكر اسمك في كل جملة.

يسألها بخوفٍ خافت:

ـ وهل يمكن أن ينساها قلبي إذا طال الانتظار؟

تهز رأسها:

ـ القلب لا ينسى من علّمه كيف ينبض. قد ينام قليلًا، لكنه لا ينسى.

فاطمة لم تكن تتدخل كثيرًا في منطقه الداخلي؛ تعلم أن الطفل يحتاج أن يختبر حزنه بطريقته. لكنها كانت تراقبه بعناية: تنتبه إن طال نومه أكثر من اللازم، إن قلّ أكله، إن زاد سرحانه. ذات مساء، سمعته يتمتم في نومه:

ـ لا… لا تطفئ النور… أمي لم تعد بعد.

اقتربت، وضعت يدها على جبينه، همست:

ـ النور هنا يا ولدي… حتى لو كانت بعيدة.

فتح عينيه نصف فتح، نظر حوله، ثم قال:

ـ حلمت أنني في المستوصف مرة أخرى… لكن هذه المرة، لم يكونوا يعلنون موتي، بل يمنعونني من ركوب الطائرة.

قالت بهدوء:

ـ الأحلام أحيانًا تعيد كتابة خوفنا بطريقة مضحكة أو مرعبة. لا تجعلها هي من تكتب مستقبلك.

لم يفهم الجملة تمامًا، لكن نبرة صوتها هدّأته.

اتصالات زينب صارت نبضًا منتظمًا لليل يونس. في أول أسبوعين، كانت تتصل كل مساء تقريبًا في ساعة محددة، يضبط عليها روحه كما يضبط المنبّه على وقت الاستيقاظ. تحكي له عن يومها في دورة اللغة، عن معلمة تحاول أن تفهم نطقها، عن امرأة إفريقية في الصف ذاته تضحك معها على أخطاء الجمع والتذكير، عن برجٍ بعيد تراه من نافذة الحافلة.

يسألها عن محمد:

ـ هل يعاملكِ جيدًا؟

ـ نعم، يا إبني… يسأل عنك كل يوم.

ـ وهل يذهب معكِ إلى الإدارة؟

ـ دائمًا. لا يتركني وحدي في هذه الأماكن الباردة.

في أحد الاتصالات، سألته فجأة:

ـ وأنت… هل تطاردك الأحلام كثيرًا؟

سكت لحظة، ثم قال:

ـ الأحلام القديمة رجعت… لكن معها أحلام جديدة.

ـ مثل ماذا؟

ـ أحيانًا أرى نفسي أخرج من طائرة، أنت ومحمد واقفان عند الباب… لا أحتاج أن أركض، أنتما قريبان.

في فرنسا، كان الزمن الإداري يسير ببطءٍ مؤذٍ. جواب أول من الإدارة: “الملف قيد الدراسة.” جواب ثانٍ بعد شهور: “نحتاج وثيقة إضافية من المغرب.” جواب ثالث: “ربما يتطلب الأمر رأيًا قضائيًا.” كل رسالة إلكترونية أو ورقية تصل، كانت زينب ومحمد يقرآنها معًا، يحاولان أن يفسّرا ما بين السطور: هل هذا تقدّم أم مجرّد تسويف؟

في إحدى المرات، بعد ردٍّ بارد آخر، وضعت زينب الورقة على الطاولة، وأسندت رأسها إلى الجدار:

ـ كأنهم يقولون لنا بلطف: انتظروا حتى يتعب الأمل.

قال محمد وهو يحاول أن يُمسك بخيطٍ إيجابي:

ـ لن ندع الأمل يتعب. سنتعب نحن قبله، لكننا لن نُسلم.

ـ وأخاف أن يتعب هو… هناك.

التفت إليها:

ـ كيف يبدو صوته في الهاتف؟

ـ أحيانًا صلبًا، يمازح، يحكي عن اللعب. وأحيانًا… أسمع في آخر الكلمة شيئًا مكسورًا لا يُقال.

يتبع…