“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.
الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.
في العالم الصغير ليونس، كانت الأيام تقاس بالمكالمات. إن اتصلت زينب صباحًا، يصبح اليوم أخف. إن تأخرت لسببٍ ما، يثقل الهواء في بيت فاطمة. بدأت الدروس تتقدم في المدرسة، صاروا يتكلمون عن “المستقبل” في الحصص:
ـ ماذا تريد أن تصبح حين تكبر؟
يرفع الأطفال أيديهم: طبيب، مهندس، شرطي، لاعب كرة.
حين يصل الدور إليه، يتردد. لا يرى في رأسه مهنة بقدر ما يرى صورة مطار وبابًا يُفتح وزينب تقف فيه. يقول أخيرًا:
ـ أريد أن أكون… في مكانٍ يمكن لأمّي أن تراني فيه كل يوم.
يضحك بعض الأطفال، لا يفهمون الجواب، والمعلم يبتسم بحزن لا يصرّح به.
بين بيت فرنسا وبيت فاطمة، كانت الحكاية تسير بخطّيْن متوازييْن: هنا أوراق تُملأ، ملفات تُرسل، قوانين تُقرأ، وأحلام ترسم مستقبلًا فيه ثلاثتهم تحت سقف واحد. وهناك، روتين يومي يحاول أن يمنع قلب طفل من أن يتشقق: مدرسة، لعب، خبز، صلاة، وانتظار.
في ليالٍ معيّنة، حين يُنهك التعب زينب، تحدث نفسها قبل النوم:
ـ هل أخطأت حين غادرت بدونه؟
ثم تتذكر الظروف التي دفعتها، كلمات محمد، جفاف العمل في المغرب، ضيق البيت، أحلام الدراسة والعمل له. تقول:
. لو بقيتُ، ربما حاصرناه بحدود الحيّ إلى الأبد. ولو جئتُ، ربما فتحتُ له بابًا… وإلا فلماذا كل هذا العناء؟
ترسل تلك الفكرة في دعاء:
ـ يا رب، إن كان في هذا الخير له، فثبّت قلوبنا. وإن كان شرًّا، فأظهره لنا قبل أن يضيع بين مطارين.
أما محمد، فكان يعيش بين ضغطين: من جهة، عملُه ومسؤولياته في بلدٍ لا يرحم المترددين، ومن جهة أخرى، شعوره بأنه جرّ زينب إلى هذا التعقيد، وبأنه مسئول أمامها وأمام يونس عن كل يوم يمرّ دون أن يتحقق الوعد. أحيانًا، وهو عائد ليلًا إلى الشقة بعد نوبة عمل طويلة، يتخيل لو أنه اختار طريقًا أبسط: أن يبقى أعزب، أو أن يتزوج امرأةً من نفس المدينة بلا أطفالٍ ولا ملفات. لكنه يعود دائمًا إلى نقطة واحدة:
ـ كنتُ وحيدًا، والآن هناك اثنان ينتظران معي. حتى الانتظار حين يُقسم على أكثر من قلب، يصير أهون.
هكذا بدأت حكاية الثلاثة تتشكل في قالب جديد، امرأة تتعلم أن تمشي في شوارع فرنسا وخلفها ظلّ طفل، ورجل يقف على أبواب الإدارات يحمل ملفّين، وطفل يتأرجح بين ذكريات بيتٍ تركته أمّه فيه ووعد بيتٍ لم يره بعد. ثلاثتهم يمشون في خطٍّ واحد، كلٌّ من مكانه، لا يربطهم إلا خيط رفيع من المكالمات والرسائل والأختام، وأمل عنيد بألا يتحول هذا الفصل الجديد من حكايتهم إلى نسخة أخرى من حكاية مستشفى ونعش وباب خلفي، بل إلى بابٍ أماميّ أخير، يُفتح هذه المرة على لقاء لا يعقبه فراق.
في عتمة الليل، حين ينام أهل البيت، يبقى يونس مستيقظًا أحيانًا، يسمع حفيف الريح في النافذة، فيختلط عليه الأمر: يذكّره بصوت الريح عند سفح الجبل في قريته الأولى، وبصوت القطار تحت الأرض كما وصفته له زينب. بين هذين الصوتين، يعيش طفلًا موزّعًا بين ثلاث جغرافيات: قريةٍ لم يودّعها كما يجب، مدينةٍ تركته فيها أم بالتبني، وبلدٍ بعيد يتقاطع اسمه مع أحلامه ومخاوفه.
حياة زينب في فرنسا بدأت تأخذ شكلًا أكثر انتظامًا، لكن الانتظام لم يكن يعني الطمأنينة الكاملة. كانت تستيقظ كل صباح على رائحة قهوة محمد السوداء، وعلى ضوء باهت يتسلل من شقوق الستارة، وتذكّر نفسها أن هذا الصباح، رغم برودته، يفتح لها بابًا لم يكن متاحًا في المغرب: باب عمل محتمل، باب إقامة، باب قانون يمكن أن تطرق عليه باسم يونس.
تلتحق بدورة اللغة في مركزٍ قريب، تجلس في صفّ يضمّ نساء من بلدان مختلفة: مغربيات، سوريات، إفريقيات. كل واحدة تحمل في عينيها حكاية عن عبور ما؛ بعضهنّ فررن من حرب، بعضهنّ من فقر، وبعضهنّ من حياةٍ ضيقة تشبه حياتها السابقة. حين يأتي درس “التعارف”، تقول المعلمة:
ـ قدّمي نفسكِ.
تتردّد لحظة ثم تقول بفرنسية مكسورة:
ـ اسمي زينب. مغربية. متزوجة. عندي… طفل في المغرب.
تُخطئ في التصريف، تبتسم المعلمة، تصحّح لها برفق، لكن الكلمة التي تتعثر على لسان زينب ليست النحو، بل كلمة “عندي”. تشعر أن وجود يونس في هذه الجملة هو أشبه بخيطٍ يشدّها نحو الجنوب في كل مرة تحاول أن تتقدّم شمالًا.
محمد، من جهته، يعيش إيقاعًا مزدوجًا: صباحاتُ عملٍ روتيني، ومساءاتٌ مخصصةٌ لمعركة الأوراق. في المعمل، يتعامل مع الآلات، مع أرقام الإنتاج، مع تعليمات السلامة. زملاؤه يمازحونه عن زواجه الأخير:
ـ أخيرًا تخلّصت من حياة العزوبية يا محمد!
يضحك نصف ضحكة:
ـ الحياة بدأت تتعقّد بدلًا من أن تتبسّط.
لا يشرح كثيرًا؛ لا أحد هنا يعرف معنى أن تربط مصيرك بمصير امرأةٍ لها طفل مكفول في بلد آخر، ولا معنى أن تُصبح القرارات العائلية الكبرى معلّقة على توقيع موظف أو رأي قاض.
في المساء، يعود إلى الشقة الصغيرة، يجد زينب تحاول مراجعة كلمات فرنسية جديدة، أو تعدّ طعامًا بسيطًا يذكّرهما بالمغرب: عدس، طاجين صغير، شاي بالنعناع إن وُجد. يجلسان إلى المائدة، وتكون الأحاديث دائمًا مثل نهرٍ يتفرّع: يبدأ بتفاصيل اليوم، ثم ينعطف نحو يونس.
ـ اتصلت اليوم؟
ـ نعم، في الظهيرة.
ـ كيف بدا صوته؟
ـ كان يحكي عن مباراة كرة مع يوسف… لكنه توقّف فجأة عندما سألته: “هل اشتقت إليّ؟”
ـ وماذا قال؟
ـ قال: “لا أريد أن أكون ضعيفًا في الهاتف.”
بعد العشاء، يفتحان ملفّ يونس مرة أخرى. يستعرضان ما أُضيف من وثائق: رسالة جديدة من مدير المدرسة في المغرب، يؤكد فيها أن يونس تلميذ مجتهد ومنضبط، وأن غيابه المحتمل عن الفصول سيكون خسارةً للمدرسة، لكن بقاءه بعيدًا عن أمّه خسارة أكبر له. رسالة أخرى من إمام المسجد هناك، يشهد فيها بأن علاقة الأم بابنها علاقة حقيقية، لا علاقة مصلحة عابرة.
يحاول محمد أن يُرتّب هذه الأوراق بذكاء، يضع الأقوى في المقدمة، يشرح في مذكّرة مرفقة بالملف كيف أن “الاستقرار العاطفي” شرط مهم لأي طفل، وأن هذا الاستقرار لا يتحقق إلا بجمع شمله مع الأم التي ربّته ومع الزوج الذي قبل أن يكون أبًا له.
في المغرب، على الجانب الآخر من البحر، كانت حياة يونس مع فاطمة تتشكّل على إيقاعها الخاص. لم يعد ضيفًا كما في الأيام الأولى؛ صار جزءًا من العائلة الصغيرة. له مكانه على المائدة، نصيبه من الحكايات الليلية، دوره في المهام اليومية: يخرج القمامة، يساعد في جلب الخبز، يراجع الدروس مع يوسف.
لكن رغم هذا الانخراط، بقي في داخله شيء من إحساس بأنه لا ينتمي بالكامل لهذا المكان. كان يشعر أحيانًا أن وجوده في هذا البيت مؤقت، مثل حقيبته الموضوعة دائمًا في زاوية الغرفة، لا تدخل الخزانة تمامًا، ولا تُترك في الممر.
لياليه كانت أطول من نهاراته. في النهار، يشغله ضغط المدرسة، أصدقاء الحيّ، صوت يوسف وهو يجذبه إلى اللعب. في الليل، حين يهدأ كل شيء، يبدأ العقل في استرجاع المشاهد القديمة: يد حادة على جبينه البعيد، وجه باسو وهو يركض به نحو المستوصف، غرفة المستشفى الباردة، المعطف الأبيض، الباب الخلفي، النعش الفارغ، ثم بيت زينب، وصوتها وهي تناديه “يونس” بدفءٍ حاول أن يعوّض كل الأسماء التي فقدها.
أحيانًا، يختلط الحاضر بالماضي في أحلامه: يرى نفسه في بيت فاطمة، لكن حين يفتح الباب يجد نفسه في القرية، يركض بين الشعير، يسمع صوت زينب تناديه من بعيد، يلتفت، فلا يجد إلا ظلّ طائرة تمرّ فوق الجبل.
فاطمة كانت تدرك هذا التذبذب بين “هنا” و”هناك”. لا تحاول أن تقطعه عنه، تعرف أن جذور الطفل إذا اقتُلعت عنوةً تموت، لا تنبت في تربة أخرى. كانت تتركه يحكي إذا أراد، وتلتزم الصمت الحكيم حين يختار أن يدفن بعض الأسئلة في صدره.
في واحدة من تلك الأمسيات، جلس بجانبها على السجادة بعد صلاة العشاء، سألها:
ـ خالتي فاطمة… هل تظنين أن الله غاضب مني؟
تفاجأت بالسؤال:
ـ لماذا تقول هذا؟
ـ لأن حياتي كلها… تبدو كأنها عقاب.
تنهدت، بحثت عن كلمات لا تُنكر آلامه ولا تظلم الله في تفسيرها:
ـ لا، يا ولدي. الله لا يعاقب الأطفال بهذه الطريقة. الناس يفعلون ما يفعلون، ثم نُرجع كل شيءٍ إليه لنرتاح.
ـ إذن لماذا تأخذني الأقدار من مكانٍ إلى آخر؟
ـ ربما… لأن لك حكايةً أطول من حكاياتنا نحن. والحكايات الطويلة تحتاج طرقًا كثيرة قبل أن تصل إلى فصلها الأخير.
في فرنسا، بعد أشهر قليلة من استقرارها النسبي، وجدت زينب عملًا بسيطًا في تنظيف مكاتب بنصف دوام. لم يكن الحلم الذي ترسمه الإعلانات، لكنه كان خطوة عملية تُضاف إلى ملف استقرارها في البلد. كانت تستيقظ قبل الفجر، تُعدّ الشاي، تخرج قبل أن تمتلئ الحافلات، تعود قبل الظهيرة لتلحق بدورة اللغة، ثم تمضي العصر في مراجعة أوراق يونس أو الاتصال به.
هذا الإيقاع المتعب أعطاها شعورًا بأنها “تفعل شيئًا”، لا تقف مكتوفة اليدين. وحين استلمت أول راتبٍ لها باليورو، فكّرت: “جزء من هذا المال سيصير أوراقًا جديدة، أتعاب محامين، شهادات رسمية… وجزء منه سيذهب إلى فاطمة، لمصاريف يونس.” كانت تشعر أن كل عملٍ تقوم به هنا، يمدّ خيطًا إلى المغرب.
محمد، رغم انشغاله، بدأ يشعر بثقلٍ آخر: ثقل الكفّتين بين يديه. من جهة، عليه أن يثبت وجوده هنا كعاملٍ موثوق، لا تُهدّد أوراقه، ومن جهة أخرى، عليه أن يقود معركة يونس دون أن يُنهِك زينب أو يُسقِطهما في يأس مبكر.
في إحدى الليالي، بعد أن وصله ردّ إداري آخر يطلب “مهلة إضافية لدراسة الملف”، رمى الورقة على الطاولة، وقال بمرارة لم يستطع كبحها:
ـ كأنهم يختبرون مدى قدرتنا على الانتظار، لا على الإقناع.
قالت زينب بصوتٍ مبحوح:
ـ ربما يختبرون مدى استعدادنا للتخلّي.
ـ وهل تفكّرين في التخلّي؟
ـ عمن؟ عنك أم عنه؟
سكت، ثم قال:
ـ عن فكرة أن نعيش ثلاثتنا هنا.
نظرت إليه طويلاً، ثم قالت:
ـ إن وصلتُ إلى تلك الفكرة، سأعود في أول طائرة.
في المغرب، بدأ يونس يلمس تغيّرات صغيرة من حوله. بعض أصدقاء الحيّ صاروا يتناقصون؛ هذا انتقلت عائلته إلى مدينة أخرى، وذاك اضطر لترك المدرسة للعمل مع أبيه. كان يرى في وجوههم نسخًا محتملة من مستقبله لو بقي هنا: عامل بناءٍ صغيرًا، مساعدًا في متجر، راعيًا في ضواحي القرية.
في الوقت ذاته، كانت حكايات فرنسا تصل إليه عبر الهاتف مثل قصصٍ من عالمٍ آخر: مكتبات كبيرة، مدارس مجهّزة، حدائق عامة، قطارات، رجال شرطة لا يحملون العصا نفسها التي رآها في يد شرطيّ الحيّ.
لم يكن متحمّسًا بشكل أعمى، ولا رافضًا بشكل مطلق. كان عقله الصغير يمسك بالصورتين معًا: بيت فاطمة الدافئ الذي يَشبه إلى حدّ ما بيت زينب، ومدينة بعيدة قد تُعيد إليه أمّه بجسدها، لا بصوتها فقط.
ومع أن كل طرف منهم ـ زينب، محمد، يونس، وفاطمة ـ كان يحاول أن يصنع لنفسه جزيرةً من الاستقرار وسط بحرٍ من الانتظار، إلا أن شيئًا ما، في عمق الحكاية، كان يتحرّك ببطء نحو مفاجأة لم يكن أيٌّ منهم يتوقّعها.
ملفّ يونس، الذي ظنّوا أن تعقيداته قانونية فقط، كان يحمل بين طيّاته خيطًا آخر لا يعرفونه بعد، خيط انكشف في الوقت الخطأ، قد لا يغيّر فقط مسار طلب لمّ الشمل، بل قد يعيد فتح أبواب الماضي كلها: المستوصف، القرية، العائلة الأولى، وأسماء ظلّت في الخلفية طويلًا.
الخبر لم يطرق الباب بهدوء؛ سيُغيّر ترتيب الكراسي في بيت فاطمة، وساعات الانتظار في شقة فرنسا، وربما يعيد توزيع الأدوار بين أمٍّ بالتبنّي وأبٍ مغترب وطفلٍ يحمل في جسده أثر لدغة أفعى، وفي حياته أثر لدغة قدرٍ أخرى لم تكتمل بعد.
يتبع…