حين تهتز القدوة وتعلو الشعبوية
وجهة نظر

حين تهتز القدوة وتعلو الشعبوية

تتوالى الإشارات التي تذكرنا بأن المشهد العام يمر بتحولات دقيقة، إذ تتقدم الأصوات الصاخبة على خطاب العقل، وتظهر أنماط من السلوك لا تنسجم مع ما ينتظره الناس من المؤسسات التي يفترض أن تعكس النضج والجدية. وعندما تتحول بعض اللحظات داخل تلك المؤسسات إلى مشاهد جدل حاد أو انفعال غير محسوب، يشعر المجتمع بأن التفاهة والشعبوية لم تعد خارجية فقط، بل صارت قادرة على اقتحام فضاءات كان يُفترض أن تبقى حصينة. هنا يبدأ القلق، ويبدأ معه البحث عن جذور الخلل.

أمواج الشعبوية

الشعبوية آلية تستند إلى إثارة المشاعر قبل تحليل الوقائع، وتنجح لأنها تمنح الناس شعورا آنيا بالطمأنينة الزائفة، وتقدم إجابات سهلة عن أسئلة معقدة. تنتشر حين يضعف النقاش الجاد، وحين يفقد الناس ثقتهم في المسارات التي تدير الشأن العام. مستوى اليقين حول توسع هذه الظاهرة مرتفع، إذ تشير تقارير متعددة إلى أن الخطاب المبسط والمشحون بالعاطفة يتقدم عالميا على خطاب المعرفة. الخطر يكمن في أن الشعبوية لا تكتفي بإفساد النقاش العام، بل تمهد الطريق لهيمنة التفاهة على القرار والتأثير.

تسلل التفاهة

التفاهة لا تأتي بصوت قوي، بل تتسلل بأدوات ناعمة. تبدأ حين يصبح الظهور أهم من القيمة، وحين تتحول الشهرة إلى معيار يفوق الخبرة، وحين يُحتفى بمن يثير الضجيج أكثر مما يُحتفى بمن يفهم ويحلل ويبني. ما يجعل هذه الظاهرة خطيرة أنها تجد بيئة خصبة داخل فضاءات التواصل، حيث تختلط المعلومة بالوهم، ويتقدم السلوك السطحي بسبب سهولة استهلاكه. مستوى يقين انتشار التفاهة متوسط، لكنه مدعوم بمؤشرات ثقافية وسلوكية واضحة.

مشاهد من داخل المؤسسة

أصبحت بعض اللحظات التي تخرج فيها النقاشات عن هدوئها الطبيعي تتكرر بشكل يلفت الانتباه، حتى غدت أقرب إلى ظاهرة تحتاج إلى تأمل أكثر من كونها حالات معزولة. فحين يرتفع الصوت على حساب الحجة، أو يتقدم الانفعال على الرصانة، يشعر الناس بأن الفضاء الذي يمثلهم يرسل رسائل متناقضة مع رمزيته ووزنه. مثل هذه المشاهد لا تُقرأ كتصرفات فردية، بل كعلامات على حاجة أعمق إلى تطوير أساليب الحوار، وصون هيبة الأماكن التي تُناقش فيها شؤون المجتمع. وما يبدو للبعض مجرد لحظة توتر، يظهر في الوعي العام كتذكير بأن القدوة تكتسب معناها من السلوك قبل الموقع، وأن النقاش المسؤول هو الذي يحفظ للمؤسسة مكانتها، ويرفع سقف الثقة في العمل العام.

هيبة المؤسسات

هيبة المؤسسة ليست موقعا ولا بناية، بل سلوك من بداخلها. حين يتعامل المسؤولون بوقار، تزداد الثقة، وحين ينزلق البعض إلى انفعال يبرره الغضب أو التوتر، تتراجع الصورة ويتسع المجال أمام الشعبوية كي تقدم نفسها بديلا. المؤسسات القوية قادرة على احتواء الخلاف بلا ضجيج، وعلى تحويل التوتر إلى نقاش، والاختلاف إلى قرارات. مستوى اليقين هنا مرتفع، إذ أثبتت التجارب أن قوة المؤسسات تبدأ من قدرتها على الإنضباط الذاتي قبل سلطتها القانونية.

القدوة المفقودة

الناس يبحثون دائما عن قدوة، ويحتاجون إلى نماذج تمنحهم معنى للجدية والالتزام. وعندما تغيب القدوة من الفضاء العام، تتقدم النماذج السطحية، وتتراجع قيمة العمل الجاد لصالح الاستعراض. القدوة ليست وجها يظهر في منصة، بل سلوكا يتكرر، وثباتا تحت الضغط، وقدرة على إدارة الخلاف بلا انفلات. مستوى اليقين في ضرورة القدوة مرتفع، لأنها شرط لبناء وعي جماعي سليم.

استعادة المعنى

الخروج من دائرة التفاهة لا يكون بالإنكار، بل بالاعتراف بأن المشهد يحتاج إلى مراجعة، وأن المؤسسات تحتاج إلى دعم أخلاقي لا إداري فقط، وأن المجتمع يحتاج إلى إعادة بناء علاقة ثقة مع من يمثله. هذا ممكن، لكنه يحتاج إلى إرادة صادقة، وإلى وعي يرى أبعد من الضجيج، وإلى استعداد للتعلم من كل خطأ يظهر في العلن.

نداء العقل في زمن الارتباك

يبقى السؤال معلقا: هل يمكن لمؤسسة أن تحافظ على هيبتها إذا تحولت بعض لحظاتها إلى مادة للدهشة أكثر من كونها مجالا للنقاش؟ وكيف يمكن للمجتمع أن يستعيد ثقته إذا استمرت التفاهة في اقتحام مواقع التأثير؟ وهل نملك الشجاعة لنعترف بأن القدوة لم تعد واضحة كما كانت؟ إن الإجابة ليست سهلة، لكنها ضرورية، لأن مستقبل النقاش العام ومستوى الوعي الجماعي يتحددان من قدرة المجتمع على حماية رمزه قبل أن يطالبه رمزه بحمايته.