“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.
الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.
في الأسابيع الأولى بعد اكتشاف الحمل، حاول محمد أن يقنع نفسه أن شيئًا جوهريًا لم يتغيّر: يونس في قلبه كما كان، والطفل القادم سيجد مكانه بجانبه. لكنّ الواقع لم يترك له كثيرًا من المساحة لهذه الصورة المثالية. مع مرور الأيام، بدأ وزن الأسئلة يزيد: كيف سيُموّل حياة أسرة في فرنسا، بحاجاتها الكثيرة، وهو الذي بالكاد يوازن بين راتبه وإيجاره وفواتيره؟ وكيف سيضيف إلى ذلك عبء معارك قانونية طويلة ومكلفة من أجل طفل لا تعترف به الدولة كابنٍ له؟
ذات مساء، عاد من العمل أكثر صمتًا من المعتاد. جلس في الصالون، ألقى بحقيبته قرب الكرسي، وظلّ ينظر إلى الأرض لوقتٍ أطول مما تحتمله زينب. سألته بحذر:
ـ هل هناك خبر جديد بخصوص ملف يونس؟
تنهد بعمق:
ـ ليس خبرًا… بل تفكير.
ـ أيّ تفكير؟
رفع رأسه أخيرًا، في عينيه تعب لم تعد تخطئه:
ـ زينب، كم سنظل نطرق أبوابًا لا تُفتح؟ كم من سنة سنبقى معلّقين بين هنا وهناك؟
ـ إلى أن يُفتح الباب.
ـ وهل تضمنين أنه سيفتح يومًا؟ نحن الآن ننتظر، وأنت حامل، ومصاريفنا تزداد، وأنا…
تردد قليلاً، ثم قال جملة كان يعلم أنها ستُحدث شرخًا:
ـ وأنا سأكون أبًا، هذه المرة، دون أن أُقنع أحدًا بأن هذا الطفل “لي”.
ارتجفت ملامحها:
.ويونس؟
أجاب بصوت أخفض:
ـ يونس… وضعه معقّد. نحن الذين اخترنا أن ندخله في حياتنا.
ـ “اخترتَ”، يا محمد. أنت الذي قلت يومًا: “لن أدخل حياتك إذا لم أقبل أن أكون أبًا له.”
ـ قلتها وأنا أظن أنني لن أكون أبًا لغيره. الآن…
توقف، وكأن ما يريد قوله ثقيل حتى على لسانه:
ـ الآن، أرى أن الله سيفتح لي بابًا آخر.
نظرت إليه كأنها لا تعرفه:
ـ وهل يعني هذا أن الباب الذي دخل منه يونس يجب أن يُغلق؟
ـ لا أقول ذلك صراحةً، لكن… اسمعيني بالعقل لا بالقلب فقط.
حاول أن يبدو عقلانيًّا، لكن كلماته كانت تقطع أوتارًا رفيعة في قلبها:
ـ نحن هنا في بلدٍ غالٍ، ستزيد مسؤولياتي مع قدوم الطفل. معركة يونس قد تستغرق سنوات، وربما لن تنجح. هل من الحكمة أن نُعلّق حياتنا كلّها على شيءٍ لا نضمنه، بينما بين أيدينا فرصة واضحة لبناء بيتٍ مستقر لهذا القادم؟
جلست زينب، وضعت يدها على بطنها، والأخرى على وجهها:
ـ هذا القادم… أخاف أن يلعن يومًا أخًا لم يره، إن علم أنّ مجيئه كان سببًا في تخلّي أبيه عن طفلٍ آخر.
ـ لا تتهميني بالتخلّي.
ـ وماذا تُسمّي أن تُخفِّف يدك عن حبله؟
أدار وجهه إلى النافذة:
ـ سميه ما شئتِ… لكني رجل له طاقة محدودة. لست مؤسسة خيرية.
منذ تلك الليلة، دخلت علاقتهما في نفقٍ جديد. لم تعد الخلافات حول تفاصيل الحياة اليومية، بل حول معنى الأبوة وحدود التضحية. زينب ترى أن الحب الذي وُعد به يونس لا يجوز أن يُسحب لمجرّد أن جسدها يحمل قلبا جديدا، ومحمد يرى أنه لا يمكن أن يُطالَب أن يوزّع نفسه على قانونٍ قاسٍ وبيتٍ واحد وطفلين، واحدٌ هنا وآخر هناك، بنفس الدرجة.
الملف الإداري ليونس ظلّ في مكانه، لكن حماس محمد لمتابعته بدأ يخفت. لم يعد يفتح البريد كل مساء كما كان يفعل، لم يعد يلاحق المحامين بالأسئلة نفسها، لم يعد يقترح وثائق جديدة. حين تسأله زينب:
ـ هل هناك جديد؟
يجيب بجفاف:
ـ لا شيء سوى أنهم يطلبون منا أن ننتظر.
ثم جاء القرار الأكثر قسوة، ولم يُعلن بقرارٍ واحد، بل بانقطاع أشياء صغيرة. في بداية زواجهم، اتفق محمد وزينب أن يرسلا لفاطمة مبلغًا شهريًا يعينها على مصاريف يونس: أكل، لباس، مستلزمات مدرسة. كان هذا المبلغ، وإن لم يكن كبيرًا، علامة على أن الطفل لم يُترك أخلاقيًّا.
مع الوقت، ومع اقتراب ولادة الجنين، صار محمد يضرب أخماسًا في أسداس: كراء، فواتير، احتياجات الحمل والولادة القادمة، حسابات الطبيب، مصاريف بطاقة الإقامة… ثم يأتيه دور التحويل الشهري لفاطمة.
في أحد الشهور، تأخّر التحويل. قالت زينب:
ـ لم تُحوّل المال لفاطمة هذا الشهر.
ـ لتصبر قليلاً، نحن في ضائقة.
ـ لكنّها تعتمد عليه، ويونس أيضًا.
ـ يونس عندها في بيتها، يأكل من طعامها كما يأكل أولادها. لسنا ملزمين بكل شيء.
ـ نحن التزمنا، قبل أن أحمل، بألا يشعر أنه “ضيف ثقيل”.
هز كتفيه:
ـ الظروف تغيّرت.
ثم لم يكن تأخيرًا عابرًا؛ تلاه شهر ثانٍ، وثالث. في البداية، حاولت زينب أن تواسي فاطمة برسالة قصيرة: “سنحاول التدبير قريبًا.” لكنّ الحقيقة أن يدها كانت فارغة، وقرار المال لم يعد في يدها وحدها.
فاطمة، في المغرب، بدأت تشعر بثقل جديد لا تحتمله بساطتها. كانت قد قبلت استضافة يونس بقلب مفتوح، وفي ذهنها أن هناك سندًا شهريًّا يساعدها:
ـ ولدٌ زائد يعني طبقًا زائدًا على المائدة، ودفترًا زائدًا، وحذاءً حين يبلى القديم.
حين توقّف المال، لم تتوقف حاجات البيت. راتبها البسيط من أعمال التنظيف لا يكفي أصلًا لأبنائها، فكيف بإضافة طفل ثالث؟ كانت تقنع نفسها في البداية: “ربما عطل في الإجراءات البنكية”، “ربما ضائقة عابرة”. لكنّ العابر طال.
حاولت الاتصال بزِينب أكثر من مرة. ترسل رسالة، اثنتين، ثلاثًا. في كل مرة، يرنّ الهاتف في الشقة الفرنسية، ترى زينب اسم “فاطمة” على الشاشة، فيرتجف قلبها. تعرف أن وراء هذا الاسم سؤالاً واضحًا: “أين المال؟ وأين الوعود؟”
تحت ضغط الخجل، وتحت وطأة شعورها بأنها عاجزة عن إقناع محمد أو تعويض النقص من راتبها القليل، اختارت أسوأ حلّ: ألا ترد.
كان الهاتف يهتزّ على الطاولة، محمد ينظر إلى الشاشة، يسأل ببرود:
ـ فاطمة؟
ـ نعم.
ـ لا تجيبي الآن… لا جديد عندنا.
ـ لكنّ صمتنا… يجرحها.
ـ ستفهم مع الوقت أن الظروف تغيّرت.
في المغرب، كانت كل مكالمة لا يُردّ عليها تضع لبنةً جديدة في جدار سوء الفهم. فاطمة تقول لنفسها: “ربما خجلت زينب من عجزها… أو ربما تغيّرت أولوياتها.” لكنها في النهاية كانت تسُجّل ما يحدث في ميزانٍ عمليّ:
ـ هناك طفل في بيتي، أصبحت أطعمه وألبسه وأهتمّ به وحدي. وعدوا بالمساعدة، ثم انقطعوا.
في المساء، حين يجلس يونس أمام التلفاز، تراقبه بعينٍ مزدوجة: عين الأم المؤقتة، وعين المرأة التي ترى ميزان بيتها يختلّ. تقول في سرّها: “لا ذنب له… لكنه ليس لحمًا من لحمي ولا ولدًا لأبيه هنا.”
بدأت فكرة “التخلّص” منه تتسرّب في شكل أسئلة غير معلنة:
ـ إلى متى سيبقى هنا؟
ـ ماذا لو لم تعد زينب يومًا؟
ـ هل أقدر، وحدي، على حمله حتى يصير رجلاً؟
في فرنسا، كانت زينب تنام بصعوبة. لم تكن تعرف إن كانت فاطمة تلقّت رسائل عابرة كتبتها بخجل، أم أنها لم ترَ سوى شاشة لا تجيب. في كل مكالمة بيونس، تتجنّب التطرق إلى موضوع المال. تسأله عن دراسته، عن صحته، عن يوسف، وتغلق الهاتف وعينها على حساب مصرفي لا يترك لها مجالًا كبيرًا للمناورة.
مرة، تجرّأت فاطمة وكتبت لها رسالة نصية قصيرة: “أختي، الوضع هنا يزداد صعوبة، أعينيني بكلمة، بخطة، بعهدٍ جديد، أو قولي لي ما الذي تنتظرينه مني.” قرأت زينب الرسالة مرارًا، ولم تملك جوابًا يليق بكامل الحقيقة: أن زوجها بدأ يميل إلى فكرة الانسحاب، وأنها لا تريد أن تضع يونس في خانة “العبء” أمامه، ولا في خانة “الوهم” أمام فاطمة.
محمد، من جهته، ازداد اقتراب موعد ولادة طفله، فازداد تركيزه على بيت فرنسا: تجهيز سرير صغير في الزاوية، اختيار ملابس أولى، الحديث مع زملائه عن “الآباء الجدد”. كل هذا كان يجري بينما ظلّ يونس في أحاديثه يتراجع تدريجيًّا إلى الخلف. لم يعد يذكر اسمه في كل جلسة كما السابق، ولم يعد يتحدّث عن مستقبل ثلاثتهم هنا كأمر مسلّم.
في لحظة صراحة قاسية أخرى، قال لزينب:
ـ أريد أن أكون حاضرًا بالكامل في حياة هذا القادم. لا أريد أن يعيش في ظلّ صراعٍ قديم.
أجابته بمرارة:
ـ الصراع الذي تسميه “قديمًا” هو حياة طفل “حاضر”.
ردّ بانزعاج:
ـ ليس طفلاً منّي.
كانت تلك أول مرة ينطقها بصراحة. أحسّ بثقل الكلمة حتى على نفسه، لكنه لم يتراجع عنها.
الحكاية هنا بدأت تنزلق على منحدرٍ جديد: من مشروع “أسرة تحتضن طفلاً مكفولاً” إلى مشروع “أسرة تعيد حساباتها، وقد تقرّر أن تقطع حبلًا كان يومًا طوق نجاةٍ لصغيرٍ خرج من نعشٍ فارغ وبابٍ خلفي.”
في بيت فاطمة، حيث تُسمع تنهداتها في الليل بعد أن ينام أطفالها، كانت فكرة “التخلّص” من يونس تنتقل من خانة الخيال المذموم إلى خانة الخيارات القاسية. لم تعد تسأل نفسها فقط: “هل أستطيع أن أتحمّل؟” بل بدأت تسأل:
ـ “هل من العدل أن أحمِل وحدي نتيجة قرارات لم أتخذها؟”
ومع كل سؤال، كانت تبحث بعينٍ خائفة عن منفذ: قريبٍ يمكن أن يستقبله، مؤسسةٍ قد ترعاه، أو حتى عائلةٍ في قرية بعيدة تحتاج صبيًا يساعدها في الحقول.
لم تتخذ قرارًا بعد، لكن مجرد التفكير في الأمر كان علامة على أن الحكاية اقتربت من نقطة حرجة: زينب مثقلة بحملٍ في بطنها وذنبٍ في قلبها، محمد ينسحب خطوةً خطوة من التزامٍ ظنّه يومًا قدره الوحيد، فاطمة تقترب من حدّ صبرها وطاقتها، ويونس، في وسط هذه الدائرة، يعيش كعادته نتيجة اختيارات لم يُسأل عنها، وهو على وشك أن يواجه وجهًا جديدًا للفقد، قد لا يكون هذه المرة قادمًا من مستشفى أو مطار، بل من بيتٍ بسيطٍ في حيّ فقير، حين تشعر صاحبة البيت أن يدها لم تعد تتسع لكل هذا الحمل.
يتبع…