“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.
الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.
اتخذت فاطمة قرارها أخيرا، لم يكن قرارها وليد ليلة واحدة، بل تكوّن كحجر صغير في القلب، تكوّر مع الأيام حتى صار ثقيلاً لا يُحتمل. كانت كلّما نظرت إلى يونس نائمًا بين ولديها تشعر بجرحين يتنازعانها: جرح الخوف عليه، وجرح الخوف منه. هو ليس ابنها، ومع ذلك يأكل من تعبها، يلبس من قميص فقرها، يحمل اسماً لأسرةٍ أخرى في مدينة أخرى. ومع انقطاع المال، وتزايد صعوبة الحياة، صار ضميرها يبحث عن مخرج لا يبدو في ظاهر الأمر “تخليًا”، بل “إرجاعًا للأمانة” إلى أهلها.
فاطمة لم تكن تعرف الكثير عن ماضي زينب. لكنها، عبر جلساتٍ طويلة وآهاتٍ متناثرة هنا وهناك، التقطت خيوطًا كافية لترسم صورة: زوج سابق في المدينة، زواج انتهى بلا أولاد، سنوات علاج عقيم، ثم قرار التبنّي، ثم طلاق، ثم محمد، ثم فرنسا. لم يكن اسم الزوج السابق حاضرًا دائمًا في الحديث؛ زينب كانت تتحاشى ذكره، كمن لا يريد أن يستدعي شبحًا. لكن مرة، في لحظة تعب، قالت: رضا وهي تحكي عن ورقة طلاقها. الاسم استقر في ذاكرة فاطمة، دون أن تبحث خلفه يومها.
مع مرور الشهور، حين صار انقطاع التحويلات واقعًا لا استثناء، بدأت فاطمة تراقب ميزان بيتها يختلّ أكثر: الأسعار ترتفع، العمل يتقلّب، ولدها الأكبر يحتاج لباسًا للشتاء، الأصغر مرض أيامًا، ويونس، رغم أدبه وهدوئه، يحتاج كغيره إلى ملابس، وأحذية، وأدوية عندما يمرض.
في كل مرة يقتسمون قطعة لحمٍ صغيرة بين ثلاثة، كانت تشعر أن ضميرها يميل نحو واحدٍ أكثر من الباقين، فتخاف أن تظلم أبناءها أو تظلم يونس. تهمس في صلاتها:
ـ يا رب، لا تجعلني ظالمة… لا لهما ولا له.
في إحدى الليالي، بعد يومٍ ثقيل في العمل، جلست وحدها في المطبخ بعد أن نام الأطفال. أخرجت هاتفها القديم، أدارت أرقامًا كانت قد كتبتها في ورقة محفوظة: رقم أخت زينب في المدينة، تلك التي جاءت يومًا في زيارة عابرة من قبل، وتركَت وراءها انطباع امرأة تعرف “أخبار الناس”.
ردّت الأخت بنبرة مستغربة:
ـ منذ زمن لم أسمع صوتك يا فاطمة.
تلعثمت فاطمة قليلاً، ثم قالت:
ـ أردت فقط أن أسأل عن زينب… وعن أخبارها في فرنسا.
أجابت الأخت بحذر:
ـ لا جديد يذكر… حامل، كما سمعت، ولا ندري غير ذلك. الاتصال بها صعب…
تردّد صوت فاطمة، لكنها قرّرت أن تمضي في السؤال الذي تحمله:
ـ وابنها… يونس؟
صمت قصير في الطرف الآخر، ثم قالت الأخت:
.أليس عندك؟
ـ نعم… لكنّي…
توقفت، لا تريد أن تُسمع صوتها وهي تقول “لم أعد أستطيع”.
ـ ماذا بك؟
ـ لا شيء… فقط أتساءل: ألا يوجد أحدٌ من عائلته الأصلية؟ أبوه الحقيقي؟
تنهدت الأخت:
ـ حكايته معقدة… قيل إنها كفلته من مستشفى لا من أسرةٍ معلومة.
ثم أضافت، كأنها تذكر شيئًا:
ـ لكن زينب كانت متزوجة قبل أن تأخذه. رضا يعرف القصة.
هنا، انفتح في ذهن فاطمة منفذ جديد:
ـ تقصدين… أن رضا يعرف أنه مكفول؟
ـ نعم… هو من قام بكفالته وكانوا ثلاثتهم أسرة واحدة لفترة. ثم طلقها.
انتهت المكالمة والقلب عند فاطمة ليس كما كان. فكرة “زوج زينب السابق” ظهرت فجأة كاحتمال: رجلٌ يعرف يونس، كان في يوم من الأيام راعيًا له، جزءًا من حياته الأولى في المدينة، وربما، في نظر الناس، أقرب إلى “الأب” من أي شخص آخر.
بدأت الفكرة تتبلور:
ـ إن أخذته إليه، فلن أكون قد “ألقَيْت” بالطفل في الشارع. بل أكون قد أعدته إلى رجلٍ يعرفه، وإلى مرحلةٍ سابقة من حياته. “سأعيده إلى طريقه”، هكذا أقنعت نفسها.
ومع هذا الإقناع، خفّ ثقل الذنب قليلاً.
في الأيام التالية، بحثت أكثر. استفسرت من الأخت عن عنوان رضا، عن عمله، عن حاله اليوم. قيل لها إنه لا يزال في المدينة ذاتها، يعمل في وظيفةٍ متواضعة، لم ينجب بعدُ من زواجه الثاني، يعيش حياةً عادية بلا كثيرٍ من التعقيد، لكنه يحمل في ماضيه صفحة اسمها “يونس”.
جلست تلك الليلة تطالع السماء من نافذتها الصغيرة، تسأل نفسها: “هل أرحّل الحمل من قلبي إلى قلبه؟ هل أضع هذا الولد أمام رجلٍ ربما يكون نسيه؟” لكنها في النهاية عادت إلى نقطة واحدة:
ـ بقاؤه هنا يُتعبني، ولا أستطيع أن أفي له بحقّه كما يجب. زينب غائبة، محمد مشغول بحياته الجديدة، وأنا… مجرد جارة وُضِع بين يديها ما لا تطيق حمله إلى الأبد.
لم تخبر يونس في البداية عن شيء. ظلّت تتعامل معه كعادتها: توقظه للمدرسة، تضع له الطعام، تراقب واجباته. لكنه لاحظ شيئًا من الشرود في عينيها، ومن العصبية الخفيفة حين تتعثر الأمور.
سأل يوسفَ في الغرفة يومًا وهما على الفراش:
ـ تظنّ أن خالتي فاطمة غاضبة مني؟
ـ لا أدري… ربما من الدنيا كلها. إنها تحبك.
ـ الحب لا يملأ الأطباق ولا يدفع الفواتير.
قالها يونس، كأنه يكرر جملة التقطها من الكبار.
بعد أن رتّبت فاطمة أمر اللقاء عبر الأخت، قرّرت أن تسافر مع يونس إلى المدينة. لم تفعل ذلك بشكلٍ مفاجئ، لكنّها لم تتوسّع في الشرح أيضًا. قالت له:
ـ سنزور المدينة يوم الخميس. عندي أمر هناك.
ـ وأنا؟
ـ ستأتي معي… ترى شيئًا جديدًا.
لم يسأل أكثر. في داخله، كان جزء منه يتمنى أن يرى شوارع جديدة، أن يمشي في أماكن ربما مشى فيها يومًا وهو صغير ولا يذكرها، أن يقترب ـ دون أن يعرف ـ من دائرة ماضيه.
في صباح الرحلة، استيقظ قبلها حتى. ارتدى ثوبه، ربط حذاءه، جلس عند الباب ينتظر. يوسف قال له وهو ينظر إليه بحسدٍ لطيف:
ـ ستذهب إلى المدينة وتتركني هنا؟
ابتسم:
ـ المرة القادمة نذهب معًا.
وفي قلبه لم يكن يعرف أن هذه “المرة” قد لا تتكرر كما يتمنّى.
الطريق إلى المدينة في الحافلة كان طويلًا. فاطمة تجلس إلى جواره، تحمل كيسًا صغيرًا فيه بعض الطعام، وترفع رأسها بين حين وآخر إلى النافذة، تعدّ القرى التي يمرون بها. يونس ينظر إلى الحقول، إلى الجبال البعيدة، يشعر أنه يتحرّك في فضاءٍ بين عالمين: قريته الأولى التي لا يذكر طريقها، والمدينة التي فيها بيت زينب، وبيت زوجها السابق، ومستشفى حمل اسمه يومًا على ورقة وفاة.
في لحظات سرحانه، تهاجمه ومضات من طفولته هناك: بوابة عمارة، صوت سلالم، رائحة مطبخ، ضحكة رجل بصوتٍ منخفض مع زينب، نظرة امرأة حين جاؤوا به أول مرة. لا يستطيع أن يجمع المشاهد في تسلسلٍ واضح، لكنها تتداخل مع منظر الطريق الحالي، فيشعر بألمٍ غريب في صدره.
عند وصولهما إلى المدينة، كانت الشمس تميل، والضجيج مختلفًا عن ضجيج الحيّ الذي اعتاده. سيارات أكثر، محلات أكثر، ناس يسرعون كأنهم يلحقون بمواعيدٍ لا تتأخّر. أمسكت فاطمة بيده بقوة، كأنها تحرسه من أن يضيع الآن قبل أن تسلّمه حيث تريد.
توجّها إلى عنوانٍ حملته في ورقة مطويّة: حيّ متوسط، عمارة قديمة بمدخلٍ أضيق من مدخل عمارتهم في الحيّ. وقفت للحظة أمام الباب، تتنفّس بعمق، ثم قالت ليونس:
ـ سنزور شخصًا كان يومًا… قريبًا من حياتك.
ـ من؟
ـ ستعرف بعد قليل.
لم يكن في نيتها أن تُخبره بالطريقة الكاملة: “سأتركك عند زوج أمّك السابق.” فقد أقنعت نفسها أن ما تفعله هو نوع من “إعادة الوصل”، لا من “القطع”.
طرقت الباب، فتح رجل في منتصف العمر، ملامحه تحمل شيئًا من الذكرى البعيدة التي لا يمسكها وعي يونس بعد. رمقها متسائلًا، ثم لمّا عرّفته بنفسها وبصلة القرابة غير المباشرة، ودعتْه إلى أن يتذكر يونس، تراجع خطوة، نظر إلى الصبي، إلى عينيه، إلى ملامحه التي تحمل آثار مدينتين وقريتين، وقال في نفسه: “الزمن لم يمحُ الصورة بالكامل.”
تكلّموا عند الباب أولاً، ثم في الصالون. فاطمة عرضت حكايتها كما تراها:
ـ استقبلته في بيتي حين احتاجت زينب لمن يحضنه. وكنتُ أظن أن الأمر مؤقت، يعينه المال الذي كان يأتي من فرنسا. الآن، انقطع كل شيء. أنا امرأة فقيرة، عندي ولدان، ولست قادرة على حمل ما لا أطيق.
سألها:
ـ ولماذا جئتِ إليّ أنا بالذات؟
ـ لأنك كنتَ جزءًا من حكاية هذا الطفل. أنت تعرفه، وكنتَ زوجًا لامرأة رَبّته كابنٍ لها. لا أريد أن أضعه في ملجأ أو عند غرباء. قلتُ ربما… يكون في قلبك له مكان.
يونس كان يجلس في الطرف، يسمع الكلمات ولا يجمع خيوطها كلها. اسم زينب تكرر، واسم المدينة، وعبارة “زوجها السابق”، و”ابنٍ بالتبنّي”. شيئًا فشيئًا، بدأت قطع اللغز تتجاور في ذهنه: هذا هو الرجل الذي عاش معه طفلاً في المدينة، الذي كان يراه أحيانًا على الطاولة، الذي كان يشتري له ثوبًا في العيد. لم يكن يحبه أو يكرهه في الذاكرة؛ كان مجرد “جزء من الصورة”.
الرجل، في داخله، بدأ هو أيضًا يتأرجح. يوم طلق زينب، ترك معها يونس جزءًا من الحكاية التي قرّر أن يغلقها. قال لنفسه يومها: “لن أعود إلى حياةٍ لم تنجب لي أبناءً.” الآن، يجد أمامه طفلاً نسيه، يأتيه بيد امرأة فقيرة تقول له: “تحمّل نصيبك من هذه القصة.”
تساءل، في صمتٍ ثقيل: “هل أتحمّل نصيبًا حاولت أن أتهرّب منه منذ سنين؟ أم أقول ببساطة: هذا لم يعد شأني؟”
فاطمة، وهي تراقب تردده، زاد كلامها التفافًا حول فكرة “الواجب”:
ـ يا أخي، لا أقول لك تبنه من جديد، لكن على الأقل… لا تجعله يعود معي وأنا لا أدري ما أفعل به. زينب غائبة، وأنت حاضر.
لم تنطق كلمة “أتخلّص منه”؛ استبدلتها بـ”أسلّمه لمن كان جزءًا من حياته”. هكذا بدا الأمر في داخلها أقل فظاعة.
بين هذه الجدران، في ذلك الصالون الضيق، بدأت دائرة جديدة من الحكاية تُرسَم، دون علم زينب في فرنسا، ودون استعدادٍ حقيقي من محمد، ودون فهم كامل من يونس. خطوة واحدة فقط، إن اتخذها الرجل ووافق، ستغيّر مجددًا خريطة انتماءات الطفل: من بيت فاطمة إلى بيت رجلٍ آخر كان يومًا في الماضي زوجًا لأمّه بالتبنّي.
فاطمة، وهي تضع حقيبته الصغيرة قربها، كانت تقول في سرّها:
ـ هكذا… أكون قد خفّفت الحمل عن نفسي، دون أن أُلقي به في العراء.
لم تكن تدري أن هذا القرار، الذي اتخذته لتخفيف ذنبها، قد يفتح أبواب ذنوبٍ وأسئلة أكبر بكثير عند كلّ من يحيط بهذا الطفل: في القرية، في المدينة، وفي تلك الشقة البعيدة حيث تنمو حياة جديدة في بطن امرأةٍ تظنُّ أنها تعرف كل ما يربطها به، بينما الحكاية تستعدّ، مرة أخرى، لأن تنقلب.
يتبع…