منتدى العمق

رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الـ24)

“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.

الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.

الفصل السابع:

إقامة على حافة العتبة..

منذ أن غادرت فاطمة بيت رضا في ذلك المساء، وحقيبة يونس الصغيرة عند قدميه، شعر الصبي أنه انتقل مرة أخرى من صفحة إلى أخرى دون أن يُسأل عن رأيه. الباب الذي أُغلق خلفها ترك في البيت صدى خفيفًا، لكنّ ثقله الحقيقي كان في صدور الثلاثة الذين بقوا: يونس، ورضا، وزوجة رضا.

رضا وقف للحظات بعد انصراف فاطمة، يحدّق في الباب المغلق كما لو أنّ الإجابة عن كل ما يجري تقف خلفه. ثم التفت نحو يونس، فرأى في عينيه شيئًا يشبه المرآة القديمة: صورة صبيّ كان يراه يومًا يركض أمامه في البيت، يجلس أمام التلفاز، يأكل من الطبق، قبل أن يُطوى كل شيء مع طلاق زينب.

قال بصوتٍ حاول أن يُخرجه من حرج الموقف:

ـ تعال يا يونس… اجلس.

تقدم الصبي بحذر، جلس على حافة الأريكة، ووضع حقيبته عند قدميه كما لو أنه على استعداد للرحيل في أي لحظة. لم يكن يعرف: هل هذا بيت “ضيافة مؤقتة”، أم بيت “عودة” إلى ماضٍ لم يطلبه؟

زوجة رضا، سعاد، خرجت من الغرفة الداخلية بعد دقائق، وقد وصلها من الهمس ما يكفي لتعرف أن شيئًا غير اعتيادي حدث. رأت الطفل، رأت الشيخوخة الخفيفة في عيني رضا التي لم تكن تلاحظها من قبل، رأت الحقيبة الموضوعة كعلامة، وفهمت نصف الحكاية قبل أن تُروى.

سألت بهدوء مغلّف بصلابة:

ـ هذا هو… يونس؟

أومأ رضا:

ـ نعم.

نظرت إلى وجه الصبي ثانية، لم تجد فيه شبهًا من رضا، لكنها وجدت فيه شَبَهًا من قصّة زينب التي سمعت منها شذراتٍ خلال السنوات الماضية. لم تكن تجهل وجوده في حياة زوجها الأولى، لكنها كانت تظنّ أنّها “صفحة طُويت”. الآن، تجد الصفحة تعود مطويّةً على نفسها، يُلقى بها في وسط بيتها.

في الأيام الأولى، حاول رضا أن يتعامل مع مجيء يونس كأمر “عملي”:

ـ سيبقى معنا لبعض الوقت… حتى نجد حلاً أفضل.

هكذا قال لسعاد في جلسة مسائية بعد أن نام الطفل.

سعاد لم تُخفِ قلقها:

ـ “لبعض الوقت” دائمًا هي العبارة التي تسبق “إلى أجل غير مسمّى”.

ـ فاطمة لا تستطيع الاستمرار. زينب بعيدة، محمد مسؤولٌ عن حياة أخرى الآن. أنت ترين… لا أحد غيري في الصورة.

ـ في الصورة… لكن في القَيد؟ الأوراق لا تقول إنه ابنك، ولا القانون.

سكت. يعرف أن القانون ليس كل شيء، لكنه يعرف أيضًا أن المجتمع لا يرحم: الناس ستقول إن “ولد زينب” عاد إلى بيت رضا، وإنه ربّاه من جديد.

أضافت سعاد بصوتٍ خافت أقلّ حدّة:

ـ وأنا… أين مكاني في هذه الصورة؟

منذ دخول يونس، تغيّر إيقاع البيت. لم يعد الصالون مكانًا هادئًا لزوجين في منتصف العمر فقط؛ صار هناك كرسي صغير إضافي، طبق ثالث، صوت جديد يسعل في الليل، خطوات خفيفة في الممرّ، باب غرفة يفتح ويغلق مرات أكثر مما اعتادته سعاد.

في البداية، حاولت أن تكون “لطيفة”:

ـ هل أنهيت واجباتك؟

ـ هل تحتاج شيئًا؟

لكن داخلها لم يكن باللطافة ذاتها. كانت تشعر أن وجوده يُذكّرها بأمرين لم تستطع تجاوزهُما كليًّا: ماضي زوجها مع امرأة أخرى، وعجزها هي عن الإنجاب حتى الآن. هذا الصبيُّ يجلس أمامها كدليل حيّ على أن رضا كان قادرًا، وأن العطب ربما كان في مكانٍ آخر.

يونس، بحسّ الطفل الذي تعلّم مبكرًا قراءة وجوه الكبار، التقط هذا التوتر من الأيام الأولى. كان يرى في عيني رضا مزيجًا من الذنب والمسؤولية، وفي عيني سعاد مزيجًا من الفضول والاحتراز. لم يكن يبادر كثيرًا بالكلام؛ تعلّم من كثرة التنقّل أن يقلّل من “الضوضاء العاطفية” في البيوت الجديدة، أن يكون خفيفًا على الجدران قدر الإمكان.

يقضي نهاره بين المدرسة والبيت: يستيقظ، يذهب مع أبناء الحيّ في المدينة إلى مدرستهم، يعود ظهراً، يجد طعامًا بسيطًا، يجلس في ركن من الصالون، يفتح دفاتره. سعاد تراقبه من المطبخ، تلاحظ أنه منظّم أكثر مما توقعت، لا يطلب الكثير، لكنه لا يضحك كثيرًا أيضًا.

الاحتكاك الحقيقي بدأ حين أخذ مكانًا دائمًا في تفاصيلهم. مرةً، عاد رضا من عمله متعبًا، وجد يونس جالسًا أمام التلفاز، وسعاد في المطبخ تغسل الأواني. قال وهو يحاول أن يُظهِر الراحة:

ـ كيف كان يومك يا بُني؟

ردّ بهدوء:

ـ عادي.

سعاد علّقت من بعيد، بنبرة خفيفة لكن فيها ما فيها:

ـ لفظ “بني” صار سهلاً على لسانك.

نظر إليها، ثم قال:

ـ وماذا أقول لطفل يعيش في بيتي؟ “أيها النزيل”؟

ـ لم أقل هذا… لكن لا تنسَ أننا لم نتحدّث عن بقائه معنا إلى متى.

ـ وهل يُفترض أن نحدّد له تاريخ انتهاء كما نفعل مع كراء البيت؟

هكذا بدأت المناقشات بينهما تأخذ شكلًا جديدًا: ليست فقط حول المصاريف أو التعب، بل حول معنى أن يعود “ظلّ زواج قديم” إلى البيت في هيئة طفل.

سعاد كانت تخاف من أن تُخنق في دور “المرأة الثانية” إلى الأبد:

ـ عندما تزوجتك، قلتَ إن الماضي انتهى. الآن، يعود بعضه ويمشي في ممرات بيتي.

ـ الماضي لا يعود، يا سعاد. هذا ليس “ماضيًّا”، هذا حاضر طفل لا ذنب له.

ـ أعلم أنه لا ذنب له… لكن ذنبه سقط في حجري أنا.

في المغرب، كانت فاطمة تحاول أن تقنع نفسها بأن قلبها خفّ بعد أن “أعادت الأمانة”. البيت فعلاً صار أقلّ اكتظاظًا، المصاريف أخف، لكنها في الليل، حين تسمع صوت يوسف يسأل:

ـ أين يونس الآن؟

تشعر بوخزةٍ لا تُنكر. تجيبه:

ـ في بيتٍ آخر… ربما يكون خيرًا له.

لكنها تعرف أن “ربما” هذه لا تُطمئن أحدًا.

أما يونس، فقد وجد نفسه مرة أخرى في منزلٍ مرتبط باسم “أب” لا يعرف كيف يضعه في قاموسه. تذكّر شيئًا فشيئًا أيامه الأولى مع زينب: كيف كان رضا يجلس أمام التلفاز، كيف كان يعدّل له مقعده أحيانًا، كيف كان يشتري له حلوى دون مبالغة، وكيف اختفى فجأة في يومٍ لم يشرح له أحد سببه.

الآن، يعود إلى المكان ذاته تقريبًا، لكن بدون زينب، ومع امرأة أخرى تنظر إليه وكأنه ضيف خفيف لم يُحسم بعد إن كان سيبقى أو يرحل. لم يجرؤ أن ينادي رضا “أبي”، لا بالفطرة ولا بالعادة. كان يخاطبه بـ”سي رضا”، كأنه جارٌ كريم لا ربّ بيت.

بدأت المشاكل تطفو على السطح شيئًا فشيئًا. سعاد ترى يد رضا تمتدّ تلقائيًا إلى طبق يونس لتزيده قطعة، بينما تظل يدها هي حذرة في الميزان. ترى ابتسامة رضا الناعمة حين يراه يقرأ، فتشعر بأن هذا الطفل يأخذ من حنان كان يجب أن يُدّخر لطفلٍ لم يولد بعد أو قد لا يولد.

وفي لحظة انفعالٍ صريح، قالت له ذات ليلة:

ـ أنت تحاول إصلاح ما تشعر به من ذنب تجاه زينب، على حسابي أنا.

ـ أنا أحاول فقط ألا أكرر أخطاءً سابقة.

ـ أخطاؤك السابقة… لم أشارك فيها. لكنّي أدفع ثمنها الآن.

يونس، وإن لم يسمع كل الحوارات، كان يسمع كفاية. الأبواب وإن أُغلقت، الجدران لا تمنع تسلل الكلمات الحادة: “ليس ابنك”، “مشاكل”، “مصروفات إضافية”، “ماضٍ يعود”. في لياليه، بدأت الأحلام تتغيّر: لم يعد فقط يرى المستوصف والنعش والطائرة، بل صار يرى بابًا يُفتح في بيت رضا، تخرج منه زينب حاملاً طفلاً صغيرًا، تنظر إليه، ثم تعبر من جانبه دون أن تلمسه.

في فرنسا، لم يكن أحدٌ يدري أن فاطمة نقلت الحِمل من كتفها إلى كتف رضا. زينب ما زالت تعتقد أن ابنها ينام في غرفةٍ ضيقة قرب يوسف، وأن فاطمة تراقب نومه. محاولاتها لشرح وضعها المالي، لخجلها، لم تصل إلى كلامٍ مباشر، ولم يصلها من فاطمة خبر عن الخطوة الكبيرة التي اتخذتها. كان الصمت يملأ الفراغ بينهما، وكل واحدة تفترض عن الأخرى ما تريد أن تصدقه.

محمد، الذي بدأ يستسلم لفكرة “الابن القادم”، نادراً ما يذكر اسم يونس الآن، كأن الحكاية أخذت مسارًا خاصًا بها بعيدًا عن يديه. لم يسأل كثيرًا: “أين هو بالضبط؟” اكتفى بأن يعرف أنه “عند فاطمة”، ولم يلاحق التفاصيل، ربما لأنه، في العمق، لم يعد يريد أن يرى الصورة كاملة.

في بيت رضا، بدأت الأسئلة العملية تظهر:

ـ هل نسجّل يونس في مدرسة الحيّ هنا بشكل رسمي؟

ـ ومن سيكون ولي أمره؟

ـ هل نُخبر الإدارة أنه “ابن أخت” أم “طفل مكفول” أم…؟

القانون مرة أخرى يتسلّل بينهم. سعاد تخاف من أي ورقة تربط بيتها رسميًّا بطفلٍ ليس لها ولا لرضا، ورضا يحاول أن يخفّف:

ـ لن نكذب… نقول إنه في كفالتي مؤقّتًا، ريثما تُحسم أموره.

تسأله بنبرة مختنقة:

ـ ومتى تُحسم “أموره”؟ أنت لا تعرف… هذه “مؤقّتًا” قد تبلع عمرنا.

وسط كل هذه الحسابات، يظلّ يونس يمشي على أطراف أصابعه، يحاول ألا يُثقل على الأرض. في الصباح، يذهب إلى مدرسة جديدة في المدينة، يُسجّل فيها كـ”تلميذ منتقل”، لا أحد يسأل كثيرًا عن تفاصيل حياته، لكنّ اسمه في لائحة النداء يبدو غريبًا بين أسماء أخرى. في الفسحة، يجلس في ركن، يراقب المجموعات المتشكّلة، يحاول أن يجد لنفسه مكانًا بين أطفالٍ لم يعرفوا عن لدغات الأفاعي ولا عن الأبواب الخلفية للمستشفيات شيئًا.

في الليل، وهو على فراشٍ جديد، يهمس لنفسه قبل النوم:

ـ كم بيتًا عليّ أن أمرّ به قبل أن أستقر؟ كم أبًا وأمًّا وعائلة يجب أن أجرّب قبل أن أعرف أين أنتمي؟

بدأ رضا يواجه شبح ماضٍ عاد في صورة صبيّ يجلس في صالونه، سعاد تقف بين خوفها من الظلّ القديم ورغبتها في حماية بيتها الصغير من الانقسام، فاطمة تحاول أن تقنع ضميرها أنها لم “تتخلَّ” عنه، بل “أعادته” إلى من يتوجب عليه تحمل مسؤوليته، وزينب في فرنسا تضع يدًا على بطنٍ تحمل حياة جديدة، وتظن أن ابنها القديم ما يزال في مكانه الأول عند جارتها.

أما يونس، فما زال في منتصف الطريق: لا هو في القرية التي ولد فيها، ولا في بيت زينب ومحمد كما وُعِد، ولا مستقرٌّ تمامًا في بيت رضا. يمشي في مسارٍ متعرّج ترسمه اختيارات الكبار، بينما خبَرٌ واحد أو مكالمة واحدة، متى ما وصلت إلى فرنسا أو إلى هذه المدينة، قد تُفجر كل ما بُني فوق هذا الأساس الهش، وتقلب الحكاية رأسًا على عقب من جديد.

 

يتبع…