“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.
الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.
عودة يونس إلى بيت رضا لم تكن عودةً كاملة؛ كانت أشبه بإقامةٍ على حافة العتبة. كل شيء في البيت يذكّره بأنه جاء من قبل: رائحة الصالون، شكل النافذة، صوت السلالم، حتى موضع التلفاز. لكنه في تلك المرة الأولى كان محمولاً على موجة وعدٍ ناعم: “هنا بيتك الجديد”، أما الآن فقد جاء على حرف جملةٍ غير مكتملة: “إلى أن نجد حلاً.”
تعايشه مع رضا وسعاد أخذ شكلاً حذرًا. هو لا يطلب شيئًا زائدًا، يحاول أن يسبق السؤال بجواب: ينهي واجباته دون أن يُذكَّر، يرتّب فراشه، يُساعد فيما يطلب منه. يتعلم سريعًا عادات البيت: أن التلفاز يُطفأ بعد نشرة الأخبار، أن سعاد لا تحبّ أن ترى الأحذية مبعثرة عند الباب، أن رضا يفضّل الصمت حين يعود متعبًا، لا الأسئلة المتلاحقة.
ورغم ذلك، كان يشعر طوال الوقت أنه يمشي فوق أرضٍ مائلة، أي حركةٍ خاطئة قد تسرّع انزلاقه إلى خارج البيت من جديد.
رضا، في البداية، حاول أن يتعامل مع وجوده كاختبارٍ لرجولته ومسؤوليته:
ـ لن أتهرّب هذه المرة.
كان يقول لنفسه. “هذا الطفل مرّ من يديّ مرة، وتركته. إذا تركته الآن مرة أخرى، لن أجد لنفسي عذرًا أمام الله ولا أمام نفسي.”
لكنّ الأيام كانت تُثقل هذا العزم. سعاد لم تُخفِ ضيقها، وإن حاولت أن تغلّفه بكلماتٍ هادئة. كلما رأت رضا يجلس مع يونس قليلاً، يشرح له مسألة، أو يبتسم لجوابه، كان شيء في داخلها ينقبض:
ـ هذا الحنان… كان يجب أن يكون لأول طفل نرزق به، لا لطفلٍ جاء من حياةٍ لم أكن فيها.
الخلافات بينهما بدأت من تلميحات صغيرة. في إحدى الليالي، بعد أن نام يونس، قالت سعاد وهي تضع الأطباق في المطبخ:
ـ هل فكرت يومًا في أن نسافر نحن أيضًا؟
تفاجأ:
ـ إلى أين؟
ـ لا أدري… مدينة أخرى، بلد آخر، أي مكان نبدأ فيه من جديد، بلا ذكرياتٍ معلّقة.
فهم ما تقصده:
ـ تقصدين… مكانًا لا يكون فيه يونس.
ـ أقصد مكانًا لا تلاحقنا فيه ظلال اختياراتك القديمة.
ـ هو ليس “ظلًّا”، هو جسد وروح.
التفتت إليه:
ـ جسد وروح… لكنه ليس لك. ولا لي.
لم تكن قسوتها ناتجة عن شرّ داخلي، بل عن خوفٍ تراكَم: خوف من أن يظلّ زوجها مشدودًا إلى ما قبلها، ومن أن يُكتب عليها أن تبقى دومًا “المرأة الثانية” أمام طفلٍ واحد يحمل تاريخ علاقة لم تكن جزءًا منها.
في المقابل، كان رضا يعيش ضغطًا آخر: عملٌ لا يعصمه من الفقر، زواجٌ بدأ يتصدّع تحت ثقل الأسئلة، وطفلٌ في البيت يحتاج إلى أكثر من سقفٍ وطعامٍ ليشعر بالأمان.
في النهار، حين يخرج رضا إلى عمله، يبقى البيت لسعاد ويونس. تحاول أن تتعامل معه كواحد من الأولاد في الحيّ: تعطيه قائمة مهامّ صغيرة، تراقب دراسته، تحذّره من التسكّع في الشارع. لكنه، رغم كل محاولاتها، لم يدخل قلبها كما يدخل ابنٌ متخيَّل.
مرةً، وجدته في المطبخ يملأ كأس ماء، لاحظت أنه ترك القارورة نصف مفتوحة، قالت بحدّة زائدة عن الموقف:
ـ ألم تتعلّم أن تغلق الأشياء كما تفتحها؟
اعتذر خجلاً:
ـ نسيت…
لم تكن المسألة في الماء، بل في التوتّر المتراكم. شعرت أنه “نسي” شيئًا أكبر من القارورة: مكانه المؤقت في بيتها.
يونس، كعادته، ترجم هذه المواقف على طريقته. لم يُسجّلها كقضية ضده، بل كدليل على أن وجوده يربك التوازن، حتى لو لم يقصد. صار أكثر حذرًا: يغلق كل شيء بإحكام، يراجع كل حركة، يقيس كلماته. في الليل، يهمس لنفسه:
ـ لو كنتُ شفّافًا… لا يراني أحد، ربما كانوا أكثر راحة.
في فرنسا، كانت حياة زينب ومحمد تسير نحو حدث كبير: اقتراب موعد الولادة. الزيارات إلى الطبيب تكثّفت، تجهيزات صغيرة بدأت تظهر في الشقة: سرير خشبي صغير، ملابس بحجم كفّ اليد، زجاجة رضاعة ظلت فارغة لكنها حاضرة كرمز.
مع كل قطعة جديدة تُضاف، كانت صورة يونس تتحرّك في ذهن زينب كظلٍّ على الحائط:
ـ هل سيرى هذه الأشياء يومًا؟ أم ستبقى حبيسة صورٍ أرسلها له في هاتفه من بعيد؟
أما محمد، فكان تركيزه يميل أكثر فأكثر إلى القادم: اختيار اسم، التخطيط لإجازة ما بعد الولادة، حسابات جديدة للميزانية. ملف يونس، وإن لم يُغلق رسميًّا، صار في رفٍّ أعلى قليلًا، لا تصل إليه يده كل يوم كما كان من قبل.
في هذه الأجواء، نما داخل رضا شعورٌ ثقيل بأنه “محاصر”: من جهة، بيتٌ يزداد توترًا، وزوجة تشعر أن وجود يونس يهدّد استقرارها العاطفي والنفسي، ومن جهة أخرى، ضميره الذي يذكّره بأنه المسؤول الأخير الذي يمكنه أن يمسك بالولد قبل أن يتدحرج إلى هاويةٍ لا تُرى.
بدأت تراوده فكرة مظلمة، كان قد دفنها في عمق ذاكرته: الرجل الذي جاء يومًا إلى المستشفى، إلى الممرّ الخلفي، إلى غرفةٍ بلا اسم، ليحمل أمناي ـ الذي صار يونس ـ بعيدًا عن أهله.
ذلك الرجل، الذي لم ينسَ وجهه تمامًا، كان قد ظهر في حياته هو الآخر. لم يلتقيا مباشرة، لكن رضا سمع عنه في سياقاتٍ متفرّقة: “مسؤول نافذ”، “رجل أعمال في الظلّ”، “شخص يقضي الحاجات لمن يدفع الثمن.”
في ذلك الزمن القديم، قبل أن يدخل يونس بيت زينب ورضا، كان هذا “الرجل” اسماً في هامش الحكاية: مَن اشترى الطفل ليُسلمه إلى المدينة. رضا لم يكن شريكًا في تلك الصفقة، لكنه علم بها لاحقًا، وعلم أن هذا الباب الخلفي الذي دخل منه الطفل إلى حياة آخرين بقي مفتوحًا دوماً لمن أراد أن يمرّ منه.
مع تراكم الضغوط، بدأت الفكرة تتسلّل إليه:
ـ ماذا لو أعدته إلى من اشتراه أول مرة؟
لم يكن يفكّر بها كجملة كاملة في البداية؛ كانت تظهر في شكل شظايا: “هو يعرف كيف يتصرّف مع هذه الحالات”، “هو يملك المال، والوسائط”، “ربما يجد له مكانًا في بيتٍ آخر، في بلدٍ آخر.”
كان يُقنع نفسه أنه بذلك “ينقل المسؤولية” إلى من بدأها، لا “يتخلّى”. لكنّ قلبه لم يصدّق هذا التخفيف بسهولة.
في إحدى الليالي، ازدحم النقاش بينه وبين سعاد أكثر من المعتاد. كانت قد سمعت من الجيران همسًا عن “الولد الذي عاد” إلى بيت رضا، عن “ابن زينب القديم”، عن “الحكاية التي لم تنتهِ”. المجتمع لا يترك القصص تنام؛ يعيد إيقاظها كلما رأى بطلاً يعود إلى المسرح.
قالت له بغضبٍ مكبوت:
ـ الجيران بدأوا يتكلمون.
ـ ومتى توقّف الناس عن الكلام؟
ـ يتساءلون: لماذا عاد الطفل إليك؟ ما علاقتك به الآن؟ ماذا تقول لهم؟
ـ أقول الحقيقة: أنه ولد مكفول، وأنني أحاول ألا أتركه في الشارع.
ـ والشارع، أحيانًا، يكون أهون من بيتٍ ينهار بسببه.
نظر إليها طويلاً:
ـ بيتٌ ينهار بسبب طفل لا ذنب له… كان أساسه هشًّا من البداية.
جملته أصابتها، لكنها لم تتراجع:
ـ ربما… لكنّي لن أُجازف بكل شيءٍ من أجل شخصٍ لم أدخله حياتي أنا. أنت من فتح له الباب، وأنت من يجب أن يغلقه إن أردت.
في اليوم التالي، في طريقه إلى العمل، لم يستطع رضا أن يُسكت صوتًا داخليًّا يهمس:
ـ هناك من يعرف كيف “يغلق الأبواب” بأقلّ خسائر ظاهرية.
كانت إشارة إلى ذلك الرجل النافذ، الذي لم ينسَ رقم هاتفه القديم أو على الأقل طريق الوصول إليه عبر وسيط.
في المغرب، وبينما هذه الأفكار السوداء تنضج في ذهن رضا، كان يونس يحاول، كما فعل دومًا، أن يلتقط السكينة من الفتات: ضحكة عابرة مع طفلٍ في المدرسة، نسمة هواءٍ على شرفة البيت، صوت مؤذن الحيّ الذي يُشبه قليلاً صوت المؤذن في قريته الأولى.
لكن حتى هذه اللحظات لم تعد كافية لمحو شعوره المتزايد بأنه “زائد” في كل المعادلات. كان يرى الخلافات تتصاعد بين رضا وسعاد، حتى لو لم تُذكر اسمه صراحةً أمامه. يسمع الكلمات المفتاحية تتكرر: “الولد”، “المسؤولية”، “لا نستطيع”، “ماذا عن مستقبلنا؟”
وفي الليل، وهو يستلقي على فراشٍ يختلف عن فراشه عند فاطمة، كما اختلف عن فراشه عند زينب، يفاوض نفسه:
ـ لو كان لي ذنب في وجودي، لقبلت العقاب. لكنّي… فقط هنا.
في فرنسا، كانت حياة زينب على وشك أن تنقلب بحدث الولادة، دون أن تدري أن على الضفة الأخرى من البحر، هناك من يُفكر في إعادة ابنها مرة أخرى إلى الباب الذي خرجت منه حكايته أول مرة: ممر ضيق، وسريرٌ بلا اسم، ورجلٌ بعباءةٍ داكنة ينتظر أن تُسلَّم إليه “بضاعة بشرية” أخرى.
رضا لم يرفع الهاتف بعدُ، لكنه بدأ يفتّش في ذاكرته عن الخطوات الأولى: من يعرف رقم ذلك الرجل؟ أين يمكن أن يجده؟ من يتوسط؟ كان يشعر أن كل جواب يقترب منه هو خطوة إضافية نحو حافةٍ يخشاها، لكنه يراها، تحت ضغط الخوف من انهيار بيته، حلاً لا مفرّ منه.
وهكذا، شيئًا فشيئًا، بدأت فكرة “التخلّي” عن يونس تخرج من خانة الكوابيس إلى خانة “الخيار المطروح”. خيارٌ إن تمّ، لن يعيد فقط دائرة البيع الأولى، بل سيضيف إلى حكاية الطفل طبقة جديدة من الفقد، قد تجعل جملة “باعوه” تتكرر في حياته أكثر من مرة، بأيدٍ مختلفة وذرائع مختلفة، بينما هو، في كل مرة، لا يفعل شيئًا سوى أن يُسلّم جسده وذكرياته لحسابات الكبار.
يتبع…