“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.
الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.
لم يعلن رضا قراره بصوتٍ عالٍ في لحظة واحدة، بل تسرّب من داخله إلى خارجه على هيئة أفعال صغيرة، حتى صار أمرًا واقعًا لم يبقَ ينقصه إلا التنفيذ. في الليالي الأخيرة قبل أن يحسمه، كان ينهض من فراشه أكثر من مرة، يذهب إلى المطبخ يشرب ماءً لا يطفئ عطشًا، يعود فيجد يونس مستغرقًا في نومٍ مضطرب، يتقلب كما لو أن جسده يلتقط، من دون وعي، ذبذبات القرار الذي يُصاغ فوق رأسه.
أول خطوة كانت استحضار ظلّ الرجل الذي بدأ الحكاية. لم يعد رقم هاتفه في جيب رضا، لكن أثره بقي في ذاكرة المدينة: “الحاج” الذي “يعرف الناس”، الذي “يمرّر الملفات”، الذي “يرتب أوضاع من لا وضع لهم”. وصل إليه عبر وسيطٍ قديم: صاحب مقهى كان يسمع همسات الزبائن، يعرف من يتردد على من، يلتقط الأسماء التي تمرّ خفيفة في الكلام.
جاءه رضا مترددًا، طلب الحديث على انفراد. جلسا في ركن المقهى، ارتشفا الشاي في صمتٍ قصير، ثم قال الرجل:
ـ مضى زمن طويل يا رضا… لم أرك.
ابتلع رضا ريقه:
ـ الزمن يمرّ… لكن بعض القصص لا تنتهي.
ـ عن أي قصة تتحدّث؟
تردّد للحظة، ثم قال الكلمة التي ظنّ أنه دفنها:
ـ عن الطفل… الذي جاء من المستشفى يومًا.
تغيّرت ملامح الوسيط قليلاً، لم ينكر معرفته:
ـ نعم… كانت أيامًا مختلفة.
ـ الحاج… الذي جلب الطفل أولاً… هل ما زال في البلد؟
نظر إليه نظرة فاحصة، كمن يقدّر خطورة السؤال:
ـ ولماذا تسأل؟
ـ لأن الولد… عاد إليّ.
هنا، أدرك الوسيط أن الحكاية عادت تدور. قال بهدوء:
ـ إذا عاد إليك… فلماذا تريد أن تُعيده إليه؟
لم يجب رضا مباشرةً. تنهد، شرح بطريقة مقتضبة: بيتٌ يضيق، زوجةٌ لا تقوى، طفلٌ على عتبة مراهقة، ملفّات قانونية مستحيلة، مسؤولية لم يعد يشعر أن كتفيه ستتحمّلها وحدها.
الوسيط، الذي تعوّد أن يرى الناس يلجؤون إلى “الحلول الخلفية” حين تضيق بهم السبل، لم يتفاجأ كثيرًا:
ـ يمكن أن أبعث له برسالة. لكن اعلم… الحاج ليس ممن يفعل هذا صدقةً لوجه الله.
ـ أعلم.
ـ قد لا يهتمّ… وقد يبعث بمن “يرى” الولد. إن رأى فيه فائدةً لصفقةٍ جديدة، سيأخذه. إن لم يرَ، سيتركه عندك.
ـ أريده أن يذهب… حيث لا أسمع اسمه في بيتي.
ـ وما دام قلبك لا يسمع اسمه، لن يطول بك الأمر معه هنا.
خرج رضا من المقهى بقلبٍ أثقل، لا أخف. كان قد فتح بابًا يعرف أنّه مظلم، لكنه بدأ يقتنع، تحت ضغط صراخ سعاد المكتوم وخوفه من انهيار البيت، أن المضيّ في هذا الطريق “أهون الشرّين”.
في الأيام التالية، صار أكثر صمتًا مع يونس، كأنّه يدرّب نفسه على غيابه القادم. يونس، بدوره، التقط التغيّر: لم تعد الأسئلة عن يومه كثيرة، ولم تعد اللمسات العارضة على كتفه تحدث. البيت صار أكثر برودة، حتى لو لم يتغيّر فيه شيء من الأثاث.
اللحظة الفاصلة جاءت في مساءٍ ثقيل. كان يونس عائدًا من المدرسة، حقيبته على ظهره، وحبر على أصابعه من قلمٍ انفجر في جيبه، رأسه مشغول بمسألة رياضيات تحيّره. وجد رضا جالسًا في الصالون بثيابٍ أنيقةٍ أكثر من العادة، سعاد تتحرك في المطبخ بهدوء حذر، كأنّ في البيت “ضيفًا” غير مرئي.
قال له رضا:
ـ غيّر ثيابك يا يونس… سنخرج قليلاً.
سأل بعفوية:
ـ إلى أين؟
ـ زيارة… لرجل يعرف قصتك من قبل.
شعر الصبي بانقباضٍ مبهم، لكنّه لم يجرؤ على الرفض. صعد إلى الغرفة، غيّر قميصه، غسل يديه، نظر في المرآة نظرةً سريعة: رأى وجهًا لا يعرف إن كان يستعدّ لزيارةٍ عادية أم لانتقالٍ جديد.
في الطريق، لم يتحدث رضا كثيرًا. كان يقود سيارته القديمة ويمسك المقود بقوة زائدة، كأنّه يخشى أن تنحرف عن الطريق، أو كأنه يخشى أن يغيّر رأيه ويعود أدراجه. يونس يراقب الشوارع من النافذة: مبانٍ متقاربة، محلات، وجوهٌ لا تُعنى بحكايته، سماء رمادية.
قلبه يدقّ بإيقاع أسرع من المعتاد، حدسُه يخبره أن هذه ليست “زيارة عادية”. تذكر فجأة طريق المستوصف يوم اللدغة، طريق المدينة يوم أُخرج من المستشفى في بطانيةٍ خشنة، طريق المطار حين غادرت زينب. أدرك أن الطرق التي لا يُشرح له مقصدها تنتهي غالبًا إلى تغيير مكانه.
وصلوا إلى حيّ مختلف عن حيّ رضا: شوارع أوسع قليلاً، بيوت عالية حديثة، مداخل نظيفة أكثر مما تعوّد عليه. أوقف رضا السيارة، التفت إليه وقال بجملة حاول أن يجعلها طمأنة:
ـ الرجل الذي سنراه… كان سببًا في مجيئك إلى المدينة أول مرة.
ارتبكت أنفاس يونس:
ـ إلى بيت زينب؟
ـ إلى هناك… ومن هناك، إلى هنا.
ـ ولماذا أراه الآن؟
ـ ربما… ليساعدنا في إيجاد مكانٍ أفضل لك.
“مكان أفضل”… الجملة تكررت في حياته بصيغٍ مختلفة، لكنها لم تعنِ يومًا ما كانت تعنيه في ألسنة الكبار.
دخلوا عمارة بمدخل واسع، حارسٌ عند الباب يحيِّي رضا بنظرة يعرف فيها أنه “لم يأتِ من فراغ”. صعدوا في مصعدٍ لأول مرة يركبه يونس منذ زمن طويل، شعر ببطنه يهبط قليلاً وهو يصعد، كأنّه يختبر ترجمة جسدية لتغيّر المستوى في حياته.
عند باب شقة في طابق عالٍ، وقف رضا لحظة يتنفّس، ثم ضغط على الجرس.
فتح الباب رجل في منتصف العمر، ملامحه ملساء رغم الشيب الخفيف، عيناه ثابتتان أكثر مما يجب، يده تحمل سوارًا ذهبيًّا يلمع. نظر إلى رضا أولاً، ابتسم ابتسامة مهنية:
ـ مضى زمن…
ثم تحوّلت عيناه إلى يونس، مسح ملامحه بنظرةٍ واحدة، كمن يفحص بضاعةً معروضة. لم يسأل من هو؛ كان يعرف نوع الزيارات التي تأتي مع أطفالٍ بهذه الطريقة.
دخلوا. الصالون مرتب، أثاثه دافئ، روائح طعامٍ خفيف تتسلل من المطبخ. أشار لهم بالجلوس، جلس رضا، بينما ظل يونس واقفًا للحظة، قبل أن يجلس على طرف الكنبة، حقيبته في حجره كدرعٍ صغير.
بدأ الحديث بين الرجل ورضا بلغة الكبار:
ـ سمعتُ أنك… استرجعت الولد.
ـ لم أسترجعه، بل وُضع بين يديّ من جديد.
ـ ومن وضعه؟
ـ جارة زينب… تعرف الحكاية.
ـ وزينب نفسها…؟
ـ في فرنسا… حامل، على وشك الولادة.
ابتسم الرجل ابتسامة فيها بعض السخرية:
ـ إذًا صارت لها حياة جديدة.
ثم أضاف بنبرة عملية:
ـ وماذا تريد مني الآن؟
تردّد رضا، ثم قال بصراحةٍ مُرة:
ـ لا أستطيع أن أحتفظ به.
رفع الرجل حاجبًا:
ـ هكذا ببساطة؟
ـ ليس الأمر بسيطًا، لكنه حقيقة. زوجتي… لا تقوى، ظروفي… لا تسمح. لا أريد أن ينهار بيتي.
ـ وبيتك اليوم أثمن من بيت زينب القديم الذي تقاسمته معها ومعه؟
لم يجب رضا.
الرجل لم يكن معنيًّا بالجراح الأخلاقية. سأل مباشرة:
ـ ما الذي تريده بالضبط؟
ـ أن… تأخذه. كما فعلتَ أول مرة.
نظر الرجل إلى يونس مجددًا، فسحة صمتٍ قصيرة بينهما، ثم قال:
ـ الأزمان تغيّرت يا رضا. ما كان يُفعل في الخفاء صار مكشوفًا أكثر. السوق ليست كما كانت، والأنظار أكثر.
ـ أعلم… لكنّك ما زلت تعرف الأبواب التي تُفتح.
ـ وربما لا أريد أن أفتحها الآن.
قالها كمن يذكّر رضا بأن هذه “الخدمات” لم تعد خالية الثمن ولا الخطر.
يونس، وإن لم يفهم كل الكلمات، التقط الجوّ: كان يجلس في وسط حديثٍ يحدّد مصيره، كما حدث في غرفة الطبيب، وفي مكتب الموظف، وفي صالون محمد وزينب. لكنه هذه المرة أكبر قليلًا، يفهم أن تعبيرات الوجوه ليست خلافًا عابرًا، بل هي مفترق طرق.
شعر أن الهواء ثقيل، أن الكرسي تحته صلب أكثر مما ينبغي. أراد أن يسأل: “لماذا تتحدثون عني بصيغة الغائب وأنا هنا؟” لكنّ لسانه بقي مربوطًا بحبل الخوف.
الرجل رفع كأس عصيرٍ إلى فمه، ارتشف رشفة، ثم قال لرضا:
ـ سأفكّر.
ـ الوقت لا ينتظر.
ـ وأنا لا أتحرك تحت الضغط. هناك حسابات… إن قررتُ أن أُدخله في لعبةٍ جديدة، يجب أن أرى فيها مكسبًا واضحًا، لا عبئًا.
التفت إلى يونس، سأل لأول مرة بصوتٍ مباشر:
ـ كم عمرك الآن؟
ـ لا أدري بالضبط… حوالي أربعة عشر.
ـ تدرس؟
ـ نعم.
ـ وكيف دراستك؟
ـ جيدة.
هزّ الرجل رأسه، كما لو كان يقيّمه:
ـ ليس صغيرًا بما يكفي ليُربّى من جديد، ولا كبيرًا بما يكفي ليُستثمر فورًا. لابد من مرحلة انتقالية.
كلمة “يُستثمر” لم يفهمها يونس، لكنها تركت في نفسه قشعريرة غامضة. أدرك أنه يُقاس الآن بمعيارٍ آخر غير “ابنٍ يحتاج إلى بيت”.
حين خرجا من عند الرجل، كان المساء قد بدأ يميل إلى العتمة. سارا في الممرّ، رائحة منظّف الأرضيات تملأ المكان. في المصعد، ساد صمتٌ ثقيل حتى على الجدران.
قطع يونس الصمت بصوتٍ خافت:
ـ من هذا الرجل؟
ـ شخص… كان له دور في قصتك القديمة.
ـ هل… سيأخذني منك؟
لم يكن رضا مستعدًّا للكذب، ولا قادرًا على قول الحقيقة كاملةً. قال جملة مُعلّقة:
ـ لا أعلم بعد.
شعر يونس بأن “لا أعلم” هذه أخطر من أي “نعم” أو “لا”.
في الأيام التالية، عاد رضا إلى بيته وجسده معه، أما تفكيره فظلّ معلّقًا في تلك الشقة العالية. ينتظر اتصالاً أو إشارة من الرجل: قبول، رفض، عرض، أو حتى تحذير. سعاد لم تسأل عن التفاصيل، لكنّها شعرت أن شيئًا يتحرّك خلف الستار: رضا أكثر توترًا، يونس أكثر صمتًا، والبيت كلّه كأنّه يحبس أنفاسه.
على الضفّة الأخرى من البحر، كانت زينب تتهيأ لولادة طفلها، لا تدري أن على ضفةٍ أخرى، في مدينةٍ أخرى، يجلس ابنها الأول في غرفةٍ صغيرة، يحسب، من دون أوراق، كم مرّة سُمِّر اسمه على طاولة قراراتٍ لم يكن حاضرًا حولها.
رضا من جانبه، كان يدرك أنّه إن مضى في هذا الطريق، فلن يكون “ضحية الظروف” فقط، بل طرفًا فاعلاً في إعادة إنتاج الظلم الذي بدأ من المستوصف. ومع ذلك، كان يسمع في رأسه صوتًا آخر يقول له:
ـ “أنقِذْ ما يمكن إنقاذه”… أنقذ بيتك، زواجك، توازنك.
تكررت الجملة التي قيلت يومًا للطبيب الشاب في المستشفى، لكن هذه المرّة، لم تكن تتعلق بقلب طفل يتوقف، بل بقلب رجلٍ يخشى أن يتشظى بين ماضٍ لا يُغلق وحاضرٍ لا يستقر.
في مكانٍ ما، على طاولةٍ في شقة الرجل النافذ، كان ملف غير مكتوب يُفتح في ذهنه: “فتى في الرابعة عشرة، له ماضٍ قابل للاستغلال، حاضر هشّ، ومستقبل يمكن توجيهه.”
لم يحسم هو أيضًا قراره بعد؛ لكنه ـ بطريقته ـ بدأ يفكّر: إن دخل هذا الصبي في دائرته، فلأي غرض؟ عمل؟ هجرة غير شرعية؟ خدمة في بيتٍ كبير؟ استثمار في تجارةٍ رمادية؟
أيًّا كان اختياره، سيكون فصلًا جديدًا في حكاية يونس، فصلاً لا ينطلق من حقلٍ في قرية، ولا من سريرٍ في بيت زينب، بل من مائدة رجلٍ يحسب مصائر الناس كما تُحسب الأرباح والخسائر.
وهكذا، بينما يونس يستيقظ كل صباحٍ إلى مدرسةٍ جديدة، يحاول أن يكتب اسمه بخطٍّ واضح على دفاتره، كانت يدٌ أخرى تفكّر: هل تمحو هذا الاسم من هذا البيت مرة أخرى، لتكتبه في مكانٍ آخر، على ملفٍ آخر، في بلدٍ آخر؟
القرار لم يُتخذ بعد، لكن الريح التي هبّت من ماضي المستوصف عادت تهزّ أشرعة الحكاية، مهددةً بأن تقلبها من جديد، قبل أن يتذوق الطفل طعم الاستقرار الذي ظلّ يعد نفسه به منذ أن فتح عينيه على سقفٍ لا يعرف إن كان “سقفه الأخير”.
يتبع…