وجهة نظر

اللائكية الفرنسية: بين حياد مُعلَن وإقصاء مُموَّل

وُلدت اللائكية الفرنسية كفكرة تحريرية تهدف إلى فصل الدولة عن الكنيسة وضمان حياد الفضاء العام. لكن مسارها التاريخي قادها إلى مفارقة صارخة: تحوّلت من ضامن للحياد إلى أداة لإقصاء ديني مُموّل من الجميع.

ففي المشهد الفرنسي اليوم، تُضاء المدن بملايين المصابيح وتُزيَّن الساحات العامة بأشجار الميلاد العملاقة ومجسمات المهد، بتمويل عمومي ضخم. هذه المظاهر، التي تنتمي في أصلها إلى التقليد المسيحي، تُقدّم رسمياً على أنها جزء من “التراث الثقافي والعلماني” للبلاد. لكن في المقابل، يُمنع الحجاب في المدارس الحكومية ويُحارب صوم التلاميذ المسلمين، بحجة الحفاظ على الحياد وحماية الأطفال من “الضغط الديني”.

هنا يطفو السؤال الجوهري: كيف يمكن لدولة تدّعي الحياد أن تمول وتحتفي برموز دينية لديانة واحدة، بينما تمنع وتجرّم رموز ديانة أخرى؟ أليست هذه ازدواجية تفرغ الحياد من مضمونه؟

المفارقة تتعمق عندما ندرك أن هذه الأموال تُقتطع من جيوب جميع دافعي الضرائب، بمن فيهم المسلمون والملحدون وأتباع الديانات الأخرى، لتمويل احتفالات تُقدّم على أنها “ثقافة محايدة”. بينما الممارسات الإسلامية الشخصية، مثل ارتداء الحجاب أو الصيام، لا تُكلف الدولة مالاً عاماً، ومع ذلك تواجه حظراً وتجريماً. بمعنى آخر، يدفع الجميع ثمن ترسيخ هوية ثقافية-دينية واحدة، بينما يُحرم البعض من ممارسة هويتهم باسم الحياد ذاته.

القوانين الفرنسية، مثل قانون حظر الرموز الدينية الظاهرة في المدارس الحكومية (2004) وقانون منع إخفاء الوجه في الأماكن العامة (2010)، غالباً ما تُطبّق بشكل يشعر معه المسلمون بأنهم المستهدف الرئيسي. ففي الوقت الذي تتحول فيه الكنائس والمظاهر المسيحية إلى “تراث” و”ثقافة”، يُنظر إلى المساجد والمظاهر الإسلامية على أنها مجرد “شعائر دينية” غريبة أو حتى تهديد للهوية العلمانية.

هذا يطرح إشكالاً عميقاً: لماذا تُقبل رموز دينية معينة في الفضاء العام بمجرد أن تُلبس ثوب “الثقافة”، بينما ترفض رموز أخرى حتى كتعبير عن الهوية الشخصية؟ أليس من حق المواطن المسلم أن يرى في حجاب ابنته أو في صيامه جزءاً من هويته الثقافية والدينية، كما يرى مواطنه الفرنسي في شجرة الميلاد رمزاً للبهجة والتقاليد؟

الصورة النهائية تبدو ساخرة: لائكية تخشى قطعة قماش على رأس فتاة، لكنها تتبارى في تزيين شجرة صنوبر بالأنوار. لائكية ترفع شعار الحياد، لكن مالها العام يُضيء الصليب ويُظلّم الهلال.

أنوار الميلاد تلمع في سماء فرنسا، مدفوعة من جيب كل مواطن. لكن ظلال الإقصاء تُخيّم على جزء من هؤلاء المواطنين أنفسهم، ممن يرون في ممارساتهم الدينية البسيطة هوية تُحاصر بدلاً من أن تُحترم. فإذا كان الحياد الحقيقي يعني تكافؤ الجميع في الحقوق والاحترام، أليست هذه اللائكية المطبقة بحاجة إلى مراجعة جذرية؟ أم أن “الحياد” نفسه قد تحول إلى أيديولوجيا تحمي هوية بعينها وتقصي أخرى؟