منذ فجرِ الدولِ الإسلاميةِ في المغرب، لم يكن العرشُ حكراً على ذكورِ السلاطينِ والأمراء. فلقد لعبت نساءُ القصور، من أمهاتٍ وزوجاتٍ وخليلاتٍ، دوراً فاعلاً، بل ومسيطراً في كثيرٍ من الأحيان، على دفةِ الحكمِ والقرارِ السياسي. هذه الظاهرةُ ليست مجردَ حكاياتٍ هامشيةٍ، بل هي صفحاتٌ قويةٌ في صُلبِ التاريخِ المغربي، تؤكدُ أن النفوذَ والذكاءَ السياسيَّ لا يرتديانِ بالضرورةِ عمامةَ السلطانِ أو برنوسه. كانت السيدةُ المنتفذة، أو الزوجةُ الحُرَّةُ، قوةً لا يُستهانُ بها، خاصةً في فتراتِ ضعفِ السلاطينِ أو صغرِ سنِّهم أو انشغالهم بالحروب.
ولعلَّ أبرزَ الأمثلةِ الساطعةِ هي السيدةُ الحرة، حفيدةُ القائدِ الأندلسيِّ المندثر، التي حكمت تطوانَ ومناطقَ الشمالِ في أوائلِ القرنِ السادسَ عشر (حوالي 1515-1542م) بكلِّ قوةٍ واستقلاليةٍ، وتزوجت بالسلطانِ الوطاسيِّ أبي العباسِ أحمد، لتُضيفَ نفوذَها الإقليميَّ إلى الشرعيةِ المركزية. لقد أصبحت عملياً شريكاً في القرارِ السلطاني، بل وتُجري المراسلاتِ باسمِها مع القوى الأوروبية، في تحدٍ واضحٍ للمفهومِ التقليديِّ لدورِ المرأةِ في القصرِ. هذه المرحلةُ وثقتْ كيفَ يمكنُ للمرأةِ أن تنتقلَ من دورِ الزوجةِ إلى دورِ الحاكمِ الفعلي والمفاوضِ الدوليِّ.
ثم ننتقلُ إلى العصرِ العلويِّ، حيثُ تتجلى ظاهرةُ قوةِ الحريمِ بوضوحٍ أكبر. ففي عهدِ السلطانِ المولى إسماعيل (1672-1727م)، ذلك السلطانُ القويُّ بجيشِهِ البخاريِّ وهيمنتهِ المطلقة، كانت هناك للا خديجة أم عزوز، التي لعبت دوراً محورياً في تنصيبِ الوزراءِ وعزلِهم، وفي إدارةِ شؤونِ القصرِ الداخليةِ والخارجية. كانت المراسيمُ تُمررُ عبرَها، وأخبارُ الدولةِ تُرفعُ إليها. وبعد وفاتهِ، ومع فترةِ الصراعِ على العرشِ المعروفةِ بـ”الفتنة”، برزت نساؤهُ وأمهاتُ الأمراءِ كصانعاتِ سلاطين، حيثُ كانت كلُّ أميرةٍ تدفعُ بابنِها نحو العرشِ مدعومةً بشبكةٍ من الموالينِ والوزراءِ والجيشِ.
في القرنِ التاسعِ عشر، ومع تزايدِ التدخلِ الأوروبيِّ، كانت الأمهاتُ الوصياتُ على السلاطينِ القُصّرِ هنَّ من يُدِرْنَ الدَّفَّةَ سراً، ويُعقدنَ الصفقاتِ الدبلوماسيةِ المعقدةِ. ففي فترةِ حكمِ السلطانِ المولى عبد العزيز (1894-1908م)، ومع صغرِ سنِّه، برزت نساءُ الحريمِ اللاتي كنَّ يُعتبرنَ مستودعَ أسرارِ الدولةِ، ويتحكّمنَ في تعيينِ الحُجَّابِ الكبارِ الذين يسيطرونَ على مواردِ الدولةِ وماليتِها. هذا النفوذُ لم يكن شرعياً أو رسمياً، بل كان نفوذاً خفياً ونافذاً يرتكزُ على العاطفةِ السلطانيةِ وشبكةِ المصالحِ داخلَ القصرِ والولاءاتِ العائليةِ.
إنَّ هذا الإرثَ التاريخيَّ العميقَ لنساءٍ نافذاتٍ، لا يزالُ صداهُ يترددُ في واقعِنا المغربيِّ المعاصرِ بأشكالٍ مختلفة. فالتاريخُ يذكرُنا بأنَّ المرأةَ المغربيةَ كانت دائماً، وفي أحلكِ الظروفِ، قادرةً على القيادةِ وصنعِ القرارِ السياسيِّ الاستراتيجيِّ، سواءٌ كان ذلك في القصرِ السلطانيِّ أو في مقاومةِ المستعمر. هذه السابقةُ التاريخيةُ تمنحُ الشرعيةَ والعمقَ لكلِّ المطالبِ الحديثةِ بـالمساواةِ في الحقوقِ السياسيةِ والوصولِ إلى مراكزِ القرارِ العليا في الإدارةِ والبرلمانِ، فالمرأةُ المغربيةُ ليست غريبةً عن إدارةِ شؤونِ الدولةِ. كما أنَّ تاريخَ نفوذِ نساءِ القصرِ يُظهرُ أنَّ القوةَ في الدولةِ لا تنبعُ فقط من المؤسساتِ الرسميةِ المُعلنة. ففي مغربِ اليوم، وعلى الرغمِ من التقدمِ الديمقراطيِّ، تظلُّ هناك شبكاتُ نفوذٍ وصناعُ قرارٍ يعملونَ بعيداً عن الأضواءِ، ويزخرُ المشهدُ بـنساءٍ قائداتٍ يمتلكنَ نفوذاً حقيقياً ويُؤثِّرْنَ في القراراتِ الكبرى، دونَ أن يكنَّ بالضرورةِ في أعلى الهرمِ الرسميِّ. إنَّ فهمَ هذا الإرثِ يفرضُ علينا اليومَ واجبَ دعمِ وصولِ المرأةِ إلى كلِّ المناصبِ، بشكلٍ علنيٍّ وشرعيٍّ، لتُمارسَ دورَها الذي مارستْه عبرَ القرونِ بقوةٍ، لكن هذه المرةَ تحتَ ضوءِ الشمسِ وفي إطارِ دولةِ المؤسساتِ والشفافيةِ.