تكشف بيانات المندوبية السامية للتخطيط حول التعليم والتكوين عن ثورة صامتة تقودها المرأة المغربية في فضاء المعرفة، لكنها ثورة غير مكتملة تصطدم بفجوات مجالية وطبقية عميقة. هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات إحصائية، بل نصوص سوسيولوجية تروي قصة الصراع بين مشروع التحديث التعليمي والبنيات التقليدية التي لا تزال تحكم تمثلات المجتمع لدور المرأة.
أولا: التأنيث التدريجي وانقلاب السلطة المعرفية
تشير المؤشرات التي صدرت عن المندوبية السامية للتخطيط في تقريرها الموسوم ب “المرأة المغربية في أرقام”، إلى انقلاب جنسي في التركيبة الطلابية بالمغرب. سواء على مستوى التعليم العالي ذو الاستقطاب المفتوح (الكليات) أو على مستوى المعاهد والمدارس العليا. فإذا كانت النسبة العامة تسجل حضور الفتيات بنسبة تفوق 50%، فإن الوقوف عند تفاصيلها يبين بوضوح هيمنة التأنيث على التعليم العالي. حيث بلغت نسبتهن في التعليم الثانوي 53.5%، مقابل 55.5%، بينما تجاوزر 63.8% على مستوى المدارس العليا والمعاهد. ولا شك أن هذا التفوق الكمي للمرأة على مستوى التعليم والتكوين يعكس تغيرين جوهريين: الأول تحول في علاقة النساء بالمعرفة من مجرد موضوع للتعيلم ينسجم ودورها التقليدي داخل البيت إلى ذات معرفية منافسة للذكور في التحصيل والولوج إلى التفوق عليهم. الثاني، انتقال من التعليم بما هو ترف اجتماعي إلى التعليم باعتباره مشروعا للتحرر يضع المرأة أمام آفاق وفرص لتحقيق التمكين الاقتصادي والاستقلال الرمزي. أما على المستوى السوسيولوجي فيمكن تفسير هذا التحول حسب منظور بورديو بما هو إعادة توزيع للرأسمال الثقافي لفائدة المرأة، في ظل مجتمع كانت فيه المعرفة حكرا على الذكور. كما أنه يهدد الهيمنة الذكورية التاريخية على الفضاء العام وإنتاج المعرفة.
ثانيا: المثابرة النسوية في الإتمام
يرصد التقرير مؤشرا آخر يكشف عن مفارقة مذهلة تعكس تفوق الفتيات، يتعلق الأمر بمعدل إتمام الدراسة، حيث بلغت نسبتهم ضعف ما عند الذكور (62.9% مقابل 36.4% بالسلك الثانوي التأهيلي)، أما على مستوى التعليم الثانوي الإعدادي فسجلن 78.9% مقابل 60.9% للذكور. في حين سجل معدل استكمال السلك الابتدائي 95.6% للفتيات مقابل 92.5%. ولا شك أن هذا التفوق النوعي ليس سره بيولوجياً بالدرجة الأولى، بقدر ما يمكن تفسيره سوسيولوجيا بامتياز، إذا استحضرنا كون الفتيات يواجهن ضغوطاً اجتماعية أكبر لإثبات جدارتهن بالتعليم في مجتمع لا يزال يشكك في قيمة تعليمهن. مما دفعهن، عندما تُتاح لهن الفرصة، أن يستثمرنها بأقصى جهد لأن الفشل يعني العودة للدور التقليدي الذي يحصرهن في البيت. وفي المقابل، يستفيد الذكور من حرية اجتماعية أكبر تتيح لهم خيارات متعددة خارج المدرسة (التجارة، الحرف، الهجرة)، بينما يعتبر التعليم الطريق الوحيد للاستقلالية بالنسبة للفتيات. هذا يفسر لماذا يتفوقن رغم العوائق السوسيوثقافية الكبيرة التي يواجهنها.
ثالثا: التعليم كامتياز طبقي واستمرار الفجوة القروية
بالرغم مما تسجله الأرقام مت تحسن، فماتزال الفجوة بين الوسط الحضري والوسط القروي صارخة وحاملة لمجموعة من الدلالات السوسيولوجية. ومثال ذلك نسبة تمدرس الفتيات التي لا تتجاوز في الوسط القروي 55% مقابل 100% عند نظيراتهن في الوسط الحضري بالنسبة للفئة العمرية ما بين 15 و17 سنة. بعبارة أخرى: نصف الفتيات القرويات خارج أسوار المدرسة. والحقيقة أن هذه الفجوة يصعب تفسيرها بالبعد الجغرافي، بل تنم عن بعد طبقي وثقافي بامتياز. خصوصا في الوسط القروي حيث تسود التمثلات التقليدية التي تربط تعلم الفتاة بمستوى معين لا يمكن تجاوزه، حيث يعتقد 10% من أرباب الأسر أن المدرسة أهم للأولاد من البنات. هذه النسبة تتضاعف عندما تكون الأسرة فقيرة، إذ تُجبر على الاختيار، فتعطي الأولوية للذكور. ولا شك أن الهدر المدرسي يضرب الفتيات القرويات بشكل مدمر: 41.56% منهن يغادرن المدرسة مقابل 28.94% للذكور. الأسباب متشابكة: الفقر (لا تمتلك الأسرة موارد لتعليم الجميع)، البُعد الجغرافي للمؤسسات التعليمية (خاصة الإعدادية والثانوية)، الأشغال المنزلية (52.66% من الفتيات يُطلب منهن الجمع بين الدراسة والمنزل)، والزواج المبكر (الفتاة غير المتمدرسة تصبح “جاهزة للزواج”).
في الوعي الاجتماعي القروي التقليدي، تعليم الفتاة يمثل تكلفة فرصة بديلة عالية: يدها المفقودة في الفلاحة، في رعاية الأشقاء، في المنزل، تُحسب خسارة اقتصادية تفوق قيمة شهادة قد لا تترجم إلى عمل. إنها حسابية فقر قاسية تضحي بمستقبل الفتاة لصالح البقاء اليومي.
رابعا: التخصصات الجامعية إعادة إنتاج التقسيم الجنسي للمعرفة
رغم التفوق الكمي، تبقى التخصصات الجامعية خاضعة لـتقسيم جنسي ضمني يعيد إنتاج الأدوار التقليدية. الفتيات يتركزن في تخصصات ينظر إليها كامتداد لدورهن الاجتماعي: الشبه طبي (80.1%)، علوم التربية (75.7%)، التجارة والتسيير (68.4%)، الآداب والعلوم الإنسانية (64.7%). في المقابل، تبقى علوم المهندس ذكورية بامتياز (50.2% فقط للفتيات)، رغم التحسن. هذا يعكس استمرار الستيريوتيبات التي تربط الذكورة بالتقنية والهندسة والإبداع التكنولوجي، بينما تُحصر الأنوثة في المهن الرعائية (تعليم، تمريض، صيدلة).
حتى في الطب، رغم التأنيث (59.9%)، تتركز النساء في التخصصات الأقل هيبة (طب الأطفال، النساء والتوليد)، بينما يحتكر الذكور الجراحة والتخصصات النخبوية. إنها إعادة إنتاج للتراتبية الجنسية داخل المهنة الطبية ذاتها.
في التكوين المهني، الصورة أكثر وضوحاً: في مستوى التخصص (الأدنى)، لا تتجاوز نسبة الفتيات 28.3%، بينما في التقني المتخصص (الأعلى) تصل إلى 55.7%. هذا يعني أن الفتيات يختارن (أو يُدفعن) نحو التكوينات العالية التي تمنح شهادات معترف بها، بينما التكوينات المهنية البسيطة تبقى ذكورية لأنها تفتح على مهن يدوية “غير لائقة” للفتيات.
خامسا: الماستر والدكتوراه: السقف الزجاجي الأكاديمي
في الدراسات العليا، تتراجع نسبة التأنيث نسبياً: 51.5% في الماستر والدكتوراه مقابل 61.2% في الإجازة. هذا التراجع يعكس السقف الزجاجي الذي تصطدم به النساء عند مستويات التعليم العليا. ولا شك أن الأسباب متعددة: الضغوط الاجتماعية للزواج في سن معينة تتعارض مع استكمال الدكتوراه، غياب الدعم الأسري لمشروع أكاديمي طويل للفتاة، محدودية المنح والتمويل، والبيئة الأكاديمية الذكورية التي تهمش النساء الباحثات. أما في التعليم الأصلي (الديني)، المفارقة صارخة: ارتفعت نسبة الفتيات من 33.1% إلى 46.9% في الإجازة، لكنها لا تتجاوز 33.4% في الماستر والدكتوراه. هذا يعكس محافظة الحقل الديني وممانعته لصعود النساء إلى مراتب الإفتاء والتدريس العالي.
سادسا: الأمية النسوية، الجرح التاريخي المفتوح
رغم كل التقدم، تبقى الأمية النسوية الجرح الأعمق في الجسد التعليمي المغربي. 47.6% من النساء فوق 25 سنة أميات مقابل 23.5% للرجال، أي الضعف. هذا يعني أن نصف النساء المغربيات البالغات محرومات من القراءة والكتابة. والفجوة تتسع مع التقدم في السن: في الفئة 50 سنة فأكثر، ترتفع الأمية إلى 69.5% للنساء مقابل 41.2% للرجال. هذه الأجيال عاشت في مغرب ما قبل التعميم التعليمي، حيث كان تعليم البنات استثناءً نخبوياً حضرياً. وتزيد الفجوة، ففي القرى، الكارثة أعمق: 71.7% من النساء أميات مقابل 56.9% للرجال. هذا يعني أن ثلاثة أرباع النساء القرويات خارج عالم القراءة والكتابة. إنها عزلة معرفية تحكم عليهن بالتبعية الأبدية.
الأمية ليست نقصاً تقنياً في مهارة القراءة فقط، بل إقصاء اجتماعي من المواطنة الكاملة. المرأة الأمية لا يمكنها قراءة عقد، فهم قانون، متابعة إجراء إداري، أو حتى مساعدة أطفالها في الدراسة. إنها إعاقة مدنية تحولها إلى قاصر أبدي يحتاج لوساطة الرجل.
سابعا: التفوق المبكر والاستمرارية المهددة
في التعليم الأولي والابتدائي، شبه تعميم (100%) وتكافؤ بين الجنسين. لكن بداية من الإعدادي، يبدأ النزيف: في القرى، 8.3% من الفتيات يغادرن بين 12-14 سنة. في الثانوي، الكارثة: 45% من الفتيات القرويات خارج المدرسة. هذا التسرب ليس فشلاً دراسياً، بل إقصاء اجتماعي. الفتاة القروية التي أتمت الابتدائي تواجه معضلة البعد: الإعدادية في مركز بعيد، مما يطرح قضية الأمن والشرف في المخيال الأبوي. الأسرة تفضل سحبها على المخاطرة بـسمعتها.فالبلوغ يضع الفتاة في منطقة خطر اجتماعي: جسدها يصبح عورة متحركة يجب حمايتها من الفضاء العام. المدرسة، التي كانت براءة طفولية، تتحول إلى مجال اختلاط مشبوه يهدد الشرف. الحل: الحبس المنزلي تحضيراً للزواج.
ثامنا: المفارقة المرة، الشهادات والتوظيف
54% من النساء فوق 15 سنة بدون شهادة مقابل 41% للرجال. لكن في الشهادات العليا، تبلغ نسبة النساء 15.7% مقابل 18.1% للرجال، فارق أقل حدة. هذا يعني أن النساء المتعلمات يصلن لمستويات عالية، لكن الأميات يسحبن المتوسط للأسفل. ولعل المفارقة المرة: النساء يحصلن على شهادات عليا أكثر من أي وقت مضى، لكن البطالة النسوية تبقى مرتفعة، وخاصة بين الحاملات للشهادات. سوق الشغل لا يستوعب هذا الفيض النسوي المتعلم، بسبب التمييز الجنسي في التوظيف والأجور.والنتيجة: فتيات حاصلات على إجازات وماسترات عاطلات أو يقبلن بأعمال أقل من مستواهن أو يعدن للبيت بعد الزواج. التعليم، الذي كان وعداً بالتحرر، يصبح وهماً يصطدم بجدار سوق الشغل الذكوري.
خلاصة سوسيولوجية
التعليم شهد أكبر ثورة جنسية في المجتمع المغربي: الفتيات من أقلية مهمشة إلى أغلبية متفوقة. لكن هذه الثورة غير متكافئة مجالياً: نجاح حضري ساحق يقابله إقصاء قروي مستمر.
التفوق الكمي والنوعي للفتيات ليس عطاءً بيولوجياً، بل فعل مقاومة سوسيولوجية لبنيات تقليدية تشكك في قيمتهن. لكن هذه المقاومة تصطدم بـالسقف الزجاجي في التخصصات والمراتب العليا، وبجدار سوق الشغل الذي لا يترجم الشهادة إلى تمكين اقتصادي.
الأمية النسوية، رغم التراجع، تبقى وصمة تاريخية تحكم على نصف النساء بالإقصاء المعرفي والمدني. والفتاة القروية الفقيرة لا تزال الضحية الأكبر لمنظومة تعيد إنتاج التفاوتات الطبقية والجنسية تحت غطاء الخطاب التحديثي.