وجهة نظر

من الوعي بالتغيير إلى تغيير الوعي: حركة صحراويون من أجل السلام نموذجا

يقدّم الباحث المغربي الدكتور سعيد بنسعيد العلوي في إحدى مقالاته بعنوان “من وعي التغيير إلى تغيير الوعي”، إطارًا فكريًا مهمًا لفهم التحولات العميقة داخل المجتمعات عندما تنتقل من مجرد إدراك الحاجة إلى التغيير إلى العمل على إعادة تشكيل الذات والوعي. هذا المنظور الفلسفي يمكن إسقاطه بوضوح على قضية الصحراء المغربية، حيث عاش الصحراويون لعقود في ظل خطاب المواجهة والتصعيد والحرب الذي قادته البوليساريو تحت الرعاية المباشرة للجزائر، دون أن يحقق هذا النهج سوى مزيد من الألم والانقسام والتشرذم. ومع تراكم التجربة، صار واضحًا أن تغيير الواقع مرهون بتغيير الوعي الجماعي، وبالقطع مع الشعارات التي استهلكها الزمن وحرمت المنطقة من فرص السلام والتنمية.

وفي هذا السياق برزت حركة صحراويون من أجل السلام بوصفها تجسيدًا عمليًا لهذا الانتقال الفكري الذي تحدث عنه الدكتور سعيد العلوي، فهي حركة أعادت توجيه البوصلة من منطق الحرب إلى ثقافة الحوار، ومن خطاب الانغلاق إلى قيم التعايش والتوادد. وقدّمت الحركة رؤية مبنية على المصالحة مع الذات ومع المحيط الإقليمي، وترفض استمرار الارتهان لمنطق المواجهة الذي لم يحقق للصحراويين أي مكسب واقعي. وبفضل هذا التحول، بدأ يتشكل وعي جديد ينسجم مع الحلول السياسية الممكنة، وفي مقدمتها مشروع الحكم الذاتي باعتباره الخيار الأكثر واقعية وملاءمة لطبيعة المجتمع الصحراوي وامتداداته التاريخية.

وقد كان الحاج أحمد باريكلى أحد أبرز مهندسي هذا التحول، إذ أدرك مبكرًا أن الزمن لم يعد لصالح الشعارات المتصلّبة، وأن مستقبل الصحراويين لن يبنى إلا على إعادة تشكيل وعيهم الجماعي. لذلك أسّس لحركة صحراويون من أجل السلام، واشتغل خلال خمس سنوات من العمل المتواصل على تثبيت ثقافة السلم بدل المواجهة، والحوار بدل الصدام. واستطاع أن يحقق اختراقات غير مسبوقة، من أبرزها كسر احتكار البوليساريو للتمثيلية التي فُرضت طويلًا على مجتمع صحراوي بريء. واليوم أصبح واضحًا في الأوساط الدبلوماسية الدولية أن البوليساريو لم تعد الصوت الوحيد ولا الشرعي للصحراويين، وأن الحركة باتت فاعلًا تمثيليًا معتبرًا، قادرة على الجلوس في الأمم المتحدة والمشاركة في مؤتمر الأممية الاشتراكية بمالطا إلى جانب من ظلوا يدّعون احتكار تمثيل “الشعب الصحراوي”.

وفي ظل هذا التحول في الوعي، يبرز مشروع الحكم الذاتي المؤطر بالقرار 2797 كحل سياسي واقعي يمنح الصحراء صلاحيات واسعة في التدبير المحلي ضمن السيادة المغربية، مع احترام الهوية الحسانية للأقاليم الصحراوية وخصوصياتها الاجتماعية. كما يحدد المشروع المجال الترابي من الطاح شمالًا إلى لكويرة جنوبًا، بما يضمن وحدة التراب ويستجيب لحاجيات الحكامة والتنمية. وهكذا يتجسد مفهوم “تغيير الوعي” كخطوة أساسية لفتح أفق جديد تُطوى فيه صفحة الحرب، وتتقدم فيه رؤية قائمة على الحوار والمشاركة، بما يواكب تطلعات الصحراويين إلى مستقبل آمن وكريم ومستقر.