سقوط في الوعي السياسي: هل خُلِق التمييز الإيجابي لرفع الكفاءة أم لتصنيع الولاءات؟
منتدى العمق

سقوط في الوعي السياسي: هل خُلِق التمييز الإيجابي لرفع الكفاءة أم لتصنيع الولاءات؟

هناك ظاهرة تتكرر بعد زلزال الثامن من شتنبر: وصول أشخاص إلى البرلمان دون إدراك معنى التمثيلية البرلمانية، ودون كفاءة، ودون أي إحساس بأن مقعدهم ليس وسادة للراحة ولا منصة للبهرجة، بل مسؤولية أمام شعب كامل. والنموذج الصارخ لهذا الانحراف نجده اليوم في برلمانية يعرفها الرأي العام بسلسلة من الخرجات المستفزة التي تهين المواطنين وتحول السياسة إلى سيرك صغير وليس عملاً تشريعياً مشرفاً.

هذه النائبة سبق لها أن وصفت المغاربة بـ”رباعة الجراثيم” و”باردين الكتاف”، واتهمت المعارضة بالعمالة للخارج، وكأن الوطنية حكر على حزبها أو على رئيسها. ثم وقفت في لقاء حزبي لتعلن أن الحاضرين “جاؤوا لتجديد العهد لعزيز أخنوش”، في خطاب يلغي كل معنى للمؤسسات السياسية الحديثة ويعيدنا إلى منطق الولاء الشخصي –الذي يبدو أنها تؤمن به–.

وحين نغادر عالم السيرك والضجيج وننظر إلى الحصيلة البرلمانية، نجد الفراغ. 17 سؤالاً فقط طيلة الولاية. وسنة 2024 بلا سؤال واحد. تدخلات تحت القبة؟ ليست رقابة، ليست اقتراحاً، ليست دفاعاً عن المواطنين. كل ما هنالك هو حماية وزراء حزبها والاصطفاف خلف رئيس الحكومة كما لو أنها الناطق الرسمي باسمه.

والأغرب من ذلك أن بعض شباب حزبها يخرجون للدفاع عنها، متسلحين بشعار “حرية التعبير”. وهو تبرير مضحك ومخيف في الوقت نفسه. فالحرية التي تُستخدم لإهانة المغاربة ليست حرية… إنها سقوط. والسياسة التي تتحول إلى تصفيق أعمى ليست سياسة… إنها انحطاط في الوعي السياسي.

نعم، السياسي يُحاسب على كلمته. والسياسي الذي يهاجم الشعب بدل أن يمثله، يسيء للمؤسسة التي ينتمي إليها وللمغاربة، قبل أن يسيء لنفسه.

والواقع أن وصول هذه النائبة إلى البرلمان تم عبر اللائحة الجهوية، وهي آلية التمييز الإيجابي التي أرادها المغرب ليمنح فرصاً أكبر للنساء بسبب العقبات التي تفرضها الذهنية الذكورية. هذا قرار تقدمي ومهم، لكن ما يحدث اليوم هو تشويه لهذه الفلسفة. لأن التمييز الإيجابي لم يُخلق لرفع أشخاص لا يملكون كفاءة سياسية، ولا قدرة على التشريع، ولا احتراماً لدورهم. أُقر هذا النظام لتستفيد منه نساء قادرات على تمثيل المواطنين، على ممارسة الرقابة، على حمل ملفات، على إيصال أصوات الفئات المهمشة.

فحين تتحول اللائحة النسائية إلى بوابة لولاءات شخصية، فإن الخاسر الأول ليس الرجل ولا الأحزاب… بل المرأة نفسها، التي تضطر بعدها للدفاع ألف مرة لإثبات أنها ليست مجرد رقم.

ختاماً، المغاربة لا يريدون ممثلين يهينونهم. ولا يريدون برلمانيات يحولن المؤسسات إلى سيرك للتمجيد والتطبيل. ولا يريدون أن يُستغل التمييز الإيجابي لإغراق البرلمان بوجوه تبحث عن الظهور أكثر مما تبحث عن التشريع.

فالمقاعد ليست جوائز ترضية،
والسياسة ليست بهرجة،
والتمييز الإيجابي يجب أن يخدم النساء الكفوءات… لا الوجوه التي تحتمي بالحزب وتهاجم المواطن.