“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.
الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.
في تلك اللحظة، في غرفة الكلب، لم يتغيّر شيءٌ ماديًّا: لم يُفتح الباب، لم يأتِ طعامٌ إضافي، لم تُدفأ الأرض. لكنّ الحكاية، خارج هذه الجدران، كانت على وشك أن تدخل مرحلة جديدة، لأن هذا القدر من الجوع والبرد والإهمال، وهذه الكوابيس التي تلتهم نوم طفلٍ في الرابعة عشرة، لا يمكن أن تستمرّ طويلاً دون أن يُكسر شيء ما: إما جدار الغرفة، أو جدران قلوب الذين تركوه هناك.
اللحظة التي تغيّر فيها مسار حكاية يونس لم تكن نتيجة خطة مدروسة، بل ثمرة سهوٍ عابر من حارس اعتاد أن يغلق باب غرفة الكلب بلا تفكير. في ذلك الصباح، خرج الحارس على عجل بعد أن رمى بقايا خبز وماء، نبح الكلب مرتين، وابتعدت خطواته مسرعة لأن الحاج ناداه من الطرف الآخر من المزرعة. الباب الحديدي، الذي تعوّد أن ينغلق بصوتٍ حادٍّ يعلن انتهاء أي أمل في الخروج، بقي نصف موارب، دون أن ينتبه أحد.
لم يصدّق يونس عينيه في البداية. ظلّ لدقائق يحدّق في الفتحة الصغيرة بين الباب والإطار كمن يحدّق في سراب. قام بصعوبة، ساقاه ترتعشان، يداه تمسكان الحائط ليحفظ توازنه. اقترب بخطواتٍ متقطعة، دفع الباب بيده المرتجفة، انفتح. الهواء الخارجي، وإن لم يكن أدفأ بكثير، بدا له كنسمةٍ قادمة من عالم آخر. لم يفكّر طويلاً؛ الحرية، حتى وإن بدت كخطوةٍ نحو المجهول، كانت أثمن من أن يتراجع أمامها بدافع الخوف أو التعب. خرج بصمت، حافي القدمين تقريبًا من شدّة اهتراء نعليه، يلتفت حوله كما تفعل الحيوانات الجريحة حين تبحث عن منفذٍ من الفخ.
كان الحارس مشغولاً في طرف المزرعة، والعمال منشغلين في حمل الأكياس ورشّ الماء وتنظيف الساحة. الطريق الترابي الذي يؤدي إلى البوابة الخلفية بدا خاليًا للحظة نادرة. استجمع يونس ما تبقّى من قوة في جسده، انحنى قليلاً كمن يريد أن يختفي عن الأنظار، وبدأ يمشي. كل خطوة كانت احتجاجًا صامتًا على كل الأبواب التي أُغلِقت في وجهه. لم يجرِ؛ الجري يحتاج طاقة لا يملكها. كان يمشي على حافة الانهيار، لكنّ فكرة العودة إلى الغرفة الإسمنتية كانت أسوأ من فكرة السقوط على الطريق.
عند البوابة الجانبية، التي تُفتح عادة لمرور سيارة صغيرة أو لدخول عامل متأخر، وجد الباب غير مقفو بإحكام؛ سلسلة معلّقة، قفل لم يُغلق بالكامل. دفعه بهدوء، انفتح. لم يلتفت، لم يصرخ، لم يترك خلفه أي علامة. خرج إلى الطريق الترابي الممتدّ، والسماء فوقه رمادية، والأرض تحت قدميه أقل قسوةً من الإسمنت الذي نام عليه أيامًا.
كان لا يعرف وجهته. لا يحمل خريطةً ولا اسم مدينةٍ ولا وعدًا ينتظره في مكانٍ محدد. كل ما يعرفه أنه يجب أن يبتعد؛ أن يضع أكبر مسافة ممكنة بينه وبين المزرعة، وبين الحاج، وغرفة الكلب. بدأ يمشي، أولاً بخطى قصيرة مترددة، ثم بخطى أطول قليلاً كلما أحس أن أحدًا لم يلاحظه. الطريق كان طويلاً، عشرين كيلومترًا تقريبًا من التراب والحصى والهواء الجاف. جسده المنهك كان يعلن احتجاجه في كل متر: عضلات ساقيه تحترق، صدره يلهث، حلقه جاف، وجع خفيف في رأسه من أثر السقطة الأخيرة في الغرفة. لكنه كان يردّ على احتجاج الجسد بجملة واحدة في داخله: “لن أعود.”
في الطريق، مرّ ببعض الحقول، ببئر قديمة، بحقول زيتون بعيدة. السيارات القليلة التي مرت قربه لم تتوقف؛ طفل يمشي على جانب الطريق ليس مشهدًا غريبًا في قرى بعيدة. حاول أن يحافظ على تماسكه، ألا يُظهر انهياره. في لحظةٍ ما، شعر أن قدميه لم تعودا تطيعانه، جلس على حجرٍ صغير بجانب الطريق، أسند ظهره إلى جذع شجرة يابسة، تنفّس بعمق، أغلق عينيه لحظات، كاد يغفو، لكنه أيقظ نفسه بسرعة: “لو نمتُ هنا الآن، قد أستيقظ في غرفةٍ أسوأ.”
بعد ساعاتٍ من هذا المسير المتقطّع، بدأ وجه مدينة صغيرة يتشكّل في الأفق: بيوتٌ متقاربة، مآذن، دخان خفيف يخرج من مداخن مطاعم بسيطة، لافتات مكتوبة بخطوط متعبة. حين وطأت قدماه أول رصيف إسفلتي بعد طول تراب، شعر كما لو أنه يعبر من عالمٍ إلى آخر. هنا، الناس يتحركون في كل اتجاه، يحملون أكياسًا، يتحدثون، يبيعون ويشترون، ولا أحد يعرف أن صبيًا مرهقًا دخل عليهم من هامش الخريطة.
معدته كانت تقرقر، حلقه يحترق، رأسه يدور. نظر حوله يبحث عن مصدرٍ لرائحة الطعام، فالتقط أنفُه رائحة قهوةٍ تختلط بدخان سجائر، تخرج من مقهى صغير على ناصية شارع. كان اسمه “مقهى الأطلس”، واجهته مستهلكة، وكراسيه البلاستيكية مبعثرة على الرصيف. في الداخل، رجل في الخمسينيات تقريبًا، اسمه قاسم، يرتّب كؤوس الشاي على الصينية.
تقدّم يونس بخطوات مترددة إلى باب المقهى، وقف للحظة على العتبة، يشعر بالدوار، ثم اقترب من قاسم بخجل:
ـ عمي… عندك شيء آكله؟
التفت قاسم إلى مصدر الصوت، رأى وجهًا شاحبًا، عيونًا غائرة، ملابس مغبرة، جسدًا هزيلاً يقف بالكاد. بقايا الإنسانية التي لم يُطفئها تعب السنين في قلبه تحرّكت فورًا. لم يسأله كثيرًا. أشار له بالجلوس على أقرب كرسي:
ـ اجلس، يا ولدي.
ثم دخل إلى الداخل، أخرج قطعة خبز، طبق فولٍ دافئ، كأس شاي بالسكر أكثر مما يسمح به الأطباء. وضعهما أمام يونس.
ـ كُل على مهلك.
في اللحظات الأولى، هجم يونس على الطعام كمن يطارد الحياة نفسها. لكنّ جسده الذي نُهك من الجوع أرسل له إنذارًا: لا تبلع بسرعة. حاول أن يهدأ، يمضغ قليلاً، يشرب جرعة شاي، يقضم الخبز بحذر. كان قاسم يراقبه من بعيد، يرى في كل لقمة حكايةً لا تحتاج إلى رواية طويلة. يعرف الرجل من خبرته أن هذا النوع من الجوع ليس جوع “تلميذ تأخر عن الغداء”، بل جوع “مهملين” و”منسيين”.
بعد أن هدأ قليلاً، سأل قاسم بنبرة خفيفة، لا تحقيق فيها:
ـ من أين جئت؟
نظر يونس إلى الأرض، تردّد. لم يعرف ماذا يقول: هل يذكر المزرعة؟ الحاج؟ رضا؟ فاطمة؟ زينب؟ القرية؟
قال جملة تلخّص كل شيء دون تفاصيل:
ـ جئت من مكانٍ لا أريد أن أعود إليه.
لم يضغط قاسم أكثر. في العالم الذي يعيش فيه، هناك أحيانًا أسئلة يَزيد طرحها من ألم القصة دون أن يغيّر مصيرها. اكتفى بأن قال:
ـ ما اسمك؟
ـ يونس.
ـ أنا قاسم. هذا المقهى بيتي الثاني. اليوم… سيكون بيتك لبعض الوقت.
بعد الطعام، بدأ جسده يطالب بما هو أهم من الأكل: الراحة. جفونه ثقيلة، رأسه يميل، عضلاته تؤلمه من الداخل. رأى قاسم هذا الانهيار البطيء. أشار له إلى غرفة صغيرة في آخر المقهى، تُستخدم عادة لوضع الأغراض أو لاستراحة قصيرة في منتصف اليوم:
ـ تعال، استرح قليلاً هنا. لن يزعجك أحد.
تبع يونس الرجل، دخل الغرفة: سرير حديدي بسيط، فراش متواضع، بطانية خفيفة، نافذة صغيرة تطلّ على فناء خلفي. بالنسبة له، كان هذا المكان قصرًا مقارنةً بغرفة الكلب.
استلقى على السرير، شعر باللين تحت ظهره، شيئًا لم يشعر به منذ زمن. سحب البطانية فوق جسده، لأول مرة منذ أسابيع لم يرتجف من البرد كما كان يفعل على الإسمنت.
في أقل من دقائق، سقط في نومٍ عميق، بلا مقاومة. كان النوم هذه المرة مختلفًا: لم يكن غيبوبة يفرضها الإعياء فقط، بل كان أيضًا استجابةً لقدر من الأمان الفوري: باب ليس مقفلاً عليه من الخارج، إنسان قدّم له الطعام دون مقابل، سقف لا يشبه سقف الأقفاص.
قاسم، وهو يغلق باب الغرفة برفق ليمنع ضجيج المقهى من الوصول إليه، تمتم لنفسه:
ـ هذا الولد لم يأتِ من فراغ. قصته لن تكون سهلة. لكن اليوم… يكفي أن ينام.
وفي مكانٍ ما، على بُعد عشرين كيلومترًا، في مزرعةٍ محاطةٍ بسورٍ عالٍ، ربما لاحظ الحارس أخيرًا أن غرفة الكلب فارغة، وأن الباب لم يُغلق جيدًا. وبدأت، من جديد، دائرة البحث عن الطفل الذي تعب من أن يكون “ضائعًا في كفن الحياة”، لكنه، في تلك اللحظة تحديدًا، كان يغرق في أول نومٍ حقيقي منذ زمن، في غرفة صغيرة لدى رجلٍ اسمه قاسم، في مدينةٍ صغيرة لم يخطط أن يصلها، لكن القدر ساقه إليها خطوةً خطوة.
يتبع…