أثارت الأزمة الإنسانية الصامتة التي يعيشها نزلاء الجمعية الخيرية الإسلامية بواويزغت بإقليم أزيلال موجة من الاستنكار والغضب في صفوف متتبعين للشأن المحلي، الذين عبروا عن صدمتهم إزاء المفارقة الصارخة بين معاناة هؤلاء التلاميذ من الجوع والإهمال، وبين ملايين السنتيمات التي تنفقها مجالس منتخبة في الإقليم على تنظيم مهرجانات غنائية وسهرات فنية.
وفيما تعلو أصوات الموسيقى وتضاء منصات الاحتفالات خلال كل صيف، يخيم صمت مطبق على مطبخ أقدم مؤسسة خيرية في المغرب، بعد أن توقفت عن تقديم وجبات الطعام لنزلائها منذ بداية الموسم الدراسي الحالي.
وتساءل متتبعون في تصريحات متفرقة كيف يمكن تبرير تخصيص اعتمادات مالية ضخمة لأنشطة ترفيهية، في الوقت الذي يضطر فيه أطفال وشباب ينحدرون من أسر معوزة إلى التسول أو العمل في جني الزيتون لتأمين لقمة العيش. واعتبر هؤلاء أن هذا الوضع لا يعكس أزمة مالية فحسب، بل يكشف عن أزمة أولويات وخلل قيمي عميق، حيث يتم تجاهل الحاجات الأساسية للفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها الحق في الغذاء والتعليم في ظروف كريمة. هذه المأساة، التي تتكشف فصولها داخل أسوار مؤسسة يعود تاريخها إلى عام 1953، تطرح أسئلة مقلقة حول فعالية السياسات الاجتماعية ومسؤولية المنتخبين والجهات الوصية في حماية مستقبل هؤلاء التلاميذ.
وفي هذا السياق، كشف رئيس الجمعية الخيرية الإسلامية بواويزغت، في تصريح لجريدة “العمق”، أن المؤسسة تغرق في أزمة مالية خانقة تهدد وجودها، حيث بلغ العجز المالي ما يقارب 20 مليون سنتيم، وتراكمت الديون لدرجة حالت دون قدرتها على صرف أجور موظفيها منذ تسعة أشهر متتالية. وأوضح المصدر أن الخدمات المقدمة للنزلاء، البالغ عددهم حاليا 24 طالبا وطالبة، باتت تقتصر على الإيواء فقط، بعد أن عجزت الإدارة بشكل كامل عن توفير وجبات الطعام لهم منذ انطلاق الموسم الدراسي.
وأرجع رئيس الجمعية هذا الوضع بالدرجة الأولى إلى توقف رئيس المجلس الجماعي عن تحويل المنحة السنوية المخصصة للمؤسسة، بالإضافة إلى حجزه لمستحقاتها من ضريبة الذبح بالسوق المحلي، وذلك بعد إقدامه على كراء السوق، وهو إجراء اعتبره رئيس الجمعية مخالفا للقانون الذي يمنح هذا الحق تاريخيا للخيرية، مشيرا إلى أن عامل الإقليم نفسه أكد على أحقية المؤسسة في هذه المداخيل، حسب ما أورده المصدر.
وأضاف المتحدث أن الأزمة تفاقمت بسبب تخلي شركاء آخرين عن دعمهم، حيث أشار إلى أن المجلس الإقليمي لم يصرف هو الآخر دعمه للسنة الماضية، كما أن منحة المجلس الجماعي متوقفة بشكل كامل منذ سنة 2022، مرجعا ذلك إلى حسابات وخلافات لا علاقة للنزلاء بها. ونتيجة لهذا الوضع، شهدت المؤسسة تراجعا مهولا في عدد المستفيدين، الذي انخفض من 140 نزيلا في السابق إلى 24 نزيلا فقط حاليا، من بينهم 13 فتاة يتابعن دراستهن في السلكين الإعدادي والثانوي.
وأبرز رئيس الجمعية التداعيات الخطيرة لهذه الأزمة على النزلاء، الذين ينحدرون من أسر معوزة وفقيرة، حيث أكد أن عائلاتهم تضطر لإرسال مصاريف يومية بسيطة لأبنائهم لشراء ما يسدون به رمقهم، بينما يضطر آخرون، في مشهد يدمي القلب، إلى العمل في جني الزيتون وبيعه خلال عطلة نهاية الأسبوع لتأمين لقمة العيش ومصاريف دراستهم.
وفي سياق متصل، استنكر لحسن أكرام، عضو المرصد الدولي للإعلام، بشدة ما يعيشه أطفال دار الطالب، محملا المسؤولية للجميع عن هذا الإهمال. والتمس أكرام من الجهات المانحة “استبعاد كافة الحسابات والتدخل بشكل عاجل لتوفير الطعام للتلاميذ والتلميذات”، حسب تعبيره. وتساءل كمرصد عن الرسالة التي تريد الجهات المعنية تركها للأجيال القادمة من خلال ما وصفه بعملية “التجويع الممنهجة”.
وأمام هذا الوضع، أكد رئيس الجمعية أنه توجه إلى العاصمة الرباط لعرض الملف على مسؤولي المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، في محاولة أخيرة لإيجاد حلول عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذه المؤسسة التاريخية التي شكلت على مدى أكثر من 72 عاما ملاذا آمنا لآلاف الأيتام وأبناء الأسر المعوزة.
تعليقات الزوار
لاحول ولاقوة الابالله العلي العظيم، مغرب المفارقات...