البيع أمام المساجد بين الامتداد التاريخي والتحول الاجتماعي: مقاربة سوسيولوجية مغربية
منتدى العمق

البيع أمام المساجد بين الامتداد التاريخي والتحول الاجتماعي: مقاربة سوسيولوجية مغربية

تُعد ظاهرة البيع أمام المساجد من المظاهر اليومية التي أضحت مألوفة في المدن والقرى المغربية، حيث يعرض الباعة المتجولون سلعهم عند أبواب المساجد، خصوصًا في أيام الجمعة والمناسبات الدينية. هذه الممارسة التي تبدو بسيطة في ظاهرها تحمل في عمقها دلالات اجتماعية واقتصادية وثقافية غنية، تعكس علاقة معقدة بين الفضاء الديني والفضاء الاقتصادي، بين القداسة والمنفعة، وبين النظام والفوضى.

تهدف هذه المقاربة إلى تتبع الجذور التاريخية لهذه الظاهرة، ثم تحليل تحولها في سياق المجتمع المغربي الحديث من منظور سوسيولوجي.

1الامتداد التاريخي للظاهرة

عرفت المدن الإسلامية منذ نشأتها تداخلًا وثيقًا بين المسجد والسوق، باعتبارهما فضاءين مركزيين في الحياة اليومية للمسلمين.

ففي العصور الإسلامية الأولى، كان المسجد يشكّل نواة المدينة، تُبنى حوله الأسواق، والحمامات، والمدارس، والزوايا. وقد أشار مؤرخون مثل ابن خلدون والناصري إلى أن التخطيط الحضري الإسلامي كان يقوم على وحدة الدين والمعاش، فلا فصل صارم بين العبادة والعمل.

في مدينة فاس، مثلًا، نشأ سوق القرويين ملاصقًا للمسجد الجامع، وكان البيع والشراء يتمّ في محيطه بتنظيم رسمي يخضع لمراقبة “المحتسب”، وهو الموظف المكلف بالسهر على الأخلاق العامة وجودة السلع واحترام حرمة المكان.

وفي العهدين المرابطي والموحدي، تم ضبط الأسواق حول المساجد، ومنع البيع داخلها، مع السماح به في رحابها الخارجية. أما في العهد السعدي والعلوي، فقد تطورت الظاهرة تدريجيًا، خاصة في أيام الجمعة والمواسم، حين كان الباعة يفدون إلى جوار المساجد لعرض منتجاتهم على المصلين الخارجين، وهو ما كان يُنظر إليه كنوع من التكافل الاجتماعي وتمكين الفقراء من مصدر رزق بسيط.

بل إن النص القرآني نفسه في قوله تعالى:

> “فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ” (الجمعة : 10)

كان يُفهم كتشجيع على السعي في الرزق بعد أداء العبادة، مما منح ممارسة البيع بعد الصلاة نوعًا من الشرعية الدينية والاجتماعية.

2: التحول الاجتماعي في العصر الحديث

مع دخول المغرب مرحلة التحديث الحضري في القرن العشرين، شهدت الأسواق التقليدية تحولات عميقة، إذ تقلصت مساحاتها، وتراجعت وظائفها الاجتماعية، بينما ازداد حجم الاقتصاد غير المهيكل.

في هذا السياق، انتقل الباعة المتجولون من الأسواق المنظمة إلى الفضاءات العامة، مستغلين تجمعات المصلين أمام المساجد كمصدر مضمون للزبناء.

غير أن هذا الانتقال أدّى إلى تحول نوعي في طبيعة الظاهرة: من نشاط شعبي منظم يخضع لمراقبة المحتسب، إلى ممارسة عشوائية تفتقر إلى الضبط، يطبعها الصراخ والمناداة بالأسعار واحتلال الأرصفة، مما يخلق احتكاكًا بين الفضاء المقدس والفضاء التجاري.

لقد فقد المسجد، في هذا السياق، رمزيته الهادئة أمام منطق السوق، وأضحى مسرحًا لتجليات الاقتصاد الهش والهويات المأزومة، حيث يُعبّر الصراخ والمناداة عن صراع من أجل الوجود أكثر مما يعبران عن رغبة في المنافسة التجارية.

وهكذا تتجلى أمامنا جدلية بين القداسة واليومي، بين قيم الوقار والسكينة من جهة، وضغوط الحاجة الاقتصادية من جهة أخرى.

3 القراءة السوسيولوجية للظاهرة

من منظور علم الاجتماع، يمكن فهم هذه الظاهرة عبر ثلاث مستويات تحليلية:

* منظور الفعل الاجتماعي (ماكس فيبر)

يُظهر سلوك الباعة المتجولين عقلانية غائية، إذ يسعون لتحقيق الربح في ظروف محدودة، مستغلين الفضاء الأكثر ازدحامًا.

فالصراخ والمناداة ليسا سلوكًا عشوائيًا، بل استراتيجية تواصلية لجذب الانتباه، تُمارس ضمن منطق السوق التقليدية.

*. منظور الحقل العمومي (هابرماس)

يتحول الفضاء أمام المسجد إلى فضاء عمومي هجيني، حيث يلتقي الخطاب الديني بالخطاب الاقتصادي.

إنه مجال تفاعل بين النظام (العبادة) والفوضى (التجارة غير المنظمة)، بين التقديس والاستهلاك، مما يعكس طبيعة المجتمع المغربي الذي يعيش بين تقاليد راسخة وتحولات اقتصادية ضاغطة.

*. منظور التفاعل الرمزي (غوفمان)

الفضاء أمام المسجد يصبح مسرحًا اجتماعيا، يؤدي فيه الباعة أدوارهم أمام جمهور من المصلين والمارة.

الصراخ والنداء على الأسعار يمثلان نوعًا من “التمثيل الاجتماعي” الذي يسعى فيه كل بائع إلى تأكيد حضوره في سوق مفتوحة بلا حدود.

ختاما

تبين ظاهرة البيع أمام المساجد في المغرب أنها ليست ممارسة طارئة، بل امتداد تاريخي لتحولات اقتصادية واجتماعية عميقة.

فمن سوق القرويين المنظم إلى أرصفة المساجد المعاصرة، يعبر الباعة المتجولون عن حاجة الإنسان إلى التكيف مع واقعه، وعن تراجع مؤسسات الضبط التقليدية التي كانت تنظم العلاقة بين الفضاء المقدس والفضاء العمومي.

لكنها في الآن نفسه تطرح إشكالية التوازن بين حق العيش الكريم واحترام رمزية الأماكن الدينية، مما يستدعي من السياسات العمومية البحث عن حلول بديلة تحفظ كرامة الباعة وتحمي حرمة المساجد.