تصدير:
خطبة الجمعة بتاريخ 12 دجنبر 2025 بعنوان :”الحرص التام على احترام اختيارات الأمة والقوانين المنظمة للحياة”، خطبة منهجية في مدخلها ومضمونها ومختتمها وذلك لوقوفها على مسألة مقاصدية وهي خطورة عدم تطبيق القوانين بذات الدرجة التي تطبق بها النصوص الشرعية وهو مؤشر عن خوارم التدين ؛ مَثل ذلك في اختراق قانون المرور أو مدونة السير وما يترتب عن ذلكم من جسامة كلفة الحياة المادية على الدولة وكذا المعنوية والنفسية منها على الأفراد والمجموعات .
سنعرض للعنوان البحثي التحليلي والتعليلي للمفهوم المركزي في الخطبة _الأمر الجامع_مع الوقوف اليسير عند مفاهيم أخرى وردت في تراكيب أسلوبية تُغني الكلام في متن النص الخطابي، سنقوم بتفكيك شبكتها المعجمية المفاهيمية منها تحديدا وسنربط مفاصلها الفكرية على ما يغض عنه البعض الطرف وفق مقترب هندسي كالتالي:
1_أسلوب الخطبة ومراعاة السياق
أسلوب متميز ممايز ، ينم عن وعي كبير في تحسس عوالم مفهوم بيداغوجيا التبيلغ الذي يطرحه المشروع الديني والفكري بالمغرب الحديث، حيث دمج المسألة الدينية في الشأن العام منذ ما ينيف عن عشرين عاما من حيث الاهتمام الرسمي لإمارة المؤمنين بالمسألة الدينية وفقا لسُنن الإصلاح التي باشرها أمراء المؤمنين بالمغرب كلما اقتضى الأمر ذلك وأيضا المراهنة على الخطاب الديني الدامج في التغيير ، في مشروع خطة تسديد التبليغ المحاط بعناية كبيرة ورعاية خاصة من لدن الفاعل الديني الرسمي والمدني على السواء.
إن كل خطاب ديني ومنه الخطاب المنبري، لا يسترعي هذا السياق لا يمكن أن يثمر في الناس، وكون الناس يناقشون هذا الخطاب وهذا السياق فذلك دليل على تفاعلهم معه واستجابتهم لمظانه ومضموماته آنيا وآليا.
2_خطبة الجمعة الموحدة وفائدة النقاش الموازي لها
من حسنات الخطبة الموحدة من وجهة نشرها إعلاميا؛ ما يحققه ذلك من نقاش عام بل وعمومي كما كان حال السلف غير أنهم يناقشونها على موائدهم عقب العودة لديارهم ومقرات عملهم ويجسدونها في تمثلاتهم.
إن النقاش الموازي للمشاريع؛ عموم المشاريع، من لدن العامة كما الخاصة ظاهرة صحية، فقط نحن بحاجة لأخلاقيات النقاش ومنها عدم شخصنته وهي السقطة والفجوة الغارقة التي قد يسقط فيها من يناقشها.
3_الردود الممدودة والمسوغات الواهية المردودة
حتى الآن مسوغات واهية ووحيدة يلوكها من يناقشون الخطبة الموحدة؛ وهي أن فيها إهانة للخطيب، وهو خطاب تأجيج وتهييج لاستمالة هؤلاء الخطباء الذين تلقوا الأمر الجامع بشارة لهم وهم على الخيار، فاختاروا اختيارات الأمة لما يحققه ذلك من مقاصد للأفراد ومقاصد للجماعة ومنها توحيد الاستمداد الديني والروحي والتربوي وتوحيد الرؤية.
فقد أدركوا يقينا واقنعوا تعبدا؛ أن الخطاب الديني الموحد يقود الجماعة لصناعة مشروع أمة على دين ربها قائمة ولرحمة ربها قانتة وللوفاء لأمير المؤمنين صادقة اتقاء كل الشرور ومن ذلكم الفرار من خطاب السلب إلى خطاب الجلب.
فإن خطاب السلب فيه قوة وقهر وعنف، فيما خطاب الجلب وإن حفته مشاق بالنسبة لاستصداره ومواكبته ولكنه حبل وثاق بين الملقي والمتلقي ، مآلاته ما ينفع الناس في الدنيا والآخرة، “كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ”الرعد (17)،حتى الآن ومنذ بدأوا يتكلمون في المشروع ورفضوا الدخول فيه والشروع لم يأت أحدهم وهم قلة لكن اجتذبهم إعلام المواقع ففهمت قلة عنهم أنه وجهة الأمة والحال غير ذلك وقد وُوجهوا بالتعليقات التي تقرعهم أو تنهاهم أوتنصحهم أوتذكرهم أوتوجههم ، ولم يخرج منهم واحد يوما يصحح الخطبة التي عليها مدار ما بين شدقيهم تصحيحا علميا ومنهجيا وأسلوبيا وأدبيا وقُل ما شئت من ذلكم .
ولقد تحاجوا _وحجتهم داحضة _من كون الخطبة الموحدة لا تعالج واقع الناس، وأن ليس الأمر كما زعموا وتوهموا من جميع الوجوه والبينة على من ادعى؛ وإلا فالقول زور، فما هم قائلون في خطبة اليوم التي أفحمتهم في قضية مفصلية يلتقي فيها المقصد الشرعي بالمقصد الوضعي في جزئية سلوكية فريدة وهي النتائج العكسية في حالة المخالفات القانونية لمدونة السير فبينت لهم نتائج تمثلالتها عليهم أنفسهم وعلى المال العام من حيث الكلفة كما بينت لهم جدوى الامتثال للقوانين الوضعية كما تؤتى تعاليم الدين وهو مؤشر على سلامة التدين.
لقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم بفكرة سلمان الفارسي بحفر الخندق فسميت الغزوة بمسمى ذلكم، ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يجتهدون في زمن النزول والرسول العظيم صلى الله عليه وسلم يقرهم وما تم في الأمر النزول ،وبعده صلى الله عيه وسلم اعتمد الصحابة رأيهم في سن تشريعات ودواوين إدارية لم تكن في عصر النبوة
وهي المشاريع التي تطور على مر العصور لتصبح في الفطر السياسي الحديث والمعاصر وزارات، ولم يوح إليها الكتاب المنزل ولكن الانفتاح والتثاقف والتحاضر، هو من أنتجها كما سينتج مشاريع وتشريعات أخرى مما يقتضيه السياق وقد يستفتى في ذلك أهل العلم ويمكن مراجعة فتوى المجلس العلمي الأعلى حول المصلحة المرسلة.
فقد” وصلت فكرة الدواوين إلى المسلمين من نظم الحكم الفارسية والرومانية التي احتك بها المسلمون بعد الفتوحات، لا سيما في العراق وفارس، حيث كانت الدواوين تُستخدم في إدارة الجند، الضرائب، والمراسلات.
– الصحابيان الجليلان الحُر بن قيس، والوليد بن هشام، عرضا على عمر فكرة الديوان على غرار الفُرس، فاستشار الصحابة ومنهم عبد الرحمن بن عوف، فوافق على الفكرة لما فيها من تنظيم وضبط إداري يخدم مصالح الأمة.”[1]
هي إذن، مسوغات واهية وإن هي ممدودة فعليهم وعلى من والاهم مردودة.
4_بيئة التخاطب الديني في المغرب الحديث
منظور الدولة للشأن العام منتظم وشمولي ومجالي ويحظى _الشأن الديني _بذات الدرجة التي تحظى به القطاعات الأخرى في السياسات العامة للدولة ” وبالرؤية نفسها نظرنا إلى الشأن الديني فاتخذنا بصدده تدابير جديدة وأصدرنا تعليماتنا السديدة كي يأخذ مجراه الذي تستوجبه وظائف الإمامة العظمى والتزامات أمير المؤمنين الراعي الأمين لجميع متطلبات هذا الشأن في نطاق وسطية الإسلام واعتداله وتسامحه وكونه دين العلم والحياة الداعي باستمرار إلى التجديد والتحديث بما يتلائم مع روحه العالية ومبادئه السامية ومقتضيات التطور الوقتية.
وتحقيقا لهذه الغاية أمرنا بإعادة هيكلة المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية الجهوية مما يجعلها قادرة على أداء رسالتها بإشراف وتوجيه مباشر من جلالتنا. كما أمرنا باتخاذ الترتيبات اللازمة قصد إعادة المكانة لرسالة المسجد باعتباره مقرا للعبادة والتربية والتكوين والوعظ والإرشاد وباعتباره أيضا مركزا ينهض فيه العلماء والعالمات بتأطير المواطنين والمواطنات وصهرهم في مجتمع طاهر سليم واع ومتماسك.”[2]
هذا ووجب ألا يعزب عن الذهن أن هذه هي بيئة التخاطب الديني ببلادنا، ومن حاد عنها فقد أخطأ الأدب والصواب وحُرم الأجر والثوابت.
5_خطبة الجمعة في مشروع خطة تسديد التبليغ: رؤية بيداغوجية
ما خلصت إليه في قراءتي لهذه الخطبة، أحببت أن أساهم به لمزيد التعريف بالمشروع في كل ملقى علمي وملتقى إعلامي وقد تأسست على سابقات لها منذ شهور مضت وأسابيع خلت وهو ما يؤكد لدينا فرضية كنا قد أشرنا إليها في مقال منشور بعنوان: _التِّبيان البليغ فيما يرنو إليه مشروع “خطة تسديد التبليغ”: رؤية لإحياء القيم وتحقيق الحياة الطيبة_وهي أن “مشروع خطة تسديد التبليغ، منهج في التبليغ؛ ذلك أنه:
يثمن المعرفة الدينية؛ لدى الورع.
يؤسس للمعرفة الدينية؛ خطاب للتائب.
يرسخ المعرفة الدينية؛ حال المتردد.
يؤصل للمعرفة الدينية؛ وضعية المُصر.”
وهؤلاء أصناف تحضر الجُمع وتلتزم بالجماعات تحصيلا لجزائها وهو:” الصَّلواتُ الخَمْسُ، والجُمُعةُ إِلى الجُمُعَةِ، كفَّارةٌ لِمَا بَيْنهُنَّ، مَا لَمْ تُغش الكبَائِرُ “.[3]
6_الإهلال في استثمار براعة الاستهلال: تمهيد وتذكير
بعد الأدبيات التي تتقدم في خطبة الجمعة، وهي ما يعرف بالحمد والثناء والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع براعة الاستهلال كما يقول البلاغيون والذي يتخل مقدمة الخطبة، يُمَكَّن أثناءها الحضورُ من التعرف على الموضوع بشكل مركز ودقيق بناء على وحدات معجمية متراسة المبنى كثيفة المعنى محققة للدلالة ومما يؤشر عليها في النص الذي نحلله؛ هاتين العبارتين تواليا “وجعل الشريعة منوطة بتحقيق مصالحهم في الدين والدنيا والآخرة” وأيضا “…. في التبليغ عنه.”
بعد ذلك، يضعنا الخطيب في سياق مؤطِّر للتخاطب الديني ليورد قائلا ” ففي إطار تسديد التبليغ وبيان حقيقة الدين والتدين الصحيح، سبق الحديث عن الدين وأنه يهم الفرد بقدر ما يهم الجماعة وأن هذين الهمين لا ينفصلان، كما سبق الحديث عن وجوب التزام الجماعة واتباع إمامها، وحب الوطن والبرهنة عليه بخدمته ورعاية مصالحه العليا، وعن حقها في اتباع ثوابتها، والسير في ركاب ولي أمرها، جمعا للكلمة وتوحيدا للصف ونبذا للشذوذ، نظرا لما لهذا السلوك من فوائد ومنافع على الأمة.”[4]
هكذا إذن يذكرنا بما سبق من معارف متلقاة وفق توزيع زمني لهذا التخاطب مما يتأسس عليه خطاب الالتزام بالـمُـثُل الجُلى والقيم الفضلى.
7_الأمر الجامع: سنده ومستلزماته
يجد لفظ “الأمر الجامع” سنده في نص منطوق الوحي” وإذا كانوا معه على أمر جامع ” (النور62) ،
يواصل الخطيب كلامه عن بسط هذا المفهوم المركزي الوارد في متن الخطبة قائلا: “واليوم يأتي الحديث عن أمر جامع من أمور الجماعة، وهو؛ وجوب احترام القوانين المنظمة للحياة، واحترام اختيارات الأمة في شأنها العام، كما يجب احترام ثوابتها السالفة الذكر؛ إذ الكل يصب في المصلحة العامة للجماعة بكل مكوناتها “.
8_القول الإجماع في شروحات المفسرين للأمر الجامع
لقد تتبعت أقوال المفسرين لمفهوم الأمر الجامع الوارد في الآية الكريم من سورة النور وهي قوله تعالى ” وإذا كانوا معه على أمر جامع …الآية فوجدت أنهم قد أفاضوا واستفاضوا الكلام عن هذا المفهوم القرآني، فيقول سيد قطب في ظلال القرآن عن تفسير هذه الآية “والأمر الجامع الأمر الهام الذي يقتضي اشتراك الجماعة فيه، لرأى …. أو عمل من الأعمال العامة”.
وورد في البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي قوله في تفسير الآية “والأمر الجامع الذي يجمع له الناس”…. ثم قال ” وفي قوله “وإذا كانوا معه على أمر جامع” أنه خطب جليل لا بد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه من ذوي رأي وقوة يظاهرونه عليه ويعاونونه ويستضيء بآرائهم ومعارفهم وتجاربهم في كفاءته، فمفارقة أحدهم في مثل هذه الحالة مما يشق على قلبه ويشعث عليه رأيه. ”
ثم يورد مفصلا متتبعا المفهوم القرآني_الأمر الجامع_ “وقال مكحول والزهري: الجمعة من الأمر الجامع”.
فيما يقول الألوسي في روح المعاني “ولا يَخْفى أنَّ الأوْلى العُمُومُ وإنْ كانَتِ الآيَةُ نازِلَةً في حفَرِ الخَنْدَقِ ولَعَلَّ ما ذُكِرَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، ووُصِفَ الأمْرُ بِالجَمْعِ مَعَ أنَّهُ سَبَبٌ لَهُ لِلْمُبالِغَةِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ المجازِ العَقْلِيِّ.”
أما الشوكاني في فتح القدير فيورد “﴿ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ ﴾…. أيْ: إذا كانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عَلى أمْرٍ جامِعٍ، أيْ: عَلى أمْرِ طاعَةٍ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْها، نَحْوَ الجُمُعَةِ والنَّحْرِ والفِطْرِ والجِهادِ وأشْباهِ ذَلِكَ، وسُمِّيَ الأمْرُ جامِعًا مُبالَغَةً”.
أما ابن عاشور في التحرير والتنوير فيقول “والأمْرُ: الشَّأْنُ والحالُ المُهِمُّ …. والجامِعُ: الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَجْتَمِعَ النّاسُ لِأجْلِهِ لِلتَّشاوُرِ أوِ التَّعَلُّمِ. والمُرادُ: ما يَجْتَمِعُ المُسْلِمُونَ لِأجْلِهِ حَوْلَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مَجْلِسِهِ أوْ في صَلاةِ الجَماعَةِ.
وهَذا ما يَقْتَضِيهِ (مَعَ) و(عَلى) مِن قَوْلِهِ:﴿ مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ ﴾لِإفادَةِ (مَعَ) مَعْنى المُشارَكَةِ وإفادَةِ (عَلى) مَعْنى التَّمَكُّنِ مِنهُ.
ووَصْفُ الأمْرِ بِـ (جامِعٍ) عَلى سَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ الجَمْعِ. ”
فكلهم مجمعون على دلالة المفهوم وما يقتضيه من: إشراك الجماعة في تدبير الشأن العام والالتزام بالمقتضيات التشريعية المنصوص عليها في الدستور، وكذا القوانين القطاعية التي تتدخل لحماية الحقوق العامة وتضمن السير الطبيعي للجماعة والأمة والدولة والتي لا يمكن التميز بينها من حيث الدلالة ومقصد النشأة وهي العمارة والاستخلاف واتقاء شر الخلاف والسعي إلى التوحيد والإلاف.
إن مفاهيما كالجماعة والأمة مفاهيم قرآنية، “إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّة وَٰحِدَة وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ”الأنبياء (91)، وورد في موضع آخر، “وَأَنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّة وَٰحِدَة وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ” المومنون (53)وورد أيضا، ” إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّة قَانِتا لِّلَّهِ حَنِيفا (النحل 120).
ولجلالة لفظ (الأمة) وما يشتق منه فقد في القرآن الكريم سبعاً وأربعين مرة كما أحصى ذلك العادون، فالأمة؛ حضارة وتاريخ ومرجع وخلود في التاريخ؛ والأمة برجالها الذين لا يخرجون عنها ومنها بفكر سياسوي مستورد.
9_نماذج من تمثلات الفرد والجماعة لمقتضى الأمر الجامع
إنما تحدث الخطيب عن تمثل الفرد والجماعة “الأمر الجامع” في جزئية بسيطة جدا وإلاَّ ، إيراد ذلكم إحصائيا قد لا تسعه بطون مجلدات ؛ وهي” وجوب احترام القوانين المنظمة للحياة “مما يدخل في النظام السلوكي العام والنظام الاجتماعي العام الذي يؤطره النظام الديني العام ،محددا ما يترتب عن الامتثال لهذه القوانين _ذات البعد الوظيفي في الشأن العام _”فلو احترمنا قوانين السير لسلمت كثير من الأنفس التي تزهق سنويا، وحفظت كثير من الأموال التي تُهدر، ولجنَّبنا الأسر كثيرا من الأحزان، ولوفرنا على أنفسنا كلفا نفسية ومادية واجتماعية كثيرة يمكن تلافيها.”[5]
وبالعودة لمتن الخطبة نجد فيه، تأصيلَ تدبير الشأن العام من خلال الاستناد إلى خير القرون فيورد الخطيب أن”العبرة بالمضمون لا بالصيغ، وبما يحقق من المصالح ويدرأ من المفاسد، وليس بمصدره أو منشئه، وقد استأنس الرسول صلى الله عليه وسلم بتدابير من تجارب الفرس والروم في تدبير الشأن العام للأمة، وكذلك فعل أبو بكر وعمر ومن جاء بعدهم رضي الله عنهم، فاقتبسوا من قوانين الدول المجاورة لهم ونُظُمِها، بل وأفكارها وفلسفاتها ما يوافق الشريعة ولا يناقضها.
والدارس للسياسة الشرعية عبر تاريخ الأمة يجد مدى استفادة المسلمين من نُظُمِ الآخرين وتجاربهم المختلفة.”[6]
10_مقاصد الفهوم مما به بُلٍّغ يوم الجمعة العموم
فبعد المفهوم المركزي في الخطبة _الأمر الجامع _ترد مفاهيم تركيبية أخرى لها امتداد في التاريخ الديني والفلسفي تُلهم اليوم بالاشتغال بمنطق وازع القرآن ووازع السلطان لتفتح آفاقا تجاريبية ملهمة في الاستصدار الوضعي عملا بمضمون النص المروي عن عمر بن عبد العزيز “تُحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور” فالقوانين والتشريعات تصاغ للحاجة وبقدر الحاجة لمواكبة المستجدات والنوازل ومستحدثات الأمور.
ومن تلك التراكيب الدينية والفلسفية الواردة في متن الخطبة الموحدة:
أ_”وثيقة المدينة” وثيقة ملهمة في صياغة وازع السلطان لحظة نزول القرآن؛ أما ونحن في زمن تسجد فيه مستجدات بوثيرة سريعة جدا تتطلب تكييفا مع طبيعة التفاعلات المجتمعية التي يمسسها تغيير مطرد يُفتح معها باب الاجتهاد من لدن العلماء للتوجيه، وللخطاب الديني للتبليغ والترشيد، فهذا مما يجِدُّ فيه الكلام ويتجدد.
ولعلماء المملكة وثائق تعاقدية وندوات أفقية وعمودية تواكب بها المتغيرات الممكنة في المجتمع المغربي، ومن ذلكم ما يلوح في الأفق العلمي والثقافي ببلادنا من عقد الندوة العلمية السنوية للمجلس العلمي الأعلى يوم الأحد 23 جمادى الآخرة 1447 في الموافق ل: 14 دجنبر 2025م بعنوان ” المذهب المالكي في ظل تطور المجتمع المغربي”.
ب_”العقد الاجتماعي “مفهوم فلسفي بحثه الفيلسوف جون جاك روسو، وهو صياغة حكمية في مركزية الحاكم الذي يسوس الدولة بمنطق تعاقدي يضمن قيم العدل والمساواة للمجتمع في معاشهم ومعادهم.
هذا، وإن “الدارس للسياسة الشرعية عبر تاريخ الأمة يجد مدى استفادة المسلمين من نُظُمِ الآخرين وتجاربهم المختلفة.
ومن ثَمَّ كان لزاما احترام هذه القوانين التي تصدر عن الدولة اليوم بقصد تنظيم شؤون الحياة باعتبارها من المصالح المعتبرة شرعا المنصوص عليها، أو المرسلة التي اقتضتها الشريعة في حفظ الضروريات الخمس، وفي مقدمتها حفظ الأمن ودفع الفتنة وتسهيل حياة الناس وتيسير قضاء حوائجهم، ورفع الحرج والعنت عنهم بما تقتضيه المقاصد الحاجية، وتحسين معاشهم ومعادهم باتخاذ مكارم الأخلاق ومحاسن العادات ديدنا لهم، في القول الحسن، والعمل الصالح، والمعاملة الطيبة التي تثمر الحياة الطيبة للناس”[7]
ولقد تحدت دستور المملكة 2011 عن مفاهيم مثل: التعاقد السياسي والميثاق الاجتماعي؛ وهي التي ترجمها المغرب في مشاريع التنمية الإصلاحية والمجالية كما تكرس مفهوم الدولة الاجتماعية بقيادة جلالة الملك رئيس الدولة وأمير المؤمنين بالمنطوق الدستوري.
“إن مما يختص به النظام السياسي المغربي العام كما النظام الديني العام كونه قائما على البيعة الشرعية، فالملك رئيس الدولة وهو أمير المؤمنين، والنظام الاجتماعي المغربي العام يتفاعل باستمرار لخلق “جنيسة اجتماعية” دينية ووطنية تذكر بزمن النبوة .”[8]
فإن من وظائف إمارة المؤمنين “جمع الأمة على تصور وخطة دينية لصيانة وحدتها من الخلاف والتمزق لم تكن الأمة فيه بدعا في الناس، وقد حث القرآن الكريم على التآلف والتقارب وترك ما يوجب التدابر والتنازع، كما قال تعالى: “وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡ وَٱصۡبِرُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ “الأنفال ( 47)”[9]
ختاما:
هذا ولا يعدوا أن يكون ما قدمته سوى إسهام في التعريف بالمشروع عل البعض يكف عن الشروع فيما نزع إليه من منزع عنه وهو مشروع علماء أمة بقيادة أمير المؤمنين نصره الله، مشروع يسترعي انتباه الناس لمسألة دقيقة جدا وهي سعي الخطاب الديني الذي يصدر من مؤسسة العلماء إلى ردم الهوة وسد الفجوة بين الدين والتدين وذلك للعمل على مطابقة الخطاب للتمثلات وفقا لمنطق وازعيْ القرآن والسلطان حتى تقوم بالعمران الأوطان.
هذا ومن الله العون والقصد.
………………..
[1] محمد صادق أمين، مشروع إنشاء الدواوين في عهد عمر بن الخطاب eoak.org
[2] مقتطف من نص الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله الى الأمة يوم الأحد بمناسبة تخليد الذكرى الأولى لاعتلاء جلالته عرش أسلافه المنعمين يوم 30 يوليو 2000
[3] صحيح مسلم
[4] من نص الخطبة الموحدة
[5] المرجع ذاته
[6] المرجع ذاته
[7] المرجع ذاته
[8] التقاليد المرعية في تدبير شؤون الرعية: مفهوم البيعة ومقتضيات إمار المؤمنين ووظيفة العلماء
محمد أكعبور مرشد ديني بإقليم الصويرة باحث في الخطاب والإعلام الديني، مقال منشور وهو مشاركة في كتاب جماعي بعنوان: إمارة المؤمنين بالمغرب: التأصيل والخصوصية والأثر، تأليف مجموعة من المرشدين الدينيين 2023
[9] www.habous.gov.ma