شهد المركز الثقافي بمدينة أزيلال نهاية الشهر المنصرم تنظيم ندوة تربوية وازنة ناقشت رهانات تدريس مادة التاريخ في المرحلة الثانوية، حيث انصب التركيز على سبل الانتقال بالدرس التاريخي من آليات الحفظ والتلقين التقليدية إلى مستويات الفهم وبناء المعنى، وذلك وسط حضور مكثف من الفاعلين التربويين والأساتذة المهتمين بالشأن التعليمي في الإقليم.
ونظمت هذه التظاهرة العلمية المفتشية الإقليمية لمواد الاجتماعيات بشراكة مع المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة وبدعم من المجلس الجماعي لأزيلال، تحت عنوان “درس التاريخ في المرحلة الثانوية بين الاشتغال على الزمن وبناء المعنى: مقاربات منهجية ورهانات تربوية”، حيث سير أشغالها المفتشان التربويان يونس بوحسين وعبد الفتاح أيت ادرى، وأطر محاورها كل من الدكتور محمد صهود والدكتور شكير عكي والأستاذ حسن شكير، في سياق يهدف إلى تجسير الفجوة بين الخطاب النظري والممارسة الصفية وفقا لما أورده المصدر.
استعرض الأستاذ حسن شكير في مداخلته الأولى الموسومة بـ “من الولاء للاستعمار إلى ترسيخ قيم المواطنة” التحولات العميقة التي عرفتها الوظيفة القيمية لدرس التاريخ، موضحا أن المادة لم تكن يوما محايدة بل خضعت لسياقات سياسية، بدءا من استغلالها لطمس الذاكرة الوطنية في الحقبة الاستعمارية، ووصولا إلى مرحلة الاستقلال التي ركزت على مغربة المضامين دون تجديد الطرائق، ليؤكد أن الرهان الحالي في ظل مقاربة الكفايات هو تمكين المتعلم من بناء القيم ذاتيا عبر وضعيات مشكلة تحفز التفكير النقدي بدلا من إعادة إنتاج سرديات مغلقة.
وفصل كل من الدكتور شكير عكي والدكتور محمد صهود في مداخلة مشتركة العلاقة الجدلية بين التفسير والتحقيب لبناء المعنى، حيث ركز الدكتور عكي على اعتبار التفسير جوهر الممارسة التاريخية الذي يتجاوز السؤال السطحي “متى حدث” إلى البحث في “لماذا وكيف حدث”، داعيا إلى ملامسة السياقات الزمنية ونوايا الفاعلين وتعدد العوامل المؤثرة لفهم عميق للظواهر التاريخية حسب المصدر ذاته.
وأبرز الدكتور محمد صهود في الشق الثاني من المداخلة أهمية التحقيب التاريخي ليس كعملية تقطيع تقني للزمن بل كخيار معرفي يحمل دلالات تفسيرية، مستحضرا مستويات الزمن التاريخي الثلاثة المتمثلة في الزمن القصير المرتبط بالحدث، والزمن المتوسط المرتبط بالظرفية، والزمن الطويل المرتبط بالبنيات، مشيرا إلى أن الاشتغال بهذه المستويات يجنب المتعلم النظرة التجزيئية للأحداث ويساعده على بناء رؤية شمولية تربط بين التحولات والاستمراريات، شريطة ألا يتحول التحقيب إلى قوالب جاهزة تقتل الوظيفة المعرفية للدرس.
وشدد المتدخلون خلال فقرات الندوة على أن بناء المعنى الحقيقي في درس التاريخ لا يستقيم إلا عبر التفاعل الخلاق بين التفسير الذي يمنح الدلالة والتحقيب الذي يضبط السياق، وهو ما يسهم في تكوين متعلم مواطن واع بالتاريخ وقادر على فهم حاضره واستشراف مستقبله، بعيدا عن هاجس مراكمة المعارف الكمية.