تتكرر في أروقة السياسة والمجتمع نقاشات لا تنتهي وتبرز أسئلة جوهرية حول طبيعة الشعوب التي نريدها وكيف نرسم علاقتها بالسلطة. هل يكفي أن يكون المواطن راضياً وممتثلاً فقط، أم أن دوره يتعدى ذلك ليشمل المحاسبة والمساءلة والمطالبة بالحقوق؟ في عالمنا العربي، حيث تُطرح شعارات التغيير والتنمية، ونسمع وعوداً تتكرر من ألسنة القادة، يبقى السؤال الأهم: هل نحن شعب يصفق فقط، يشكر بلا نقاش، ويرفض أن يعارض؟ أم شعب يمتلك الشجاعة للمطالبة بحقوقه، والوعي لفهم أن المعارضة ليست عيباً ولا خيانة؟
الحقيقة المؤلمة أن هناك من يحاول أن يركّز على الصورة الأولى: المواطن الذي يلتزم الصمت، لا يناقش ولا يطالب، بل يصفق ويقف، مستسلماً لسلطة لا تشاركه ولا تمثله. هذه الصورة خطيرة لأنها تحوّل المواطن إلى مجرد متفرج في وطنه، محروم من حقه في اختيار من يحكمه، أو حتى التعبير عن رأيه بحرية. لكن هل يمكن أن نقبل بهذا الواقع؟ هل يمكن أن نرضى أن نُجرّد من أسمى حقوقنا كمواطنين؟
إن معادلة السلطة مع الشعوب ليست علاقة أبدية بين فرعون وأتباعه، بل هي علاقة مؤقتة تُبنى على الرضا والمساءلة والاختيار. عندما يُحبس صوت الشعب في قفص الخوف، أو يُقمع تحت مسميات “الأمن الوطني” أو “النظام العام”، تصبح العلاقة مع السلطة علاقة استبداد وليست علاقة شرعية. إن الاستبداد لا يعيش من تلقاء نفسه، بل يتنفس من تواطؤ الجماهير، سواء بصمتها أو خوفها أو قبولها.
في هذا السياق، يصبح السؤال: هل نحن شعب لا يستحق سوى هذا؟ هل نرضى أن تُصنع زعاماتنا على مقاسنا السلبي، أو بمقدار تخاذلنا عن المطالبة والتغيير؟ هل نحن شعب يقبل أن يُقحم في بوتقة التعميم، ليصبح كل معارض “متمرداً” أو “مشاغباً”، وكل مطالب بحقوقه “متمرداً على الوطن”؟
الأمر لا يتعلق فقط بمن يرفع الصوت أو يخالف، بل بمن يملك الوعي الكافي ليُدرك أن المطالبة بحقوقه هي جزء من واجبه الوطني، وليس إساءة أو خيانة. وما دامت الأنظمة السياسية تستمر في بناء نفسها على أساس إقصاء المعارض، وقمع الأصوات الحرة، فإن التغيير الحقيقي لن يأتي إلا من وعي جديد، من شعب يفهم أن دوره لا يقتصر على التسليم فقط، بل يشمل الفعل والمساءلة والمطالبة المستمرة.
لا يمكن أن يكون الوطن فضاءً محصوراً في تكرار نفس المشاهد: المواطن المطيع والسلطة المتسلطة. يجب أن نعيد بناء العلاقة بين الشعب والسلطة على أسس الشفافية، المحاسبة، واحترام الحقوق. إن كراهية المعارضة، وتحويلها إلى خصم دائم، لا تصنع إلا بيئة خصبة للاستبداد، وليس للديمقراطية أو التنمية الحقيقية.
في الواقع، من المؤلم أن نرى دولاً تشاركنا نفس التاريخ واللغة والثقافة، لكنها استطاعت أن تبني مجتمعات أكثر انفتاحاً وحرية، بينما نغرق نحن في أتون التهميش والسكوت. هذا ليس قدراً، بل نتيجة خياراتنا الجماعية وتجاهلنا لأهمية الوعي السياسي والمجتمعي.
لذلك، لا بد من الانتباه إلى أن الشعب الذي يصمت ولا يسأل، لا يحاسب ولا يختار، هو شعب يُخدع بسهولة ويُستعبد بلا وعي. إن التغيير الحقيقي يبدأ من الفرد، حين يدرك أن دوره لا يتوقف عند حدود المنزل أو مكان العمل، بل يمتد إلى الفضاء العام حيث تُصنع القرارات التي تمس حياته ومستقبله.
في النهاية، بناء مستقبل أفضل لا يبدأ فقط بتغيير الوجوه في السلطة، بل يبدأ بتغيير العقلية المجتمعية تجاه المشاركة والحقوق. إن الشعب القادر على الاعتراض، والنقد، والمطالبة هو الشعب الذي يملك مفتاح التقدم. فلنكن ذاك الشعب الذي لا يخشى السؤال ولا يتردد في المطالبة، لأن مستقبل أمتنا مرهون بوعينا ومسؤوليتنا الجماعية.