منتدى العمق

الدار البيضاء-سطات: جاهزية صحية استثنائية للموعد الأفريقي

مع اقتراب موعد احتضان المملكة المغربية لنهائيات كأس إفريقيا للأمم، تبرز جهة الدار البيضاء-سطات كواحدة من أكثر الجهات المعنية بنجاح هذا الحدث القاري، ليس فقط من حيث البنيات التحتية الرياضية، بل أساسًا على مستوى الجاهزية الصحية واستعداد المنظومة الاستشفائية لاستقبال والتكفل بآلاف مشجعي المنتخبات الإفريقية المشاركة.

في هذا السياق، شرعت المديرية الجهوية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية بجهة الدار البيضاء-سطات، في تنزيل مخطط صحي استباقي ومتكامل، ينسجم مع الرؤية الوطنية الرامية إلى ضمان أمن صحي شامل خلال التظاهرات الكبرى، ويعكس التحول الذي تعرفه المنظومة الصحية الوطنية بعد جائحة كوفيد-19.

مقاربة استباقية وتنسيق متعدد المستويات

الرهان الأساسي الذي تشتغل عليه المديرية الجهوية يتمثل في الانتقال من منطق التدخل عند الطوارئ إلى منطق الوقاية والتوقع. وهو ما تُرجم عبر تفعيل خلايا إقليمية لليقظة الصحية مع تفعيل المخططات الاستشفائية الاستعجالية لكل المؤسسات الاستشفائية بالجهة، بتنسيق محكم مع المصالح المركزية، والسلطات الترابية، ومصالح الوقاية المدنية، والمصالح الأمنية.

هذا التنسيق المتعدد المستويات مكّن من وضع خريطة دقيقة للنقط الحساسة، خصوصًا محيط الملاعب، مناطق إقامة المنتخبات، الفنادق، محطات النقل، والمناطق السياحية التي يُرتقب أن تعرف كثافة بشرية مرتفعة.

تعزيز العرض الصحي والموارد البشرية

وعلى مستوى العرض الصحي، تم العمل على تعزيز قدرات المستشفيات الجهوية والإقليمية، خاصة أقسام المستعجلات والإنعاش، وضمان جاهزية الأسرة، والمعدات الطبية، والأدوية الحيوية. كما تم وضع مخطط لتعبئة الموارد البشرية الصحية، عبر برمجة مداومات استثنائية للأطر الطبية والتمريضية، مع إشراك فرق طبية متنقلة قادرة على التدخل السريع في محيط الملاعب وأماكن التجمعات الكبرى.

ويُسجل في هذا الإطار الحرص على احترام مبدأ الاستمرارية في الخدمات الصحية الموجهة للمواطنين، حتى لا يكون تنظيم الحدث الرياضي على حساب الحق في العلاج لساكنة الجهة.

اليقظة الوبائية والتواصل الصحي

من الدروس الكبرى التي أفرزتها الأزمات الصحية السابقة، أهمية اليقظة الوبائية والتواصل الاستباقي. لذلك، عززت المديرية الجهوية منظومة الرصد الوبائي، خاصة فيما يتعلق بالأمراض المتنقلة والسريعة الانتشار، مع رفع مستوى الجاهزية داخل المختبرات الجهوية.

كما تم الاشتغال على الجانب التواصلي، من خلال إعداد دلائل توعوية متعددة اللغات، موجهة للمشجعين الأفارقة، تتعلق بالإرشادات الصحية، وأرقام الطوارئ، ومسارات الولوج إلى الخدمات الصحية، بما يضمن وضوح المعلومة وسهولة الولوج للعلاج عند الحاجة.

رهان يتجاوز الظرفي إلى الدائم

لا يمكن اختزال هذه الاستعدادات في بعدها الظرفي المرتبط بكأس إفريقيا فقط، بل تشكل في العمق إختبار حقيقي لقدرة المنظومة الصحية الجهوية على تدبير الأحداث الكبرى، وفرصة لتثمين المكتسبات، ورصد مكامن الخلل، في أفق تنزيل ورش الجهوية الصحية والمجموعات الصحية الترابية.

إن نجاح جهة الدار البيضاء-سطات في هذا الرهان الصحي لن يكون مجرد نجاح تنظيمي، بل رسالة قوية تعكس قدرة المغرب على الجمع بين الإشعاع الرياضي والنجاعة الصحية، وتؤكد أن الحق في الصحة يظل عنصر محوري في كل السياسات العمومية، حتى في لحظات الاحتفال والفرجة.