“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.
الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.
الفصل التاسع:
عودة من القبر وأسئلة العدالة..
اليوم الذي استيقظ فيه يونس في غرفة قاسم الصغيرة كان أشبه بخروج رأسه من تحت الماء بعد غطسة طالت أكثر مما تحتمل الرئتان. فتح عينيه ببطء، لم يجد سقف الإسمنت المتشقق ولا رائحة العفن التي التصقت بأنفاسه في مزرعة الحاج، بل سقفًا عاديًا مطليًا بلونٍ باهت، وبقعة ضوء تميل من النافذة على الجدار كخيوطٍ هادئة. لأول مرة منذ زمن، استيقظ لا لأن بابًا صُفق، أو كلبًا نبح، أو جوعًا طعنه من الداخل، بل لأن جسده استوفى نصيبه من نومٍ عميق.
لبث للحظات ممددًا، يتأكد أن ما حوله حقيقي: بطانية خفيفة، رائحة قهوة بعيدة تصل من المقهى، همهمة أصوات رجال يتحدثون في الخارج. جسده ما زال منهكًا، لكنّ التعب هذه المرة جاء بعد راحة، لا بعد عذاب. رفع رأسه قليلًا، جلس، شعر بدورانٍ خفيف، ثم تذكر المكان: “مقهى… رجل اسمه قاسم… طبق فول دافئ… وكأس شاي.”
همس في نفسه:
ـ يبدو أن الله لم يقطع الحبل كله بعد.
خرج من الغرفة بتردد، فتح الباب ببطء، أطلّ على عالم المقهى. رأى الطاولات البلاستيكية، الكراسي المتناثرة، الدخان الخفيف من سجائر الزبائن، صوت كأس يُطرق على طبق، همسات نقاشٍ عن مباراة الأمس، عن أسعار السوق، عن السياسة كما يفهمها رواد المقاهي. في وسط هذا كله، كان قاسم يتحرك بثبات هادئ، يحمل صينية عليها ثلاثة أكواب شاي، يضعها أمام مجموعة من الرجال، يبتسم ابتسامة قصيرة ثم يعود إلى الداخل.
لمّا رآه قاسم عند باب الغرفة، أشار له بإيماءة بسيطة:
ـ صباح الخير، يا يونس.
ردّ بخجل:
ـ صباح النور، عمي قاسم.
اقترب منه، ألقى عليه نظرةً فاحصة كما يفعل أبٌ مع ابنٍ يخرج لأول مرة من حمى المرض:
ـ كيف حالك الآن؟
ـ أفضل… بكثير.
ـ جائع؟
هز رأسه، فابتسم قاسم وقال:
ـ اجلس أولاً، سنفطر معًا.
في ركنٍ هادئ من المقهى، جلس الاثنان إلى مائدة صغيرة. جلب قاسم خبزًا طازجًا، زيت زيتون، قليلًا من العسل، وكأسين من الشاي. لم يسأل يونس عن حكايته، لم يفتش في جروحه بالكلمات. اكتفى بالردّ على وجوده بما يستحقه أي طفل وصل إلى بابه من تعبٍ طويل: أن يُطعَم، ويُسقى، ويُعامل كإنسان.
بين لقمة وأخرى، شعر يونس أن طعم الخبز هذه المرة يحمل شيئًا جديدًا: ليس مجرد سد جوع، بل إعادة تعريفٍ هادئة لما يمكن أن يكون عليه “بيت” لا يرتبط بالدم، بل بالرحمة.
قاسم، العسكري المتقاعد، كان يحمل في جسده بقايا انضباط الثكنات: طريقة وقوفه، حركة يده وهو يضع الأكواب، حتى طريقة طيّه للمناديل الورقية. لكن القلب في داخله لم يعد قلب جندي يأتمر بالأوامر؛ صار قلب رجل عاش وحدته لسنوات، بعد أن دفن زوجةً تركته بلا أبناء، وبلا صوتٍ صغير يملأ بيته.
حين رأى يونس يدخل عليه من باب الصدفة، بملامحه المتعبة وعيونه التي تحمل من السنين أكثر مما حملته، أحسّ كأن القدر رمى إليه شيئًا كان يدعو به دون أن يسمِّيه: “رفقةً لا تكلّفه كثيرًا، وواجبًا يعيد إليه شعور الجدوى.”
بعد الفطور، عاد المقهى إلى إيقاعه العادي. الزبائن يزدادون ويقلّون على حسب ساعة النهار، والكراسي تُسحب وتُعاد، والصينية لا تستقر طويلًا في يد قاسم. التفت إلى يونس، وقال بهدوء، وكأنّه يعرض عليه عقدًا غير مكتوب:
ـ اسمع يا يونس…
ـ نعم، عمي.
ـ أنا رجل وحدي هنا. هذا المقهى أشتغل فيه لوجه الله ثم لوجه الرزق، لا أولاد يعينون، ولا أحد ينتظرني حين أعود للبيت.
سكت لحظة، ثم تابع:
ـ إن أحببت، تبقى معي هنا. تساعدني في المقهى بقدر طاقتك، وفي المقابل… تأكل، وتشرب، وتنام في تلك الغرفة. لا أملك أكثر من ذلك، لكنّي لا أريدك أن تعود إلى طريقٍ لا تعرف نهايته.
كانت الجملة بالنسبة ليونس كمن يمدّ له يداً فوق حفرة. لم يكن في العرض أي وعودٍ براقة: لا سفر، لا مدينة كبيرة، لا كلمات عن مستقبلٍ عظيم. كان عرضًا بسيطًا: “مكانٌ لا يُغلَق عليك بابه، وصحن طعام، وسرير.”
أطرق يونس برأسه قليلاً، كمن يستشير ذكرياته. رأى المزرعة، رأى بيت رضا، رأى بيت فاطمة، رأى شقّة زينب التي لم يرجع إليها، ثم رفع عينيه وقال:
ـ أقبل، عمي قاسم… ما دمتَ لا تغلق الباب عليّ.
ابتسم قاسم، وفي عينيه لمعة امتنانٍ خفيّة:
ـ باب المقهى يُغلَق فقط عند النوم، لكنّك لست سجينًا عندي. إن شعرت يومًا أنّ قلبك يدعوك لمكانٍ آخر… نرى.
بدأت حياةٌ جديدة تتشكّل ببطء. في الصباح، قبل أن يأتي الزبائن الأوائل، يساعد يونس في مسح الطاولات، ترتيب الكراسي، كنس الأرضية. يُعلّمه قاسم كيف يمسك بالصينية، كيف يضع الكأس دون أن يسكب الشاي، كيف يبتسم للزبون حتى لو كان مزاجه متعبًا.
كان هناك شيء علاجي في هذا الإيقاع: عملٌ لا يقوم على الإذلال، بل على الخدمة؛ طلبات واضحة يمكن تلبيتها، ملامح وجوه تتكرر كل يوم، تحيّات صباحٍ ومساءٍ، أسئلة عابرة:
ـ كيف حالك اليوم يا صغيري؟
ـ جيّد، الحمد لله.
في كل “جيّد” كان يخفي طبقاتٍ من الألم لا يراها أحد، لكنّ واقع المقهى علّمه نوعًا من الاستقرار: يوم يُشبه يومًا، بلا مفاجآت قاتلة.
قاسم، في أوقات الهدوء، كان يجلس معه في الركن، يحكي له شيئًا من حياته القديمة:
ـ كنتُ في الجيش سنين طويلة. رأيتُ حدودًا وجبالاً وثلجًا وصحراء.
يسأله يونس:
ـ وهل خفتَ يومًا؟
يبتسم ابتسامة رجلٍ خبر الخوف ورضي أن يعترف به:
ـ من لا يخاف لا يكون شجاعًا. الشجاعة أن تمشي رغم الخوف.
ثم يقلب السؤال عليه دون أن يجعله تحقيقًا:
. وأنت… ماذا رأيت في سنّك هذا؟
يردّ يونس بجملة قصيرة تختزل رحلة طويلة:
ـ رأيتُ أبوابًا كثيرة تُغلَق.
يصمت قاسم، لأن الجواب أكثر مما يحتمل تعليقًا جاهزًا.
في الليل، بعد أن يُغلق المقهى أبوابه، يجلسان قليلاً في صمتٍ مريح. قاسم يعدّ ما جمعه من نقود اليوم، يحسب ما سيدفعه للكهرباء، للكراء، لما يحتاجه من بضاعة. يونس ينظر من النافذة إلى الشارع الصغير الذي يخلو تدريجيًا من المارّة. لم يعد ينام على خوف أن يُفتح الباب عليه فجأة ليُسحب إلى مكانٍ آخر. يعرف أن الباب الوحيد الذي سيُفتح في الليل هو باب الغرفة لو احتاج ماءً أو لو سمع قاسم يناديه لشرب كأس شاي قبل النوم.
شيئًا فشيئًا، بدأ جسده يستعيد بعضًا من عافيته: لونٌ خفيف عاد إلى خديه، عيناه لم تعودا تغوران إلى الداخل كما كانتا في المزرعة، الخطوة صارت أقلّ ثقلًا. الجوع لم يعد سيد الموقف؛ صار مجرّد ضيفٍ يأتي قبل الوجبات ويذهب بعدها. الكوابيس لم تختفِ تمامًا، لكنها بدأت تخفّ؛ حين يستيقظ الآن في منتصف الليل، لا يسمع فقط نباح الكلب في ذاكرته، بل يسمع أيضًا صوت قاسم يشخر في الغرفة المجاورة، فيطمئن أن هناك إنسانًا على مقربة، لا فقط جدارًا وسلسلة.
قاسم، من جهته، لم يكن يرى في يونس “عاملاً صغيرًا” فقط. في ملامحه المتعبة، كان يرى ابنًا لم يُرزق به، أو حفيدًا محتملًا لجيلٍ لم يأتِ. كان يُنادِيه أحيانًا: “ولدي”، دون أن ينتبه. حين يقدّم له كأس شايٍ في استراحة قصيرة، يضع له دائمًا قطعة سكرٍ إضافية، كما كان يفعل مع إخوته الصغار في طفولته.
في لحظاتٍ معيّنة، حين يرى يونس وهو ينظّف الطاولات بصبر، أو يضحك بخجل من نكتةٍ يلقيها أحد الزبائن، يحسّ أن هذا الصبي لم يعد “هبة من القدر” فقط، بل فرصة له هو أيضًا لبناء ما يشبه البيت: بيتٌ له باب مفتوح نهارًا، وضحكة طفلٍ في الداخل، وواجب يوميّ يعيد إلى حياته معنى الجندية القديمة: أن تحرس شيئًا أكبر منك.
يونس لم يغفل عن حقيقة أن هذا المكان أيضًا قد لا يكون محطته الأخيرة. تعلّم من قبل ألا يتعلّق بالبيوت كأنها أبدية. لكنه، للمرة الأولى منذ زمن بعيد، سمح لنفسه أن يمدّ جذورًا خفيفة في أرضٍ ما: أن يحفظ أسماء الزبائن، أن يعتاد على صوت أذان المسجد القريب، أن يعرف متى تأتي شاحنة الخبز، ومتى يُغلق صاحب الدكان المقابل متجره.
في قلبه، ظلّ هناك فراغ على شكل “صوت أمّ” و”وعد سفر” لم يتحقق، لكنه بدا أقلّ نزيفًا وهو يجد، في مقهى قاسم، شيئًا من الحنان الذي افتقده: يدًا لا تدفعه، بل تسنده، وصوتًا لا يأمره، بل يناديه باسمه دون أن يلحق به صفة “عبء”.
هكذا، بين طاولات البلاستيك وأكواب الشاي وصوت التلفاز الصغير المعلّق في الزاوية، بدأ فصلٌ جديد من حكاية يونس يتكوّن: فصلٌ لا يخلو من الفقر ولا من الغموض، لكنه أقلّ قسوة من المزرعة، وأكثر إنسانية من كل الأبواب الخلفية التي مرّ منها.
وفي مكانٍ آخر، بعيدٍ عن هذا المقهى الصغير، ما زالت خيوط الحكاية تتحرك: زينب تحتضن طفلتها وتبحث عن طريقةٍ لتصل إلى ابنها الأول، محمد يتأرجح بين دوره كأبٍ جديد وذنبٍ قديم، رضا يحاول أن ينسى ما فعل، والحاج ربما بدأ يتساءل: “أين ذهب ذاك الولد؟”.
لكن في هذه اللحظة بالذات، في هذه المدينة الصغيرة، كان طفلٌ اسمه يونس يجلس فوق كرسيّ مكسور الرجل الرابعة، يمسح بيده قطعة طاولةٍ خشنة، وينظر إلى قاسم وهو يبتسم له ابتسامةً صغيرة، فيفهم أن العالم، برغم قسوته، لا يزال يملك زوايا قليلة آمنة، وإن جاءت متأخرة.
يتبع…