منتدى العمق

رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الـ32)

“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.

الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.

الحيرة في بيت زينب بفرنسا لم تكن حيرةَ أمٍّ بين طفلين في مستوى واحد من الحضور؛ كانت حيرةً بين جسدٍ صغير ينام إلى جوارها باسم “ياسمين”، وروحٍ بعيدة تحمل اسم “يونس” لا تعرف إن كان ينام في تلك اللحظة أم يقاوم بردًا جديدًا. كانت تمسك ياسمين إلى صدرها، تشم رائحة الحليب والطفولة، وتهمس لها بأغان خفيفة، لكن في ثنايا كل لحنٍ كان يمرّ سؤال لا يهدأ: “أين أخوكِ الآن؟”

في الليالي الأولى بعد الولادة، كان البيت الصغير يتقاسم الأصوات بين بكاء ياسمين وأنينٍ مكتوم في صدر زينب. محمد يحاول أن يكون أبًا حاضرًا: يغيّر الحفاض، يُحضر زجاجة الحليب، يضحك مع الصغيرة حين تتحرك أصابعها كأنها تمسك الهواء. ومع كل لمسة، يبتعد في داخله شيء عن اسم يونس دون أن يعترف بذلك صراحة.

زينب، على العكس، كلّما احتضنت ابنتها، تذكّرت كيف احتضنت يونس أول مرة، وكيف وعدت نفسها يومها أن تعوّضه عن كل ما سُلب منه. الآن، تشعر أن جزءًا من ذلك الوعد انكسر على صخرة البعد والقرارات المتعجّلة.

كانت تحاول أن تُوازن ما لا يُوازن. تظلّ ساعات تحمل ياسمين، تُرضعها، تغنّي لها، ثم حين تنام الصغيرة، تفتح هاتفها، تنظر إلى سجلّ الأرقام: رقم يونس لا يجيب، رقم فاطمة لا تحمل نفسها على الاتصال به كثيرًا، رقم رضا تحفظه وتخشاه في آن واحد.

في واحدة من تلك الليالي، جلست على حافة السرير، ياسمين نائمة بينهما كجسر هشّ، نظرت إلى محمد وقالت:

ـ أشعر أن قلبي خائن.

سألها:

ـ لمن؟

ـ لياسمين إن لم أعطِها كل ما تستحقه من حنان، وليونس إن ظنّ أن قدومها كان ثمنًا لتخلّينا عنه.

حاول محمد أن يهدّئها بكلماتٍ بسيطة:

ـ أنتِ أمّهما معًا.

لكنه في قرارة نفسه كان يعرف أن الجملة أسهل من الواقع، وأن الأمومة حين تُقطع بالمسافات والملفّات الإدارية لا تعود بالبساطة التي تُقال بها.

في المغرب، بعيدًا عن هذا البيت الصغير، كان رضا يعيش يقظة ضمير متأخرة. حين علم، عبر همساتٍ متفرقة من الحارس ومن رجلٍ مرّ بالمزرعة، بتفاصيل ما عاشه يونس هناك — غرفة الكلب، الجوع، البرد، ثم الهروب — شيء ما في داخله انكسر.

لم يكن يتوقع أن يتعامل الحاج بهذه القسوة؛ كان قد أقنع نفسه أنه “يسلّمه لرجلٍ يعرف كيف يتصرّف”، لا لرجلٍ يحبس طفلاً في قفصٍ ويتركه يتعفن بين الجوع والخوف.

في ليالٍ كثيرة بعد ذلك، كان يرى المشهد كأنّه فيلم يُعاد بلا توقف: هو يسلّم الصبي إلى الحاج عند باب المزرعة، والحاج يأخذه إلى الخلف، والباب يُغلق. يسأل نفسه: “ماذا لو لم يهرب؟ ماذا لو مات هناك وأنا أظنّ أنه في حضانة رجلٍ قادر؟”

سعاد لاحظت تغيّره؛ صار أكثر صمتًا، أقلّ حدّة في نقاشاته، يجلس طويلاً عند النافذة، لا يحمل هاتفه كما كان يفعل. مرة، وجدته في غرفته يفتّش في درجٍ قديم، أخرج منه صورة باهتة ليونس وهو أصغر، واقفا بينه وبين زينب في زمن الشقة الأولى. نظر إلى الصورة طويلاً، ثم أعادها إلى الدرج كمن يدفن شاهدًا على جريمة لم تُكتب في أي محضر.

قالت له سعاد، وفي صوتها لم يعد الغضب خالصًا بل اختلط بقلق:

ـ ما بك؟

ردّ بحشرجةٍ خفيفة:

ـ فعلتُ شيئًا لن يغفره قلبي بسهولة.

لم تسأله تفاصيل؛ تعرف، من السياق كله، أن المسألة تدور حول الصبي. لكنها لم تتوقع حجم ما حدث في المزرعة. حين سمعَت هي أيضًا ما وصله من أخبار، لم تعد تملك حتى حجة “إنقاذ البيت” كما كانت تقول. صار البيت نفسه يبدو لها مبنيًّا على أرضية رخوة من التواطؤ والصمت.

أما الحاج، في مزرعته المحاطة بالسور، فقد تلقّى خبر هروب يونس كمن يتخلّص من حِملٍ ثقيل ومصدر قلق في الوقت ذاته. حين جاءه الحارس صباحًا، وهو يلهث:

ـ الحاج… الولد ليس في الغرفة.

رفع الحاج رأسه، لم يُبدِ صدمة كبيرة. سأل بهدوءٍ عملي:

ـ منذ متى؟

ـ لا أدري… الباب كان مواربًا. يبدو أنه خرج في الفجر.

ظلّ ساكتًا للحظات، ثم قال جملة مختصرة:

ـ دعه يذهب.

الحارس، وقد توقّع أن يُطلَب منه اللحاق به أو تبليغ أحد، تردد:

ـ ألا تخاف أن يُحدِث لنا هذا مشكلة؟ أن يتكلم؟

هزّ الحاج كتفيه:

ـ طفلٌ هارب من مزرعة… سيقولون تاه، سيقولون هرب من بيتٍ للعمل، سيقولون ما يريدون. كثيرون يُحبسون في بيوتٍ أسوأ ولا أحد يسأل عنهم.

ثم أضاف، بصوتٍ أخفض:

ـ أحيانًا، المشكلة حين تخرج من الباب وحدها، يكون ذلك أرحم من أن يُضطرّ المرء إلى رميها بيده.

لكن حتى هذه القسوة الحسابية لم تُخمِد تمامًا ظلّ الخوف في داخله؛ كان يدرك أن الزمن تغيّر، وأن القصص حين تخرج إلى العلن قد تجلب معها متاعب قانونية وإعلامية لم يكن يعرفها في شبابه. صار أكثر حذرًا في حديثه، أقلّ رغبة في الدخول في “صفقاتٍ بشرية” كما فعل قديمًا. ومع كل هذا، لم يفكّر لحظة في البحث عن يونس أو إصلاح ما فعله؛ أقصى ما فعله هو أن تمنى في سره أن يبتعد الصبي بعيدًا عن دائرته، حتى لا يعود اسمه إلى الطفو على سطح حكايةٍ قد تستيقظ.

في فرنسا، كلما هدهدت زينب ياسمين لتنام، كان ضميرها يُعيد عليها تفاصيل مكالمتها الأخيرة مع فاطمة ورِضا: غرفة الكلب، المزرعة، الحاج.

كانت تشعر أن حكاية ابنها الأول، التي بدأت بلدغة أفعى وكذبة وفاة، ونُسجت بعدها بخيوط بيع وتبنٍّ وهجرة، وصلت الآن إلى نقطةٍ من الظلم لا يمكن السكوت بعدها والاكتفاء بالدعاء.

في لحظةٍ ما، وهي تنظر إلى وجه ياسمين الصغير، تمتمت لنفسها:

ـ لن أسمح أن تكبر ابنتي على حكايةٍ بهذا العار، أن تقول: “أمي تركت أخي في مزرعة.”

لم تكن تعرف بعد كيف ستتحرّك، من ستسأل، وأي باب ستطرق، لكنها أحسّت لأول مرة منذ زمن أن الأمومة، إن كانت حقيقية، لا تُجزّأ بين جغرافيا وأخرى: هي التزامٌ بالبحث عن الضائع، كما هي التزامٌ بحمل المولود.

رضا، في مدينته، كان يدرك أن طريق التكفير عن الذنب، إن كان له أن يبدأ، لن يمرّ عبر أعذارٍ يكرّرها لنفسه، بل عبر مواجهة ما فعله. كان يخاف من الحاج، من سلطته، من ماضيه، لكنه بدأ يفكر أن الخوف الأكبر يجب أن يكون من ذلك اليوم الذي سيجد فيه نفسه أمام نفسٍ عارية من كل تبرير، وأمام عينَي طفلٍ قد يظهر يومًا على عتبة بابه من جديد، يسأله بلا كلمات: “لماذا بعتني مرتين؟”

والحاج، رغم بروده الظاهر، كان يعود أحيانًا في الليل إلى تذكّر تلك العينين الغائرتين في غرفة الكلب، فيقول في نفسه:

ـ لو أنه مات هناك، لكان الأمر أبسط… لا أثر، لا شهود.

ثم يرتجف من فظاعة الفكرة ذاتها، فيسكت.

بين فرنسا والمغرب، وبين شقةٍ صغيرة في ضاحية، وبيتٍ متوسط في مدينة، ومزرعةٍ منعزلة على طرف الطريق، كانت الحكاية تشدّ خيوطها نحو نقطة التقاء محتومة. زينب التي ظنّت أن أمومتها انقسمت، بدأت تستعيد صوتها الداخلي، ورضا الذي هرب من مواجهة ماضيه، صار يراوده ذلك الماضي في كل زاوية، والحاج الذي حسب أن المشكلة خرجت من بابه، يحمل في صدره بقايا خوف من أن تعود يومًا من بابٍ آخر.

يتبع…