منتدى العمق

رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الـ35)

“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.

الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.

لم يتركوا للأيام أن تطول؛ في صباحٍ قريب، ركب الثلاثة حافلةً صغيرة باتجاه المدينة التي صار يقطنها يونس. الطريق التي قطعها الصبيّ هاربًا على قدميه، يقطعها الآن أبوه وعمه وأمه على مقاعد مهتزّة، يحمل كلٌ منهم في صدره حكاية مختلفة للميل نفسه: حادة تحمل رجاءً متأخّرًا، باسو يحمل خوفًا من أن ينهدم توازنه الذي بناه على قبورٍ من الورق، وعسو يحمل إحساسًا بأنّه على وشك أن يضع يده على خيطٍ من العدالة تأخر كثيرًا.

وصلوا إلى المدينة، سألوا عن “مقهى الأطلس”، دلّهم الناس بسهولة؛ في مدينةٍ صغيرة، المقاهي تحمل أسماء معروفة. وقفوا أمام الباب برهة، كأنهم يقفون على عتبة قدرٍ جديد. قلب حادة يخفق بسرعة، يداها ترتجفان، باسو يحاول أن يبدو متماسكًا، لكن عينيه لا تخفيان ارتجافة الداخل.

دخلوا. المقهى كما هو: طاولات، كراسي، دخان، صوت تلفاز. قاسم كان خلف “الكونطوار”، ينسّق الأكواب. رآهم يدخلون، استقبلهم بنظرة ترحيبٍ اعتيادية، لكنه لاحظ أن في وجوههم توترًا لا يشبه وجوه الزبائن العابرين.

قبل أن يسألوه، خرج يونس من الغرفة الخلفية يحمل صينية عليها ثلاثة أكواب. لم ينتبه أول الأمر إلى القادمين الثلاثة، كان ينظر إلى الطاولات ليتأكد لمن سيقدّم ماذا. حين رفع رأسه، التقت عيناه، بلا قصد، بعيني حادة.

في تلك اللحظة، توقف الزمن ثانيةً.

حادة وضعت يدها على صدرها، كأن شيئًا في قلبها انتفض فجأة وعاد إلى مكانه الطبيعي بعد اختلالٍ طويل. لم ترَ فقط وجه شابٍّ في الرابعة عشرة، بل رأت طفلها الذي خرج من بيتهم صباحًا يحمل سلّة القصب. رأت الخط نفسه في الحاجبين، ميل زاوية الفم، تلك اللمعة في العين عندما يتفاجأ ولا يريد أن يُظهر خوفه.

همست، لا تكاد تخرج الكلمة:

ـ أمناي…

ارتعشت الصينية في يد يونس، كاد كأس أن يسقط. لم يفهم الاسم أولاً، لكنه شعر أن الصوت الذي نطق به يحمل شيئًا أقدم من حياته الحالية. باسو تجمّد في مكانه، ينظر بين وجه الصبي ووجه حادة، قلبه يضرب في صدغه.

قاسم، الذي استشعر ثِقل الهواء فجأة، وضع الصينية التي في يده، اقترب، قال بهدوء:

ـ تفضلوا… هل يمكن أن أجلسكم في زاوية؟

لم ينتظروا طويلاً. جلس الثلاثة على طاولة قريبة من الجدار، ويونس واقف أمامهم، يكاد قلبه يخرج من عينيه ولا يعرف لماذا. رأى في وجه الرجل ما يذكّره بشيءٍ لا يمسكه، ورأى في وجه المرأة وجعًا يشبه وجعه، وفي وجه العم العسكري شيئًا من هيبةٍ عرفها في طفولته.

قبل أن ينطق أحدهم، انتبه عسو إلى شيءٍ آخر: في ملامح يونس شيء ناقص. كان يتذكّر في أمناي وحمة صغيرة على خدّه، قرب الأذن، كأنها نقطة حبر تركها القدر علامةً له وحده. الآن، وجه يونس خالٍ من تلك البقعة. اقترب بعينيه أكثر، كأنه يريد أن يفتش في الجلد. لم يجدها.

قال بصوتٍ لا يخلو من خيبة أملٍ سريعة:

ـ كانت لأمناي… علامة هنا.

وأشار إلى موضعٍ في وجهه.

مدّ يونس يده لا إراديًّا إلى المكان نفسه، كأنه يتفحص جلده. كان هناك اختلاف طفيف في لون البشرة، موضعٌ صغير بدا كأنه شُفي من حرق قديم.

تدخل قاسم، صوته يحمل حذر رجلٍ رأى في عيون القادمين علاقة لا يريد أن يقطع خيطها:

ـ هذا الولد… جاءني يومًا وفي وجهه أثرُ شيء هنا.

ثم أكمل همسًا:

ـ يبدو أنه أزال وحمةً بحمضٍ قوي… “حمض النيتريك”، هكذا سمّاه.

الكلمة سقطت على الطاولة كاعترافٍ إضافي بالجريمة. وحمة أمناي، التي كانت حادة تقبّلها كل صباح، أزيلت كما تُزال علامةٌ من دفتر، بحمضٍ يأكل الجلد. لكنّ بعض الآثار تُخفيها الحروق على السطح، وتبقيها مطبوعة في الذاكرة.

باسو، الذي بقي حتى هذه اللحظة ممسكًا نفسه، شعر أن شيئًا في داخله زال عنه الستار. لم يعد يرى فقط الشبه في الوجه، بل رأى أيضًا ظلاً في الجسد. قال بصوتٍ مبحوح:

. أمناي…

رفع يونس رأسه، الاسم بدأ يتردّد في داخله مثل صدى بعيد. لم يسمّ نفسه بهذا الاسم من قبل، لم يسمعه من أحد حوله، لكن هناك شيئًا في أعماقه استجاب له، كما تستجيب الأرض لاسم المطر.

حادة لم تعد تحتاج إلى المزيد من الأدلة في الوجه. قامت من مكانها، اقتربت خطوة، ثم قالت لقاسم وعسو بصوتٍ ثابت على غير عادتها:

ـ إن كنتم تريدون يقينًا يرضي عقولكم… فأنا أريده لقلبي أيضًا.

ثم نظرت إلى يونس:

ـ يا ولدي…

توقّفت، لم تشأ أن تصدمه بالكلمات دفعة واحدة، فقالت بهدوء:

ـ أيمكنك أن ترفع ساقك اليمنى قليلاً؟

استغرب قاسم الطلب، واستغرب يونس أكثر. لكنّ نبرة المرأة لم تكن نبرة تحقيق؛ كانت نبرة أمٍّ تبحث عن علامة في جسد ابنها تعرفها أكثر من أي وثيقة. بتردّد، جلس على كرسيٍّ قريب، رفع طرف بنطاله عن ساقه اليمنى. في أسفل الساق، قرب الكاحل، كانت هناك ندبةٌ واضحة: أثر لدغةٍ قديمة، حفرة صغيرة في الجلد محاطة بلون مختلف، لم تندمل بالكامل، كأنها تذكّر الجسد بما حدث يومًا أمام ظلّ الجبل.

شهقت حادة، وضعت يدها على فمها، ثم أطلقت صوت بكاءٍ لم يكن بكاء اليوم فقط، بل بكاء سنين مؤجّلة:

ـ هذه لَدغةُ الأفعى… هذه لَدغةُ الأفعى.

ثم انهارت على ركبتيها أمامه، تمسك بساقه كمن يمسك بدليل نجاةٍ متأخر، تقبّل الأثر كما لو أنه ختمُ تصديقٍ إلهيّ على أنّ قلبها لم يكذب عليها يومًا.

باسو، الذي رأى العلامة نفسها في ذلك الحقل البعيد، لم يعد يستطيع أن ينكر. جلس على الكرسي كمن أُخذ منه الهواء، عيناه امتلأتا بالدموع، لم يدرِ أيمدّ يده إلى رأس يونس أم إلى قلبه. لم يقل الكثير؛ الرجال الكبار في القرى لا يجيدون الكلمات في لحظات الانهيار. اكتفى بأن مدّ يده المرتعشة، وضعها على كتف الصبي، وقال باسمًا بين الدمع:

ـ يا رب…

يونس، وسط هذا الانفجار العاطفي، كان يشعر كأنه يقف بين زمنين: زمن اسمه “يونس” يعرف عنه بعض الشيء، وزمن بعيد اسمه “أمناي” لا يعرفه إلا كظلّ في الأحلام. عيناه تنتقلان بين وجه حادة الذي يغمره سيلٌ من حبٍّ لم يعرفه منذ زمن بعيد، ووجه باسو الذي يحمل ملامحه هو، ووجه عسو الذي ينظر إليه كمن يقول: “كنتُ على حق.”

في داخله، بدأت قطع كثيرة تتجاور: حقل، جبل، أفعى، مستوصف، نعش فارغ، بيت زينب، رجل يُدعى رضا، مزرعة، غرفة كلب، مقهى… والآن، امرأة تبكي عند ساقه وتقول له: “هذه لَدغتك.”

قاسم وقف جانبًا، يشهد المشهد الذي بدأ يتضح معناه أمامه: هذا ليس مجرّد “ولد متعب” وجد عنده ملاذًا، بل حلقة مفقودة من حكايةٍ أكبر من مقهاه وأكبر من مدينته الصغيرة. شعر بشيء من الامتنان لأنه كان واحدًا من الجسور التي عبر منها هذا الطفل نحو لحظة الحقيقة.

وعسو، الذي حمل هذا الشكّ معه من المقهى إلى البيت، أدرك تمامًا أن الصوت الذي همس في صدره لم يكن مجرّد وَهْم. نظر إلى باسو، ثم إلى حادة، ثم إلى يونس، وقال في سرّه:

ـ بعض الأموات… لم يكونوا أمواتًا إلا في الأوراق. الآن، آنَ لهم أن يعودوا إلى أسمائهم.

يتبع…