منتدى العمق

رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الـ36)

“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.

الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.

إعادة أمناي إلى اسمه لم تكن كافية لإعادته إلى الحياة رسميًا؛ القانون لا يكتفي بدموع الأمهات ولا بندوب اللدغات، بل يطلب أدلة باردة: تحاليل، أختام، تقارير، وشهادات. في الأيام التي تلت لحظة الانكشاف في مقهى الأطلس، انتقل الجميع من صدمة اللقاء إلى ثِقل السؤال: “وماذا الآن؟”

في البيت، بعد أن عادوا بيونس معهم مؤقتًا، جلس باسو وعسو وحادة في دائرةٍ صامتة. يونس في الغرفة المجاورة، لا يزال يمسك بخيوط هويته الجديدة القديمة: “أمناي” يعود إلى فمه بتردّد. حادة تكرر اسمه كمن يتذوق كلمة ظلّت حبيسة الدعاء:

ـ أمناي… أمناي…

لكن عسو، بعينه التي خبرت الإدارات والمحاكم العسكرية، قال بصوتٍ واقعيّ:

ـ ما رأيناه يكفينا نحن… لكنه لا يكفي الدولة.

رفعت حادة رأسها:

ـ الدولة هي التي أعلنت موته خطأً، فلتصحّح خطأها.

ـ ستقول إنها اعتمدت على تقارير أطبائها. إن أردنا أن نخرج ابننا من القبر في الأوراق، لا بد من طريقٍ واضح.

هنا، بدأ الطريق الطويل: أوّلًا، إثبات أن يونس هو أمناي، ثم إثبات نسبه رسميًا إلى باسو وحادة، ثم تصحيح شهادة الوفاة، ثم فَتح ملفّ الجرائم التي ارتُكبت في حقّه: من المستوصف، إلى من باعه، إلى من اشتراه، إلى من أعاده.

عسو اقترح أول خطوة:

ـ سنأخذ عينات للتحليل. هناك تحليلات “بصمة وراثية”… يطابقون فيها دم الأب والأم مع دم الولد. إن تطابقت، لن ينكر أحد.

لم تكن حادة تعرف تفاصيل هذه العلوم، لكنها تمسكت بجملة واحدة:

ـ خذوا ما شئتم من دمي… المهم أن يعود ابني إلى اسمه.

تمّت المواعيد في مستشفى إقليمي هذه المرة، لا في المستوصف القديم الذي بدأ منه كل شيء. ممرضون يسحبون العينات من يونس، ومن، ومن حادة. الأوراق تُملأ: “ادّعاء تصحيح نسب”، “شك في هوية متوفى”، “طلب إعادة فتح ملف”. عيون الموظفين بين الدهشة والملل: هذه ليست قضية يومية؛ قلّما يعود ميتٌ في الأوراق ليطرق بابهم حيًّا.

النتائج لن تأتي في يومٍ أو يومين؛ يُقال لهم: “أسبوعان… ربما أكثر.” الزمن، مرة أخرى، يضعهم في غرفة انتظار كبيرة، لكنّهم هذه المرة ينتظرون حياة، لا مصلًا مضادًّا.

في هذه الأثناء، تحرّك ملفّ آخر في ذهن عسو: المحاسبة. لم يعد الأمر مجرد “خطأ طبي” و”قدر سيء”. هناك خيوط واضحة: طبيب كتب وفاته دون يقين، رجلٌ بعباءة داكنة خرج بالطفل من باب خلفي، “مسؤول نافذ” خلط البشر بالصفقات، رضا الذي قبِل أن يربّي طفلاً ثم أعاده إلى نفس الدائرة، محمد وزينب اللذان حملاه بين أحلامهما ثم تركاه لمعارك الأوراق، فاطمة التي لم تعد تحتمل العبء، والحاج الذي حبسه في غرفة كلب وتركه للجوع والخوف.

قال عسو لباسو ذات مساء:

ـ إن أردنا العدالة لابننا، لا بد أن يُفتح ملف كل هؤلاء.

تنهد باسو، نظر إلى يده التي ترتجف:

ـ العدالة… قد تعني السجن لأناسٍ أحبّوه أيضًا.

ـ ومن أحبّ يونس حقًا…؟

ـ زينب، رغم أخطائها… أحبّته. فاطمة، رغم فقرها، احتضنته. رضا في فترةٍ من الزمن، ومحمد الذي وعده بالسفر…

ثم سكت، وأكمل بصعوبة:

ـ هل نرمي بكل هؤلاء في السجن؟

في مكانٍ آخر، في فرنسا، كانت زينب تعيش معركتها الخاصة مع هذا السؤال دون أن تعرف كل تفاصيله بعد. وصلتها أنباء متقطعة عمّا جرى: أن ابنها الأول حيّ، أن عائلته البيولوجية عثرت عليه، أن الأمر صار في يد الأطباء والمحاكم. فرحت من جهة أن قلبها لم يكذب، وتألمت من جهة أخرى لأن العودة إليه لم تعد مجرد عودة عاطفية، بل أصبحت عودةً محفوفة بالمساءلة:

ـ أين كنتِ حين كان في المزرعة؟

ـ ماذا فعلتِ حين انقطع المال عن فاطمة؟

ـ ما موقفكِ ممن باعه أول مرة؟

محمد، حين بلغه الخبر، شعر أن الحكاية التي كان يأمل أن تبقى في الظلال تتحرك الآن إلى الضوء. قال في نفسه:

ـ إن فُتح ملفّ يونس رسميًا، لن يُسأل فقط عن المستوصف والحاج، بل عن رضا، وعنّا نحن أيضًا.

لم يعد الخوف هنا قانونيًا فقط؛ كان أخلاقيًا كذلك.

في جلسةٍ حادة مع زينب، قال لها:

ـ إن خضنا طريق المحاكم حتى النهاية، قد نجد أنفسنا نحن أيضًا في قفص الاتهام.

ـ بسبب ماذا؟

ـ لأننا حملناه ثم تركناه. القاضي لا يرى النوايا، يرى الأفعال.

نظرت إليه، في صوتها حزم الأم:

ـ إن كانت توبتنا صادقة، فلن نخشى أن نُسأل. أخاف أكثر أن يكبر وهو يظن أننا تخلّينا عنه دون أن ندفع ثمنًا لذلك في الدنيا.

في المغرب، عادت كلمة “مسؤولية” لتطرق رأس رضا كل ليلة. علم، عبر قاسم أو غيره، أن أمناي ـ يونس ـ عاد إلى أهله، وأن التحاليل تُجرى، وأن القضية قد تخرج من دائرة “الحكايات” إلى دائرة “الملفّات”.

جلس مع سعاد، التي لم تعد قسوتها كما كانت؛ هي نفسها شعرت بأن الطفل الذي رفضت وجوده في بيتها، تعرّض في المزرعة لما يفوق قدرتها على التبرير. قالت بخفوت:

ـ إن سألونا… سنقول الحقيقة.

ـ والحقيقة قد تضعنا في قفص الاتهام.

ـ ربما يكون ذلك أقل قسوة مما عاناه هو.

الحاج، على الجهة الأخرى من الحكاية، كان يعيش نوعًا آخر من القلق. هروب يونس لم يعد في ذاكرته “تفصيلًا” يمكن نسيانه؛ مع مرور الأسابيع، ومع حديث الحارس عن “أناسٍ جاؤوا يسألون في المدينة عن ولدٍ مفقود”، بدأ يشعر أن الدائرة تضيق.

لم يكن رجلاً يخشى القانون عادة؛ سنوات من “التسهيلات” جعلته يظنّ أن له مخرجًا من كل مأزق. لكن هذه المرة مختلفة: هنا لا يتعلّق الأمر بصفقة أراضٍ أو رخصةٍ مشبوهة، بل بطفلٍ يمكن أن يقف يومًا في المحكمة، يروي ما عاشه في غرفته، في المزرعة، في البيت.

قال لنفسه، وهو يجلس في ظلال الزيتون:

ـ إن اختار هذا الولد أن يسامح… ربما أنجو. وإن اختار أن يتكلم… قد لا تنفعني كل الأبواب التي فتحتها من قبل.

في قلب كل هذا التشابك، كان يونس ـ أمناي ـ يجد نفسه أمام مفترق طرق أكبر من سنّه. لم يكن يفكر في “المسؤولية الجنائية” كما يفكر الكبار، لكنه كان يشعر بثقل آخر: ثقل الاختيار بين العدالة لمن ظلموه، والرحمة لمن أحبّوا ثم أخطأوا.

في جلسة هادئة مع عسو، بعد أن هدأت عاصفة اللقاء الأول، سأله العم بصوتٍ مباشر:

ـ يا ولدي… قد يطلبون منك أن تشهد.

ـ على مَن؟

ـ على كل من مررتَ بهم. المستوصف، الرجل الذي خرج بك، الحاج في المزرعة، رضا، وربما… زينب ومحمد أيضًا، بطريقتهما.

صمت يونس طويلاً، يُقلّب المشهد في رأسه. رأى الطبيب الشاب في المستوصف، وجهه المتردد، سمع جملة “لقد فعلنا ما بوسعنا”. رأى الرجل بعباءته الداكنة، يده الثقيلة على رأسه وهو يحمله كـ”صفقة”. رأى الحاج، معطفه النظيف، غرفة الكلب. رأى رضا يقرّر أن يسلّمه، سعاد تُلحّ، محمد يختار ابنته الجديدة، زينب ممزقة بين طفلين، فاطمة تثقل عليها المصاريف.

قال بهدوء:

― بعضهم باعني، وبعضهم حاول أن يحبّني ثم خاف، وبعضهم فقير لا يملك إلا نفسه.

ردّ عسو:

ـ والعدالة؟

ـ العدالة… ألا يحدث هذا بطفلٍ آخر.

ـ وكيف؟

ـ إن سكتُّ، سيظنون أن ما فعلوه مرّ بلا أثر. وإن تكلمتُ… قد يدخل السجن من لم يقصد أن يطعنني، بل ضعُف.

لم يملك حلاً جاهزًا. كان قلبه يميل إلى حماية من أحبّوه رغم تقصيرهم: زينب التي احتضنته، قاسم الذي أنقذه، فاطمة التي شاركته خبز الفقر. لكن قلبه أيضًا كان يرفض أن يُترك الحاج ورجاله وأمثالهم يمضون دون حساب.

ربما كان الخيار، في النهاية، أن يُفرّق بين من جعلوا منه “بضاعة” ومن جعلوا منه “ابنًا ثم عجزوا”. أن يصرّ، بشهادته، على أن يُحاسَب من أخرجوه من المستوصف وباعوه ومن حبسوه في المزرعة، وأن يترك للقدر والرحمة أن يتولّيا أمر من أحبّوه وأخطأوا، بشرط أن يعترفوا هم أنفسهم بخطئهم، ويتحمّلوا ما قد يقرّره القاضي من عقوبات مخفّفة أو إجراءات تصحيحية.

وقبل أن تصل الأمور إلى تلك اللحظة الحاسمة، كان هناك طريق لا بد أن يُقطع: انتظار نتائج البصمة الوراثية، رفع دعوى رسمية لإلغاء شهادة الوفاة واستصدار شهادة حياة جديدة باسم “أمناي بن باسو”، تسجيله في الحالة المدنية من جديد، ثم فتح ملفّ التحقيق. في كل خطوة، كان يونس يشعر أنه يخرج من “كفن الحياة” شيئًا فشيئًا، لا كرمز أدبي فقط، بل كورقة رسمية أيضاً.

أما في قلبه، فكان يعرف أن أكثر ما يحتاجه، بعد كل هذا، ليس فقط أن يحمل بطاقة وطنية صحيحة، بل أن يجد طريقةً يعيد بها تعريف العلاقة بكل هؤلاء: بأبٍ وأمٍ فقداه ثم وجداه، بأمّ بالتبنّي في فرنسا، برجلٍ أعطاه سقف المقهى، وبذاتِه هو، التي لم تعد فقط “الطفل الذي باعوه”، بل الشاب الذي سيكون عليه أن يختار: من يغفر له، ومن يطلب عليه الحساب.

يتبع…