منتدى العمق

رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الـ39)

“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.

الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.

الحنين إلى الفصل الدراسي بدأ عند يونس كإحساسٍ خفيف كلما رأى تلاميذ المدينة يخرجون من مدرستهم القريبة من مقهى الأطلس، يحملون محافظهم على ظهورهم، يتدافعون على الرصيف، يتبادلون الضحكات والشكاوى من “الفرض” و”الأستاذ الصارم”. كان يمسح الطاولة قرب النافذة، فيتوقف لحظة، يراقب وجوههم، يتخيّل نفسه بينهم: دفتر على الطاولة، سبّورة، طباشير، وأستاذ يشرح درسًا عن التاريخ أو عن كسرٍ اعتياديٍّ بسيط.​

في المقهى، كان يسمع أحيانًا حديث الزبائن عن أبنائهم:

ـ اليوم ابني نجح إلى الإعدادي.

ـ ابنتي تحتاج دروس دعم.

هذه الجمل، التي تبدو عادية في آذان الآخرين، كانت تسقط عليه كتنبيهٍ داخلي: “أنت أيضًا تحبّ هذا العالم، لا يقلّ عن حبّك للمقهى والعمل.” تذكّر مدرسته في المدينة السابقة، تلك التي تعرّف فيها على حروفٍ جديدة، معَلماتٍ شجّعنه، أصدقاء شاركهم الساحة. رغم تنقّلاته، كانت المدرسة دائمًا المكان الوحيد الذي يشعر فيه أن الناس ينادونه باسمه دون شروط: “يونس” في لائحة الحضور، “أمناي” في دفاتر الماضي، والآن يريد أن يكون “التلميذ” الذي يرفع يده في القسم ليسأل.​

ذات مساء، بعد أن أُغلِق المقهى وهدأت الشوارع، جلس مع قاسم في الركن المعتاد. قال وهو يحرّك كأس الشاي بين يديه:

ـ عمي قاسم…

ـ نعم يا ولدي.

ـ أحبّ العمل هنا، وأحبّ أن أساعدك… لكن قلبي يشتاق إلى شيء آخر.

ـ إلى ماذا؟

ـ إلى الدراسة. إلى أن أجلس على مقعدٍ خشبي، أفتح كتابًا، أسمع شرحًا، أكتب واجبًا، أعود في المساء وفي يدي دفترٌ مليء بالحبر.

تأمل قاسم وجهه، رأى في عينيه بريقًا مختلفًا عن بريق الرغيف أو الأجر اليومي:

ـ الدراسة حقّك… لكنّ طريقها ليس سهلاً لمن مرّ بما مررتَ به. تحتاج أوراقًا، ملفات، وربما استثناءً من مسؤولٍ ما.

ـ إذن… أذهب إليه.

ـ إلى من؟

ـ إلى من يمكنه أن يفتح لي باب المدرسة.

في اليوم التالي، بعد أن أنهى عمله الصباحي في المقهى، غيّر قميصه، مشّط شعره ببساطة، استأذن من قاسم:

ـ سأغيب بعض الوقت.

ـ إلى أين؟

ـ إلى “المسؤول” الأول في الإقليم.

قاسم لم يسأله لِيَثنيه؛ رأى في هذه الخطوة شجاعة أكبر من سنّه:

ـ اذهب… لكن كن محترمًا في كلامك، واضحًا في طلبك.

قطع يونس الطريق إلى مقرّ العمالة الإقليمية، وهو يحمل في قلبه قصّة كاملة وفي ذهنه طلبًا واحدًا. البناية كانت أعلى من أي بيتٍ في المدينة، علمٌ يرفرف على السطح، حرّاسٌ عند البوابة، رجال بلباس رسمي يدخلون ويخرجون، أوراق في أيديهم، ملفات تحت آباطهم. اقترب من الباب، حاول أن يمرّ، فوقف في وجهه رجل من القوات المساعدة، عريض المنكبين، يحمل عصًا قصيرة، قال بنبرة عادةً ما تُقال للكبار:

ـ إلى أين؟

ـ أريد مقابلة المسؤول الإقليمي.

ابتسم الرجل ابتسامةً تميل إلى السخرية:

ـ وهل كل من أراد ذلك دخل هكذا؟ عندك موعد؟

ـ لا.

ـ إذن ارجع، يا ولدي. المسؤولون لا يُقابلون الناس في الشارع.

كلمات الرجل لم تكن قاسية بقدر ما كانت تقليدية. لكنّها اصطدمت في صدر يونس بتاريخٍ طويل من الأبواب الموصدة: باب المستوصف، باب عمارة رضا، باب المزرعة، باب الإدارات التي لم تعرف اسمه. أحسّ أن هذا الباب بالذات، إن تركه مغلقًا، سيغلق معه باب المدرسة نهائيًا.

قال بثباتٍ نادر في صوته:

ـ لن أرجع حتى يسمعني أحد.

ـ قلت لك ارجع، لا تُتعب نفسك.

ـ حياتي كلها تعبتُ فيها… لن أتعب من الوقوف عند الباب.

حاول الحارس أن يدفعه برفق جانبًا، لكنه تمسّك بمكانه قرب العتبة. رفع صوته قليلًا، ليس صراخًا، لكن بوضوح:

ـ يا سيادة المسؤول! أنا لا أطلب مالاً ولا وظيفة… أريد فقط أن أعود إلى الدراسة!

كان صوته، في تلك اللحظة، قويًّا بما يكفي ليخترق الزجاج الموارِب لطابقٍ علويّ. في مكتبٍ في الأعلى، حيث يجلس العامل الإقليمي أمام أوراقه، وصل صوت الطفل مشوبًا بعنادٍ صادق. رفع رأسه، التفت إلى السكرتير:

ـ ما هذا الصوت؟

ـ ربما أحد المتذمّرين في الباب…

سكت المسؤول لحظة، ثم قال بجملةٍ نادرة في هكذا مكاتب:

ـ نادوه… ليرِنا ماذا عنده.

نزل موظف، تبعه حارس، طلبوا من يونس أن يدخل. الحارس الذي منعه قبل قليل شعر بشيء من الارتباك، كمن اكتشف أن هذه المرّة ليست مثل المرات السابقة. صعد الطفل الدرجات بخطوات متسارعة، قلبه يدقّ بين ضلوعه كطبلٍ صغير. دخل إلى مكتب واسع، أرضيته مغطّاة بسجّاد، على الجدران صور رسمية، مكتب كبير خلفه رجل في الخمسين تقريبًا، يرتدي بدلة أنيقة، في عينيه تعبٌ خفيف من كثرة المطالب اليومية.

جلس يونس على كرسيٍّ أمامه، يداه متشابكتان في حجره. سأله المسؤول بنبرة مزيج بين الرسمية والفضول:

ـ ما اسمك؟

ـ … يونس.

تردد، ثم أضاف:

ـ وأيضًا… أمناي.

رفع المسؤول حاجبيه:

ـ قصّتك تبدأ من هنا، على ما يبدو. حدّثني.

لم يبدأ من المقهى، ولا من المزرعة. بدأ من البداية الحقيقية:

ـ كنتُ طفلاً في قريةٍ عند سفح جبل… اسمي أمناي. في صباحٍ خرجتُ إلى الحقل، لدغتني أفعى… حملوني إلى المستوصف.

حكى عن الطبيب الذي قال “القلب توقّف”، عن النعش الذي لم يُفتح، عن الجنازة الورقية، عن الرجل الذي خرج به من الباب الخلفي، عن المدينة الأولى، عن بيت زينب ومحمد، عن فرنسا التي لم يطأها لكنه عرفها من الوعود، عن الطلاق، عن عودةٍ إلى رضا، عن مزرعة الحاج وغرفة الكلب والجوع والبرد والكوابيس، عن الهروب عشرين كيلومترًا إلى مدينةٍ صغيرة، عن قاسم ومقهى الأطلس، عن عودةٍ مفاجئة إلى باسو وحادة، عن التحاليل التي قالت إن الدم لا يكذب، عن التحقيقات التي لا يزال صداها يدور.​

 

المسؤول الإقليمي، الذي اعتاد أن يسمع شكاوى عن الطرق غير المعبّدة والإنارة والصفقات، وجد نفسه أمام حكايةٍ تبدو كأنها خرجت من ملفّات حقوق الطفل أكثر مما خرجت من دفاتر الإدارة. لم يقاطعه كثيرًا؛ تركه يحكي، كأنّ الكلام جزء من العلاج.

وحين انتهى، وساد صمتٌ قصير، سأل بصوتٍ هادئ:

ـ وماذا تريد منّي؟

هنا، كانت لحظة الاختبار. كان يمكن ليونس أن يطلب تعويضًا، منزلًا، وظيفة، تدخّلًا لتخفيف الأحكام عمن أحبّهم، الكثير من الأشياء التي يمكن أن تخطر ببال شابّ في مثل وضعه. لكنه، وقد رُميَ في طرقٍ كثيرة لم يخترها، عرف أن ما يريده حقًّا هو أن يكون له مستقبَلٌ لا يقوم على صدفة ولا على بيع.

قال، وهو ينظر في عيني المسؤول دون تردّد:

ـ لا أريد شيئًا لنفسي غير أن أعود إلى الدراسة. أريد أن أُكمل ما فاتني، ألا أبقى “حالةً” في ملفاتكم فقط، بل تلميذًا يذهب إلى القسم كل صباح.

ـ فقط؟

ـ فقط. إن كان في استطاعتكم أن تجدوا لي مكانًا في مدرسة، مهما كانت بعيدة. أنا أعمل في المقهى، أستطيع المساعدة في مصاريف الدفاتر. لكنّني أحتاج إلى باب مدرسة مفتوح، لا باب مزرعة مغلق.

تأمل المسؤول وجهه. رأى فيه تعب السنين، رأى فيه أثر ظلمٍ واضح، لكن رأى فيه أيضًا شيئًا نادرًا في كثرة من يقصدونه: طلبًا لا يمرّ عبر “الامتياز”، بل عبر “الحق البسيط”.

قال بعد لحظات:

ـ سنرى كيف. وضعك الإداري معقّد: شهادة وفاة أُلغيت، تحقيق جارٍ، نسبٌ أُعيد… لكنّ حقك في الدراسة لا يجب أن يُعلَّق بكل هذا.

نظر إلى السكرتير:

ـ اتصلوا بنيابة التعليم في الإقليم. قولوا لهم: لدينا حالة خاصة، شابّ تجاوز سنّ أقرانه قليلاً، لكنه يريد أن يكمل دراسته. نريد حلاً خارج الصيغ الجاهزة.

خرج يونس من المكتب تلك المرة وهو يشعر أن الباب الذي اقتحمه بصوته لم يُفتح فقط لمقابلة مسؤول، بل فتح احتمالاً جديدًا: أن يتحوّل من “قصة مأساة” تتناقلها الألسن، إلى “تلميذ” يحمل كتابه ويمشي في الصباح مع البقية.

حين عاد إلى مقهى الأطلس، كان قاسم يمسح الأكواب. نظر إلى وجهه، قرأ فيه شيئًا من الأمل، فسأله:

ـ كيف كان اللقاء؟

ابتسم يونس ابتسامةً خفيفة فيها تعب وأمل:

ـ لأول مرة… لم يُقفل الباب في وجهي. حدّثته عن حياتي كلها، ولم أطلب إلا باب قسمٍ مفتوح. قال: “سنرى.”

ضحك قاسم، وربّت على كتفه:

ـ “سنرى” هذه، يا ولدي، لو جاءت من بعضهم تكون وعدًا فارغًا. لكن بعد كل ما حكيته له، أظنها عنده بداية طريق.

ثم أضاف، وهو ينظر إلى الشارع حيث يمرّ تلاميذ بزيّهم المدرسي:

ـ حين تحمل حقيبتك وتخرج معهم صباحًا، ستعرف أن كل الطرق التي مشيتها حافيًا لم تذهب هدرًا.

في تلك الليلة، وهو يتهيأ للنوم في غرفة المقهى الدافئة، شعر يونس أن الحبل الذي ربطه بالأمس إلى الموت الوهميّ في المستوصف، وربطه بعدها إلى غرفٍ مغلقة ومصائر غيره، بدأ يُستبدَل بحبلٍ آخر: حبلٍ من دفاتر وسبّورات، من أساتذة وأسئلة امتحان، من مستقبلٍ يصنعه هو، لا يُصنع له.

لم يكن يعرف بعد في أي قسمٍ سيُجلسونه، ولا كم سنةً سيتطلّب الأمر ليلحق بأقرانه أو يسبقهم. لكنّه كان يعرف شيئًا واحدًا: أنه، لأول مرة منذ أن لدغت الأفعى ساقه، اختار هو بنفسه بابًا طرقه، وكان الطلب الوحيد الذي خرج من فمه لا يتعلق بالهرب من الألم، بل بالذهاب نحو المعرفة.

يتبع…