منتدى العمق

“هاتو المغرب هاتو”.. حين يزلزل مثلث الرعب عروش العرب!

​لم يكن الفوز بلقب كأس العرب مجرد إضافة عابرة لرفوف الخزينة الرياضية المغربية، بل كان تجلياً مقدساً لروح أمةٍ لا ترضى بغير القمم بديلاً، وإعلاناً صريحاً بأن زمن “المشاركة من أجل المشاركة” قد ولى إلى غير رجعة. في ملاعب العرب، لم يركض لاعبونا خلف كرة من جلد فحسب، بل ركضوا حاملين على أكتافهم أحلام شعبٍ يرى في قميص “المنتخب” مرآةً لعزته، وفي منصات التتويج تعبيرا عن هوية كبريائه التي لا تقبل القسمة على اثنين. لقد ردّد الجميع بيقين الواثقين “هاتو المغرب هاتو”، فكان الرد في الميدان ملحمةً تدرس، وبرهاناً على أن هذا القميص يمنح صاحبه قوة تتجاوز حدود المنطق التكتيكي لتلامس حدود الإعجاز.

​في هذا المشهد التاريخي، رسم “مثلث الرعب” لوحة من الكبرياء ستظل محفورة في ذاكرة الأجيال؛ فعبد الرزاق حمد الله، ذلك “القناص” الذي لا يخطئ ميعاد الشباك، أثبت أن الموهبة حين تمتزج بالخبرة والشغف تخلق رعباً لا تداويه خطط الدفاع. وإلى جانبه، برز محمد ربيع حريمات كمهندس لخط الوسط وضابط لإيقاع الأحلام، يربط بين الدفاع والهجوم بهدوء الكبار، مقدماً دروساً في التفاني والذكاء الميداني. ومن خلفهم جميعاً، انتصب المهدي بنعبيد سداً منيعاً وجداراً من الثقة، طمأن قلوب المغاربة قبل زملائه، مؤكداً أن العرين المغربي محميٌّ بقفازات من حديد لا تعرف للارتجاف سبيلاً، لتكتمل بهذا الثلاثي حكاية شعبٍ لا يتقن بتاتاً لغة الانكسار.

​إن أجمل ما في هذا التتويج هو ذلك الاندفاع العفوي للمغاربة نحو الفرح، فنحن شعبٌ يعشق الانتصارات بصدقٍ يربك الحسابات، فرحةٌ مغربية “خام” لا تحتاج إلى “مكياج” إعلامي أو “تمثيل” أمام الكاميرات. هي وطنية صادقة تخرج من أعماق القلب، من بيوت البسطاء قبل القصور، ومن المقاهي المكتظة بصيحات التشجيع إلى الشوارع العريضة التي تزينت بالأحمر والأخضر. عندما يرفع المغربي علمه، فهو لا يؤدي بروتوكولاً، بل يمارس فعل حبٍ وانتماء، فنحن شعبٌ يحب الحياة بقدر ما يقدس راية الوطن، ويؤمن أن الانتصار هو حقٌ مشروع لجيلٍ تربى على أن سقف طموحه هو عنان السماء.

​لقد أثبتت هذه البطولة أن الشخصية المغربية المعاصرة لا تقبل الهزيمة ولا تألفها، بل تدخل الميادين بروح المحارب الذي أسقط كلمة “المستحيل” من قاموسه. هذا الإصرار ليس غروراً، بل هو ثقة مستمدة من تاريخ عريق وإيمان بأن العمل والروح القتالية هما مفتاحا المجد. إن فوزنا بكأس العرب هو رسالة مدوية لكل من راهن على انكسارنا: “نحن هنا، كنا وما زلنا، شعباً يصنع الفرح من قلب التحدي، ويحول العرق إلى ذهب”. وكما نقول في دارجتنا المليئة بالتفاؤل: “وخا ماشي النهاية، حيت مزال العاطي يعطي”، سيبقى هذا المنتخب شعلة لا تنطفئ، وقصة وطنية تُكتب بمداد الفخر لتكون ملحمة خالدة في سجل العظماء.