منتدى العمق

حين تكشف الرياضة ما تخفيه السياسة: عدم مصافحة المدرب المغربي ونمط التمثّل المشرقي للمغرب

أثارت حادثة عدم مصافحة مدرب مغربي بعد تحقيقه الفوز في مواجهة كروية أمام منتخب عربي مشرقي موجة من التفاعل في الأوساط الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي. ورغم الطابع الرياضي البسيط للواقعة، إلا أنها أعادت إلى الواجهة سؤالًا أعمق يتجاوز كرة القدم: كيف يُنظر إلى المغرب والمغاربة في بعض السياقات المشرقية؟ وكيف يقابل المغاربة هذا النوع من السلوك؟

واقعة رياضية… بدلالات ثقافية

من الناحية الشكلية، قد تُفسَّر الواقعة باعتبارها تصرفًا انفعاليًا لحظة الهزيمة، أو خروجًا عن الأعراف الرياضية لا أكثر. غير أن تكرار مثل هذه السلوكيات في مناسبات مختلفة يجعلها قابلة للقراءة ضمن سياق أوسع، لا بوصفها موقفًا فرديًا، بل باعتبارها انعكاسًا لتمثّلات ثقافية راسخة.

في المقابل، جاء ردّ الفعل المغربي – شعبيًا ورسميًا – هادئًا ومتّزنًا، خاليًا من التصعيد أو خطاب الكراهية، وهو ما أعاد التأكيد على صورة الليونة والبساطة وضبط النفس التي تميّز السلوك المغربي في المحافل الدولية.

التاريخ خلف السلوك

تُظهر دراسات تاريخية وفكرية أن العلاقات بين المشرق والمغرب لم تُبنَ دائمًا على التكافؤ الرمزي. فقد رسّخ الفكر القومي العربي، منذ منتصف القرن العشرين، مركزية المشرق بوصفه حامل “العروبة النموذجية”، مقابل تصوير المغرب كفضاء طرفي أو ملتبس الهوية.

ويشير المؤرخ الفرنسي دانييل ريفيه إلى أن المغرب، بسبب مساره التاريخي المختلف القائم على الاستمرارية السياسية والتعدد الثقافي، ظل خارج التصنيفات المشرقية الكلاسيكية للدولة القومية العربية، ما ساهم في إنتاج نوع من التهميش الرمزي له داخل الوعي المشرقي (Rivet, Histoire du Maroc).

من السياسة إلى الملعب

هذا التهميش لا يظهر فقط في الخطاب السياسي أو الفكري، بل يتسرّب أحيانًا إلى مجالات تبدو محايدة مثل الرياضة. فعدم الاعتراف بالآخر، أو التقليل من إنجازه، هو سلوك يجد جذوره في تصور ثقافي يرى ذاته مركزًا ويصنّف غيره هامشًا.

لكن المفارقة، كما تبرزها هذه الواقعة، أن المغرب لا يواجه هذا السلوك بالمثل. فالثقافة المغربية، كما تشرح الباحثة سوزان غيلسون ميلر، تشكّلت تاريخيًا على قيم التعايش، والتدرج، والبراغماتية الاجتماعية، ما يفسّر قدرة المغاربة على الفصل بين المنافسة الرياضية والخصومة الرمزية (A History of Modern Morocco).

دلالة الرد المغربي

إن هدوء ردّ الفعل المغربي لا يعني ضعفًا أو سذاجة، بل يعكس:
• ثقة في الذات
• وعيًا بالمسار التاريخي
• إدراكًا بأن الاعتراف لا يُنتزع بالانفعال بل بالإنجاز

وهنا تتحول الواقعة من لحظة توتر عابر إلى شهادة غير مباشرة على نضج السلوك المغربي، في مقابل ارتباكٍ رمزي لدى الطرف الآخر.

خاتمة

تكشف حادثة عدم المصافحة أن الرياضة ليست دائمًا خارج التاريخ، وأن الملاعب قد تصبح أحيانًا مسرحًا لتمثّلات ثقافية قديمة. غير أن الدرس الأبرز الذي تقدمه الواقعة هو أن ليونة وبساطة المغاربة ليست ضعفًا، بل نتاج مسار حضاري طويل اختار التوازن بدل الصدام، والاعتراف المتبادل بدل الإقصاء.